مختصر قصة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين أما بعد ننتقل اليومَ للحديث عن نبيِ الله عيسى ابنِ مريم عبدِ الله ورسولِـه عليه الصلاة والسلام. وذُكر عيسى عليه السلام في ثلاثَ عشرةَ سورةً من القرءان الكريم، وفي ثلاثٍ وثلاثينَ ءايةً منـه. وهو عبدُ اللهِ ورسولُهُ عيسى ابنُ مريم بنتِ عمران وهو ءاخرُ أنبياءِ بني إسرائيل عيشًا في الأرض. سيدُنا عيسى عليه الصلاة والسلام عبدٌ من عبادِ الله خلقَهُ الله تعالى وصَوّرَهُ في الرحم كما صوّرَ غيرَه مِن البشر، وقد خلقَه تعالى من غيرِ أبٍ كما خلق ءادمَ من غير أبٍ وأم. وأمُ نبي الله عيسى عليه السلام هي مريمُ بنتُ عمران من سلالةِ نبي الله داود عليه السلام، الصّديقةُ الوليةُ البتول العذراءُ الطاهرة التي تربّت في بيتِ الفضيلة وعاشَت عيشةَ الطُهرِ والنزاهةِ والتقوى، وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليها في القرءانِ الكريم في مواطِنَ عديدة. وقد كان والدُ مريم عليها السلام عِمــران رجلًا صالحًا عظيمًا وعالِمًا جليلًا من علماءِ بني إسرائيل، وكانت زوجتُه عاقرًا لا تلد واسمُها “حِنّة” وهي من العابدات، وكان زكريا نبيُ الله زوجَ أختِ مريـــم في قول الجمهور. وقد نذرت حِنّة لله تعالى إن حملت لتجعلَنَّ ولدَهـا مُحررًا لله أي خالصًا لخدمة بيت المقدس، فاستجاب الله عزّ وجلّ دعاءها فحملت بمريمَ عليها السلام. ونشأت الصّديقةُ الوليةُ مريمُ عليها السلام نشأةَ طهرٍ وعفاف وتربّت على التقوى تؤدّي الواجبات وتكثر من نوافل الطّاعات، وعاشت في جــوار بيتِ المقدس، وقد وصفَها الله تعالى في القرءان الكريم بالصدّيقة، وكانت الملائكةُ تأتي إلى مريمَ عليها السلام وتزورُها، إلى أن جاءت إليها في وقتٍ وبشّرتها باصطفاءِ الله تعالى لها من بين سائرِ النساء وبتطهيـرِها من الأدناسِ والرذائل، وبشّرتها كذلكَ بمولودٍ كريمٍ يكونُ له شأنٌ عظيـمٌ في الدنيا والآخرة ويكلّمُ الناسَ صغيرًا في المهدِ ويكونُ كَهْلًا ومِن الصالحين، يقول الله تعالى في القرءان الكريم: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
تقدّم أنّ مريمَ كانت تعبدُ الله وتقومُ بخدمةِ المسجد، وكانت تخرج منه في زمنِ حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها، وفي ذاتِ يوم خرجت مـن محرابها الذي كانت تعبد الله تعالى فيه وسارت جِهةَ شرقيِ بيتِ المقدس وأمرَ الله تعالى الروحَ الأمين وهو جبريلُ عليه السلام أن يذهبَ إليها ليبشرَها بعيسى عليه السلام، وهناك تمثّلَ لها جبريل في صورةِ شابٍ جميلٍ أبيضِ الوجهِ، فلمّا رأته مريمُ عليها السلام لم تعرف أنه جبريل ففزِعت منه واضّطربت وخافت على نفسها منه وارتابت في أمره حيـث ظهر لها فجأة في ذلك المكان، وصارت مريم تبتعد منه ثم قالت إنِّي أعوذُ بالرحمنِ منكَ إنْ كُنتَ تقيًّا أي إن كنت تقيًّا مطيـعًا فلا تتعرض لي بسوء، لكنَّ جبريلَ عليه السلام سُرعانَ ما أزالَ عنها اضطرابَها وهدَّأ من روعها وقال لها إنَّما أنا رسولُ ربِّكِ لأهَبَ لــكِ غُلامًا زكيًّا أي أني لست ببشر ولكني ملكٌ من الملائكة أرسلني الله تعالى إليك لأهبَ لك غلامًا يكون طاهرًا نقيًا قالت أنَّى يكونُ لي غلامٌ ولم يَمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيًّا، أي ليس لي زوجٌ ولستُ بزانية، فقد تعجبت مريمُ عليها السلام عندما بشّرها جبريل بالغلام لأنها بكرٌ غيرُ متزوجة وليست زانية فأجابها جبريلُ عن تعجُبِها بأنَّ خَلْقَ ولدٍ من غيرِ أبٍ سهلٌ هيّنٌ على الله تعالى، ولِيجعلَه علامةً للناسِ ودليلًا على كمالِ قدرته سبحانه وتعالى وليجعلَه رحمةً ونعمةً لمن اتّبعه وصدّقَه وءامنَ به. وأمرَ الله تبارك وتعالى جبريلَ عليه السلام أن ينفُخَ في مريمَ البتول روحَ عيسى المشرّفةَ عنده فنفخَ أمينُ الوحي جبريل روحَ عيسى في أعلــى جيب قميصِ مريم عليها السلام فوصلت بنفخته الروحُ من فم مريم إلـى رحِمها عليها السلام بقدرةِ الله وحَملت بتلك النفخةِ بالسيّدِ المسيحِ عليــه الصلاة والسلام، ويقالُ إنَ عُمُرَ مريمَ عليها السـلام حين حَملت بعيسى المسيحِ عليه السلام كانَ ثلاثَ عشرةَ سنة، وقدِ اختلفَ العلماءُ في مدةِ الحمل فقيل: تسعُ ساعات وقيل: ثمانيةُ أشهر، وقيل: تسعةُ أشهر، والله أعلم.
لما حملت السيدةُ مريمُ عليها السلام بعيسى وظهرت عليها ءاثارُ الحمـل كان أولُ من فطن لذلك زكريا عليه السلام وقيلَ ابنُ خالِها يوسفَ النجار وكان من عباد الله الصالحين، فجعلَ يتعجبُ من ذلك لمـا يعلم من تديُّنها ونزاهتها فقال لها مرة يُعرِّضُ لها في حملها: يا مريم هل يكون زرعٌ من غير بذر؟ فقالت له: نعم، فمن خلق الزرعَ الأول؟ ثم قال لها: فهل يكونُ ولدٌ من غير ذكر؟ قالت: نعم إنَّ الله خلق ءادمَ من غيـرِ ذكر وأنثى، عندئذ قال لها: فأخبريني خبرَك، فأخبرته حقيقةَ أمرِها وقالت له: إنّ الله تعالى بشّرني بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابنُ مريـم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلّم الناس في المهد وكهلًا ومـــن الصالحين. ثم شاع الخبرُ في بني إسرائيل أنّ مريم حامل فأساء بها الظنَ كثيرٌ منهـم واتهمها البعضُ بيوسفَ النجار الذي كان يتعبد معها في المسجد، واتهمها ءاخرون بنبي الله زكريا عليه السلام والعياذ بالله من الكفر، وحزِنت مريمُ عليها السلام حزنًا شديدًا واعتراها كربٌ عظيم وتوارت عن أعيُنهم واعتزلتهم وانتبذت بحملها مكانًا بعيدًا فرارًا من قومها أن يعيّروها بولادتها من غيرِ زوج، وذلك أنها علمت أنّ الناس يتهمونها ولا يصدقونها إذا أتتهم بمولودها الصغير مع أنها كانت عندَهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد في عبادة الله سبحانه. ثم لما أتمت مريمُ عليها السلام أيامَ حملِها وهي في بيتِ لحم اشتدَّ بها المخاض ثم ألجأها وجعُ الولادة إلى جِذع نخلة يابسة وقيل كانت نخلـةٌ مثمرة، فاحتضنت ذلك الجذع وولدت مولودَها عيسى عليه السلام، وناداها جبريل عليه السلام من مكانٍ من تحتها من أسفلِ الجبل يُطمئنُها ويخبرُها أنّ الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرًا ويطلب منها أن تَهُزَ جذع النخلة ليتساقط عليها الرُطب الجنيُ الطريُ وأن تأكلَ وتشربَ مما رزقها الله تعالى وأن تَقَرَّ عينُها بذلك وأن لا تكلمَ إنسًا فإن رأت أحدًا من الناس تقولُ له بالإشارة أنها نذرت للرحمن صومًا أي صمتًا، وكان من صومهم في شريعتهم تركُ الكلام والطعام، فهزّت مريمُ عليها السلام جِذعَ النخلةِ فتساقطَ عليها الرطبُ الجنيُ الناضج فأكلت عليها السلام منه وشربت من ذلك النهر الذي أجراه الله تبارك وتعالى بقدرته لها في مكانٍ كان لا يوجد فيه نهر، وكلُّ ذلك إكرامًا من الله سبحانه وتعالى لمريم على إيمانها وصلاحِها وعنايةً بوليدِها السيدِ المسيح عيسى عليـه الصلاة والسلام. أتت السيدةُ مريم عليها السلام قومَها تحمل مولودَها عيسى عليه السـلام على يدها في بيتَ لحم فلمّا رءاها قومُها قالوا لها: لقد فعلت فعلةً مُنكـرةً عظيمة، فإنَّ أباك لم يكن رجلَ سوء ولم تكن أمُك زانية، وظنوا بها السوء وصاروا يوبخونها ويؤنبونها وهي ساكتةٌ لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمنِ صومًا، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه فعنده جوابُ ما تبغون، عندها قالوا لها مُتعجبين: كيفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المهدِ صبيًّا وما هذا منك إلا على سبيلِ التهكّم بنا والازدراء إذ لا تردّين علينا بكلام، عند ذلك أنطـق الله تبارك وتعالى بقدرته الرضيعَ عيسى عليه السلام وكان عمُرُه أربعين يومًا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ وهذا اعترافٌ منه عليه السلام بالعبوديةِ لله تبارك وتعالى وهذه أولُ كلمةٍ نطقَ بها عيسى وهو في المهد {ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} وهذا إخبارٌ عمّا قضى الله تعالى له وحكمَ له به ومنحَه إياه مما سيظهرُ ويكون، وفي ذلك تبرئةٌ لأمِه مما نسبوا إليها واتهموها به، فإنَّ الله تعالى لا يُعطي النبوةَ لمن هو كما زعموا، ثم قال لهم عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} أي نفّاعًا حيثما توجهتُ معلّمًا للخير، وذلك أن السيد المسيح عيسى عليه السلام كان يدعو حيث كان إلى عبادة الله تعالى وحده وأن لا يُعبدَ شيءٌ غيرُه. قال الله تعالى إخبارًا وحكاية عن عيسى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} وهذا أيضًا إخبارٌ عما قضى الله له ومنحَه إياه مما سيظهَرُ ويكون، فكانَ نبيُ الله عيسى عليه السلام يصلـي لله تعالى كما أمره، ويُحسنُ إلى عباد الله بالزكاةِ وبذل الأموال والعطايا للمحتاجين والفقراء، ولم يكن عليه السلام فظًّا ولا غليظًا، قال الله تعالــى إخبارًا عن عيسى عليه السلام وما أنطقه به في المهد: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} فلما كانت هذه المواطنُ الثلاثة أشـقُّ ما يكونُ على ابنِ ءادم جعلَ الله تعالى السلامةَ على نبيه عيسى عليــه السلام في هذه المواطنِ الثلاثة يومَ ولادتِه وعندما يموت وعند البعث يومَ القيامـة. وهنا فائدة: بعد أن تكلم عيسى عليه السلام وهو في المهد واعترف بالعبوديـة لله تعالى ودفعَ التهمةَ الباطلةَ عن أمه مريم البتول إلى ءاخرِ كلامِه وهو فــي المهد، أمسكَ بعدَ ذلك عن الكلامِ حتى بلغَ المبلغَ المعتادَ في نُطقِ الصِبيان فأنطقه الله تعالى بالحكمةِ وحسـنِ البيان.
قال الله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} أي أنّ عيسى عليه السلام هو عبدٌ من عبادِ الله مخلوقٌ من امرأة وهـي أمُه مريم، وقال الله تبارك وتعالـى: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي فاختلف أهلُ ذلك الزمان ومَن بعدَهم في أمر عيسى عليه السلام فمِن قائل مِن اليهود إنه ابنُ امرأةٍ زانية واستمروا على كفرهــم، وقابلَهم ءاخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال ءاخرون: هـو ابنُ الله، وقال ءاخرون: الله ثالثُ ثلاثة. وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابنُ أمته وكلمته ألقاها إلى مريـم وروحٌ منه، وهؤلاء همُ الناجون المنصورون. والآن نتكلم عن ظهور العجائب عليه في صباه وبَدءِ نزول الوحي عليـه، عليه الصلاة والسلام. لما وُلد عيسى ابنُ مريم عليه السلام ظهرت أمورٌ عجيبة تعظيمًا لشـأن هذا المولود ولما سيكون من أمره في المستقبل مِنْ جعله رسولًا يدعـو الناسَ إلى عبادة الله تعالى وحدَه وإلى الشرعِ القويم الذي أُنزل عليــه. فقد رُوي أنه لما ولد السيدُ الجليل عيسى ابنُ مريم عليه السلام أصبحـت الأصنامُ التي كانت تُعبَدُ من دون الله في زمان ولادته بكلّ أرض مقلوبةً منكوسةً على رءوسها ففزعتِ الشياطين وراعها فلم يدروا ما سببُ ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاءوا إبليس اللعين فأخبروه بذلك، فطار إبليسُ فمرّ بالمكان الذي وُلد فيه عيسى عليه السلام، فلمّا رأى الملائكة مُحدقين بذلك المكان علم أنّ ذلك الحدث بسبب ولادة ذلك المولود، فأراد إبليسُ اللعين أن يأتيَه فلم تمكّنْه الملائكةُ من الدنو منه. ولما بلغ ذلك المولودُ الرضيعُ من العمُرِ ثمانيةَ أيام حملته أمه إلى الهيكل فخُتن، وسمَّت مريمُ عليها السلام مولودَها “عيسى” كمــا أمرَها جبريلُ عليه السلام حين بشّرها به بأمرٍ من الله تبارك وتعالــى. كان عيسى ابنُ مريم عليهما السلام يظهرُ عليه العجائبُ بقدرة الله تعالى، فلمّا ترعرعَ عليه السلام وفشا أمرُه بين اليهود أرادوا به سوءًا وأغـروا ملك الروم “هيرودوس” بقتله، فلما علمت أمه مريم عليها السلام بمؤامـرة اليهود خافت عليه وانطلقت به إلى مصر، فترعرعَ هناك ونشأ وعاش بين ربوعها اثنتي عشْرةَ سنة، وقيل: إنه لما بلغ سبعَ سنين أسلمته أمه إلى “الكُتَّاب” فجعل لا يعلمُه المعلم شيئًا إلا بدره إليه. ويقال إنه بعد موت ملك الروم “هيرودوس” أمر الله تعالى عبده عيسى عليه السلام أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت المقدس في فلسطين، وقدِم عليه ابن خالة أمه يوسف النجار فحمله وأمَه على حمار حتى جاء بهما إلـى بيت المقدس، وقيل: نزل هو وأمه بقرية يقال لها “ناصرة” وبها سُميـت “النصارى”. ولما بلغ عيسى عليه السلام الثلاثين من العمر أوحـى الله تعالى إليه أن يبرُز للناس ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فصار عليـه السلام يدعو الناس إلى ذلك ويقول لهم: أيها الناس اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا وءامنوا بأني رسول الله إليكم، فآمن به اثنا عشَر شخصًا يُسمَون “الحواريين” فأخذ عيسى عليه السلام يُوزعهم في نواحي الأرض يدعون إلى عبادة الله تعالى وحده ونشرِ دينِ الإسلام العظيم الذي هو دينُ جميع الأنبياء والملائكة، وقد أيده الله تعالى بالمعجزات الباهرات فكان عليــه السلام يشفي المرضى والزمنى والأكمهَ والأبرص وغيرَهم من المرضى حتى أحبَه الناس وكثُر أتباعُه وعلا ذكرُه وشأنُه بين الناس، وكان عليـه السلام يقضي أيامه في التَجوالِ والسياحة في الأرض لدعوة الناس إلـى دين الإسلام العظيم.
لَمَّا بَلَغَ سَيِّدُنَا عِيسَى الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثِينَ مِنْ عُمرِهِ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَخَرَجَ عليه السلام يَجُوبُ الْبِلادَ وَيَجُولُ فِي الْقُرَى، يَدْعُو إِلَى دين الإِسْلامِ العظيم قَائِلًا لِلنَّاسِ: “اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَءَامِنُوا بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ”، فَآمَنَ بِهِ أَوَّلَ مَنْ ءَامَنَ اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا يُسَمَّوْنَ “الْحَوَارِيِّينَ”. ويُرْوَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مُعْجِزَاتِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّ وَالِدَتَهُ السَّيِّدَةَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلامُ دَفَعَتْهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ شَتَّى، وَءَاخِرُ مَنْ دَفَعَتْهُ إِلَيْهِمْ كَانُوا جَمَاعَةَ صَابِغِي الثِّيَابِ يُبَيِّضُونَهَا وَيُلَوِّنُونَهَا، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ السَّفَرَ، فَقَالَ لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدِي ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةُ الأَلْوَانِ، وَقَدْ عَلَّمْتُكَ الصِّبْغَةَ فَاصْبِغْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِاللَّوْنِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكَ وَوَضَعْتُ خَيْطًا مِنَ اللَّوْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهَا، فَسَخَّنَ سَيِّدُنَا عِيسَى وِعَاءً وَاحِدًا كَبِيرًا وَوَضَعَ فِيهِ أَلْوَانًا عَدِيدَةً، ثُمَّ وَضَعَ الثِّيَابَ كُلَّهَا فِي هَذَا الْوِعَاءِ وَقَالَ كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى مَا أُرِيدُهُ مِنْكِ، فَعَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ مِنَ السَّفَرِ وَالثِّيَابُ كُلُّهَا فِي الْوِعَاءِ، فَلَمَّا رَءَاهَا دُهِشَ وَقَالَ لَقَدْ أَفْسَدْتَهَا، فَأَخْرَجَ سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام ثَوْبًا أَحْمَرَ وَثَوْبًا أَصْفَرَ وَءَاخَرَ أَخْضَرَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ صِبْغَتُهُ، فَعَجِبَ صَاحِبُ الْعَمَلِ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ فَآمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَآمَنُوا بِهِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَشُدُّونَ أَزْرَ سَيِّدِنَا عِيسَى فِي دَعْوَتِهِ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَوَالَتِ الْمُعْجِزَاتُ، فَمَرَّ يَوْمًا بِجَمَاعَةٍ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ وَرَئِيسُهُمْ يُدْعَى “شَمْعُونَ”، فَقَالَ لَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام: “مَا تَصْنَعُونَ؟” قَالُوا: “نَصِيدُ السَّمَكَ”، قَالَ: “أَفَلا تَمْشُونَ حَتَّى نَصِيدَ النَّاسَ؟” أَيْ لِنَهْدِيَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ العظيم، قَالُوا: “وَمَنْ أَنْتَ؟” فَأَجَابَ: “أَنَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ”، فَسَأَلُوهُ دَلِيلًا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِي مَا قَالَ، وَكَانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمَى بِشَبَكَتِهِ فِي الْمَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَا اصْطَادَ شَيْئًا، فَأَمَرَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِلْقَاءِ شَبَكَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ، فَمَا هِيَ إِلاَّ لَحَظَاتٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ مَا كَادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنْ كَثْرَتِهِ، فَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرَى وَمَلَئُوا السَّفِينَتَيْنِ مِنَ السَّمَكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ءَامَنُوا بِهِ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ، فَصَارُوا مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ، الَّذِينَ كَانُوا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَلَمَّا ءَامَنُوا بِسَيِّدِنَا المسيح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ صَارُوا يَصْطَادُونَ النَّاسَ لِيَهْدُوهُمْ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ العظيم، وَسُمُّوا بِالْحَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ وَقِيلَ بَلْ لأِنَّهُمْ كَانُوا أَنْصَارَ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَعْوَانَهُ الْمُخْلِصِينَ فِي مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ. لكن لَمْ يَكُنِ الْيَهُودُ بَعِيدِينَ عَنْ أَخْبَارِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَظْهَرُ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ، وَشَعَرُوا وَكَأَنَّ الْبِسَاطَ يُسْحَبُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَأَنَّهُ يُهَدِّدُ كَرَاسِيَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، وَهَا هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى الثَّابِتُ الْقَوِيُّ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، يَفْضَحُ أَسْرَارَهُمْ، وَيَنْشُرُ بَيْنَ النَّاسِ مَخَازِيَهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ أَيْنَمَا حَلَّ، وَتَكْذِيبِهِ حَيْثُمَا ذَهَبَ. وَيَوْمًا قَالُوا لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ وَدَعْوَتِكَ فَصَوِّرْ لَنَا خُفَّاشًا مِنْ الطِّينٍ وَاجْعَلْهُ يَطِيرُ، فَقَامَ سَيِّدُنَا عِيسَى مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَخَذَ طِينًا وَجَعَلَ مِنْهُ خُفَّاشًا ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقَامَ يَطِيرُ بِإِذْنِ اللَّهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَسَطَ دَهْشَةِ النَّاظِرِينَ، وَلَكِنَّهُ مَا إِنْ غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا، فَاغْتَاظَ الْيَهُودُ إِذْ طَلَبُوا الْخُفَّاشَ لأِنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ وَأَغْرَبِ الْخَلْقِ، وَمِنْ أَكْمَلِ الطُّيُورِ خَلْقًا، لأِنَّ لأُنْثَاهُ ثَدِيَيْنِ وَأَسْنَانًا وَأُذُنَيْنِ وَمِنْ عَجَائِبِهِ أَنَّهُ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَيَلِدُ كَمَا يَلِدُ الْحَيَوَانُ، وَلا يَبِيضُ كَمَا تَبِيضُ سَائِرُ الطُّيُورِ، فَيَكُونُ لَهُ الضَّرْعُ يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ وَلا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةً، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةً، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الإِنْسَانُ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ كَمَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فسبحان الله تعالى الخالق العظيم وَكَانَ تَسْوِيَةُ الطِّينِ وَالنَّفْخُ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى وَالْخَلْقُ بلا شكّ مِنَ اللَّهِ تبارك وتعالى. فسبحان الله العظيم والصلاة والسلام على سيدنا عيسى المسيح الكريم والله تعالى أعلم وأحكم.
اعلموا رحمكم الله أنّه كَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى، وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالْبَرَصُ مَرَضٌ يُصِيبُ الْجِلْدَ وَيَكُونُ عَلَى شَكْلِ بَيَاضٍ يُغَطِّي مِسَاحَاتٍ مِنَ الْجِسْمِ فَيَنْفِرُ النَّاسُ منه ومِنْ صَاحِبِهِ، وَخُصَّ هَذَانِ الْمَرَضَانِ بِالذِّكْرِ لأِنَّهُمَا دَاءَانِ مُعْضِلانِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَنِ سَيِّدِنَا عِيسَى الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ تعالى الْمُعْجِزَةَ عَلَى يَدَيْ سَيِّدِنَا عِيسَى مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أَحْيَا أَرْبَعَةً مِنَ الْخَلْقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَكَانَ سَيِّدُنَا حِزْقِيلُ قَبْلَ سَيِّدِنَا عِيسَى أَحْيَا ثَمَانِيَةً وَهُوَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الَّذِينَ أَحْيَاهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَحَدُ أَصْدِقَائِهِ وَاسْمُهُ عَازَرُ، إِذْ لَمَّا مَرِضَ أَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ عَازَرَ يَمُوتُ فَسَارَ إِلَيْهِ وَبَيْنَهُمَا ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَوَصَلَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَامَ عَازَرُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَاشَ وَوُلِدَ لَهُ، وَمِنَ الَّذِينَ أُحْيُوا بِإِذْنِ اللَّهِ تعالى عَلَى يَدَيْ سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ ابْنُ الْعَجُوزِ فَإِنَّهُ مُرَّ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى سَرِيرِهِ فَدَعَا لَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَقُومَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ وَنَزَلَ عَنْ أَكْتَافِ الرِّجَالِ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ حَمَلَ سَرِيرَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَعَ أَحَدِ الْمُلُوكِ إِذْ كَانَ مَحْمُولًا وَجَرَى مَعَهُ مَا جَرَى مَعَ ابْنِ الْعَجُوزِ. لَكِنَّ الْيَهُودَ الْحَسَدَةَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا تَعَنُّتًا: “إِنَّكَ تُحْيِي مَنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أُصِيبُوا بِإِغْمَاءٍ أَوْ سَكْتَةٍ”، فَأَحْيِ لَنَا سَامَ بنَ نُوحٍ. فَقَالَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: “دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ”، فَخَرَجَ سَيِّدُنَا عِيسَى وَخَرَجَ الْقَوْمُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قَبْرِهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَخَرَجَ سَامٌ من قبره، وَقَدْ كَانَ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ ءَالافِ سَنَةٍ، فَالْتَفَتَ سَامٌ وَقَالَ لِلنَّاسِ مُشِيرًا إِلَى سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ: “صَدِّقُوهُ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ” ثُمَّ عَادَ سام إِلَى حَالِهِ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ الْبَعْضُ الآخَرُ وَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ. وَرُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي إِحْيَائِهِ لِلْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْمَيِّتَ أَوِ الْقَبْرَ أَوِ الْجُمْجُمَةَ فَيَحْيَا الإِنْسَانُ وَيُكَلِّمُهُ وَيَعِيشُ. وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُنْبِئُ قَوْمَهُ بِمَا يَأْكُلُونَهُ وَيَدَّخِرُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ طَلَبُوا مِنْهُ ءَايَةً أُخْرَى وَقَالُوا: أَخْبِرْنَا بِمَا نَأْكُلُ فِي بُيُوتِنَا وَمَا نَدَّخِرُ لِلْغَدِ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: “يَا فُلانُ، أَنْتَ أَكَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ أَكَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَادَّخَرْتَ كَذَا وَكَذَا. فسبحان الله والحمد لله والله تعالى أعلم وأحكم.
كَانَ لِكُلٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ بِدِينِ الإِسْلامِ، مُعْجِزَاتٌ عَدِيدَةٌ تَأْيِيدًا لَهُمْ وَتَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِهِمْ. وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا مُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةً كَثِيرَةً مِنْهَا مُعْجِزَةُ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عليه السلام قَدْ أَمَرَ الْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ خِيرَةُ مَنْ ءَامَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِصِيَامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا أَتَمُّوهَا كَانُوا مَعَهُ فِي صَحْرَاءَ، وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى إِذَا خَرَجَ تَبِعَهُ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ: بَعْضُهُمْ أَصْحَابُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُمْ لِمَرَضٍ بِهِمْ أَوْ عِلَّةٍ، إِذْ كَانُوا أَصْحَابَ عَاهَاتٍ وَإِعَاقَاتٍ، وَالْبَعْضُ الآخَرُ يَتْبَعُونَهُ لِلاِسْتِهْزَاءِ وَالتَّشْوِيشِ. سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِنْزَالَ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ تَقَبَّلَ صِيَامَهُمْ، وَتَكُونَ لَهُمْ عِيدًا يُفْطِرُونَ عَلَيْهَا يَوْمَ فِطْرِهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لأِوَّلِهِمْ وَءَاخِرِهِمْ وَلِغَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، وَلَكِنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عليه السلام وَعَظَهُمْ فِي ذَلِكَ وَخَافَ أَلاَّ يَقُومُوا بِشُكْرِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَهُمْ قَدْ رَأَوِا الْكَثِيرَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فَلِمَاذَا يَطْلُبُونَ الْمَزِيدَ؟ وَكَانَ الْجَوَابُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الأَكْلَ مِنْهَا لِلتَّبَرُّكِ. وَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَامَ إِلَى حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي وَلَبِسَ ثِيَابًا مِنْ شَعَرٍ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ وَبَكَى وَأَخَذَ يَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو بِأَنْ يُجَابُوا إِلَى مَا طَلَبُوا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَهُ، وَنَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَأُخْرَى تَحْتَهَا، وَحَوْلَهَا الْمَلائِكَةُ، وَصَارَتْ تَدْنُو شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْهُمْ سَأَلَ عِيسَى الْمَسِيحُ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا رَحْمَةً لا نِقْمَةً وَأَنْ يَجْعَلَهَا سَلامًا وَبَرَكَةً، فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَهِيَ مُغَطَّاةٌ بِمِنْدِيلٍ، فَقَامَ يَكْشِفُ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: “بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ” وَإِذَا عَلَيْهَا مِنَ الطَّعَامِ سَبْعُ أَسْمَاكٍ كَبِيرَةٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَخَلٌّ وَمِلْحٌ وَرُمَّانٌ وَعَسَلٌ وَثِمَارٌ وَهُمْ يَجِدُونَ لَهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً جِدًّا لَمْ يَكُونُوا يَجِدُونَ مِثْلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ. بَلَغَ الْخَبَرُ الْيَهُودَ فَجَاءُوا غَمًّا وَكَمَدًا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَرَأَوْا عَجَبًا، ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الْحَوَارِيِّينَ بِالأَكْلِ مِنْهَا، فَقَالُوا لَهُ: لا نَأْكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّمَا يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ طَلَبَهَا وَسَأَلَهَا، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَبْدَأُوا بِالأَكْلِ مِنْهَا أَمَرَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمَرْضَى وَأَصْحَابَ الْعَاهَاتِ وَالْمُقْعَدِينَ وَالْعُمْيَان وَكَانُوا قَرِيبًا مِنَ الأَلْفِ وَثَلاثِمَائَةٍ أَنْ يَأْكُلُوا فَأَطَاعُوا، فَأَكَلُوا مِنْهَا وَحَصَلَتْ بَرَكَاتُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ إِذْ شُفِيَ كُلُّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ أَوْ ءَافَةٌ أَوْ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَصَارَ الْفُقَرَاءُ أَغْنِيَاءَ، فَنَدِمَ النَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا لِمَا رَأَوْا مِنْ إِصْلاحِ حَالِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا، وَلَمَّا تَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَى الْمَائِدَةِ جَعَلَ سَيِّدُنَا عِيسَى دَوْرًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَكَانَ يَأْكُلُ ءَاخِرُهُمْ كَمَا يَأْكُلُ أَوَّلُهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَةُ ءَالافِ شَخْصٍ. وَلَمَّا تَمَّ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا عِيسَى اجْعَلْ مَائِدَتِي هَذِهِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الأَغْنِيَاءِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ عيسى بِأَنْ لا يَخُونُوا فَيَأْكُلُ مِنْهَا غَنِيٌّ وَأَنْ لا يَدَّخِرُوا وَلا يَرْفَعُوا مِنْ طَعَامِهَا وَيُخَبِئُوهُ لِغَدٍ، فَخَانَ مَنْ خَانَ وَادَّخَرَ مَنِ ادَّخَرَ، فَرُفِعَتِ الْمَائِدَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ مُنَافِقُوهُمْ فِي ذَلِكَ وَشَكَّكُوا النَّاسَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوحى الله لعيسى أنّه سيعذب من كفر، فَلَمَّا قَامَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فِي الْيَوْمِ التَّالِي وَكَانُوا ثَلاثَةً وَثَلاثِينَ شَخْصًا، تَحَوَّلُوا إِلَى خَنَازِيرَ بَشِعَةٍ، وَصَارُوا يَأْكُلُونَ الأَوْسَاخَ مِنْ حُفَرِ الأَقْذَارِ، بَعْدَمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَيَنَامُونَ عَلَى الْفِرَاشِ اللَّيِّنِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَبْكُونَ، وَجَاءَ هَؤُلاءِ الْخَنَازِيرُ فَطَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ وَصَارُوا يَبْكُونَ وَتَجْرِي دُمُوعُهُمْ، فَعَرَفَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى وَصَارَ يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: “أَلَسْتَ فُلانًا؟” فَيُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلا يَسْتَطِيعُ الْكَلامَ، وَبَقوا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ دَعَا سَيِّدُنَا عِيسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ، فَأَصْبَحُوا لا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا، هَلِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهُمْ، أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ وَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ، فَآمَنَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَازْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ يَقِينًا وَثَبَاتًا فِي إِيْمَانِهِمْ.
رُوِيَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَحِبَهُ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُونُ مَعَكَ، فَانْطَلَقَا فَانْتَهَيَا إِلَى شَطِّ نَهْرٍ فَجَلَسَا يَتَغَدَّيَانِ وَمَعَهُمَا ثَلاثَةُ أَرْغِفَةٍ فَأَكَلا رَغِيفَيْنِ وَبَقِيَ رَغِيفٌ فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى النَّهْرِ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدِ الرَّغِيفَ فَقَالَ لِلرَّجُلِ مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ؟ قَالَ الرجل لا أَدْرِي، فَانْطَلَقَ وَمَعَهُ الرَّجُلُ فَرَأَى ظَبْيَةً أي غَزَالَةً وَمَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا فَدَعَا وَاحِدًا فَأَتَاهُ فَذَبَحَهُ وَاشْتَوَى مِنْهُ فَأَكَلَ هُوَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ ثُمَّ خَاطَبَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الظَّبْيَ بَعْدَ أَنْ ذَبَحَهُ وَأَكَلا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَامَ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرَاكَ هَذِهِ الآيَةَ مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ؟ قَالَ لا أَدْرِي، فَانْطَلَقَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى مَفَازَةٍ أي فَلاةٍ فَجَمَعَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَابًا وَكَثِيبًا أَيْ رَمْلًا ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ذَهَبًا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَصَارَ ذَهَبًا، فَقَسَّمَهُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ فَقَالَ ثُلُثٌ لِي وَثُلُثٌ لَكَ وَثُلُثٌ لِلَّذِي أَخَذَ الرَّغِيفَ فَقَالَ أَنَا الَّذِي أَخَذْتَ الرَّغِيفَ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّهُ لَكَ وَفَارَقَهُ. فَانْتَهَى لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي أَخَذَ الذَّهَبَ رَجُلانِ أَرَادَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ الذَّهَبَ وَيَقْتُلاهُ فَقَالَ لَهُمَا هُوَ بَيْنَنَا أَثْلاثًا فَقَبِلا ذَلِكَ فَقَالَ يَذْهَبُ وَاحِدٌ إِلَى الْقَرْيَةِ حَتَّى يَشْتَرِي لَنَا طَعَامًا فَذَهَبَ وَاحِدٌ وَاشْتَرَى طَعَامًا وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: “لأِيِّ شَىْءٍ أُقَاسِمُهُمَا فِي هَذَا الْمَالِ؟ أَنَا أَجْعَلُ فِي هَذَا الطَّعَامِ سُمًّا فَأَقْتُلُهُمَا وَءَاخُذُ هَذَا الْمَالَ جَمِيعَهُ فَجَعَلَ فِي الطَّعَامِ سُمًّا، وَقَالا هُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا لأِيِّ شَىْءٍ نَجْعَلُ لَهُ الثُّلُثَ إِذَا رَجَعَ إِلَيْنَا قَتَلْنَاهُ وَاقْتَسَمْنَا الْمَالَ نِصْفَيْنِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمَا قَتَلاهُ ثُمَّ أَكَلا الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ فَمَاتَا، فَبَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ بَقِيَ الذَّهَبُ فِي الْمَفَازَةِ أي الْفَلاةِ وَأُولَئِكَ الثَّلاثَةُ قَتْلَى عِنْدَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لأِصْحَابِهِ: هَذِهِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا. والآن نحدثكم عن كرامة ولي من أولياء الله من أمّة عيسى عليه السلام واسمه جُرَيْج. كَانَ ذَاكَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا عِيسَى مِنَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ، عَلَى شَرِيعَتِهِ، مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلاةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَيَصُومُونَ صِيَامَهُ عَلَى حَسَبِ تَعَالِيمِ الْمَسِيحِ عِيسَى، وكَانَ جُرَيْجٌ اعْتَزَلَ النَّاسَ في صومعةٍ بناها من طين خَارِجَ الْمَدِينَةِ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ وتَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الْبَلَدِ وملِكُها صَارُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ التقى والصلاح وحسن الحال، ثُمَّ امْرَأَةٌ فَاسِدَةٌ قَالَتْ لِبَعْضِ الْفَاسِدِينَ الْفَاسِقِينَ أَنَا أَفْتِنُهُ فَذَهَبَتْ إِلَيْهِ وصَارَتْ تَتَعَرَّضُ لُهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، ولم تستطع أَنْ تَفْتِنَهُ، ثُمَّ هُنَاكَ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ رَجُلٌ رَاعٍ يَرْعَى، فَوَاقَعَهَا الرَّاعِي فَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ حَمْلُهَا قَالَتْ هَذَا مِنْ جُرَيْجٍ، ولَمَّا تَأَكَّدُوا أَنَّهَا حَامِلٌ بِأَنْ وَضَعَتْ مولودها ذَهَبُوا إِلى جريج وَبِأَيْدِيهِمُ الْفُؤُوسُ لِيَهْدِمُوا لَهُ صَوْمَعَتَهُ، قَالُوا هَذَا الَّذِي كُنَّا نَحْنُ نَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ وَلِيٌّ يَفْجُرُ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَيُحْبِلُهَا، أَخَذُوهُ وَوَضَعُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا وَجَرُّوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ بِالْفُؤُوسِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَمْهِلُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِهَذَا الْغُلامِ الْمَوْلُودِ الَّذِي وَضَعَتْهُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْبَغْيّ يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ فَقَالَ أَبِي الرَّاعِي، اللَّهُ أَنْطَقَهُ، فَلَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ التَّبْرِئَةَ انْكَبُّوا عَلَيْهِ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُوا لَهُ نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ لا إنما أَعِيدُوهَا كَمَا كَانَتْ مِنْ طِينٍ. هَذَا جريج كان مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وكان وليًا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تعالى على دين الإسلام الذي هو دين عيسى.
أرسل الله تبارك وتعالى عيسى إلى بني إسرائيل يدعوهم لدين الإسـلام العظيم وعلّمه التوراة وأنزل عليه كتابًا سماويًا وهو الإنجيل الذي فيه دعوةٌ إلى الإيمان بالله الواحد الأحد خالقِ كلِ شيء وإلى الإيمان بأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وفيه بيانُ أحكام شريعته، وفيه البِشارة بنبيّ ءاخر الزمان وهو سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضًا تحريمُ الربا وكــلِ ضارٍ للعقل أو البدن وأكلِ لحم الخنزير، وفيه الأمرُ بالصلاة والصيام وغيـرِ ذلك من أمور الدين، وكان أصلُ دعوةِ عيسى عليه السلام شيئين إفرادُ الله بالعبادة والإيمانُ به أنّه نبيُّ الله، ولم يسمِ نفسَه ابنًا لله ولا سمى الله أبًا له، وكانت أول كلمة أنطقه الله بها وهو في المهد: {إِنِّي عَبْدُ اللهِ} حيث اعترف بالعبودية لله تعالى وحده ربِ كلِ شيء وخالقِ كــلِ شيء. ولقد حذّر عيسى المسيحُ عليه السلام قومَه بني إسرائيل من الكفر والإشراك وبيَّنَ لهم أنه من يشرك بالله تعالى فقد حرَّم الله تعالى عليــه الجنة ومأواه نارُ جهنم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}. كان أتباعُ عيسى المسيح عليه السلام الذين صدّقوه واتّبعوه وءامنوا بـه مسلمين مؤمنين، وكان من أتباعه وتلامذته وصفوته وخاصته “الحواريون” الذين كانوا أعوانًا له ينشرون دعوتَه وشرعَه ويعلّمـون الناسَ الخير وتعاليمَ الشرع الحنيف الذي أوحي به إلى سيدنا وحبيبنا عيسى عليـــه الصلاة والسلام، ثم بقي المؤمنون الصادقون على هدي نبيهم عيسى عليه السـلام وعلى طريقتِه وتعاليمه حتى بعدَ رفعِه إلى السماء إلى مائتي سنة، ثم بعد المائتي سنة صار عدد المؤمنين منهم ينقص شيئًا فشيئًا وصار يكثر الذيـــن يعبدون عيسى عليه السلام ويحرّفون ما جاء به من تعاليمٍ سماويـــة. وهنا فائدة: يروى أنّ التوراة أُنزلت على موسى لست ليال خلت من شهــر رمضان، وأُنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهـــر رمضان وذلك بعد التوراة بأربعمائة واثنتين وثمانين سنة، وأُنزل الإنجيل على عيسى لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بألـف عام وخمسين عامًا، وأُنزل الفُرقانُ على محمد صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين من شهـر رمضان.
يقول الله تبارك وتعالى في القرءان العظيم: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. نبي الله عيسى المسيح عليه السلام بشّر برسول ءاخر الزمان سيدِنا وعظيمنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم كما بشر به الأنبياء السابقون من قبله فذكروا صفاتِه كما ذُكرت في التوراة والإنجيل وذلك ليعرفَه بنو إسرائيل ويتابعوه، ولما كان نبيُّ الله عيسى ابنُ مريم عليهما السلام هو ءاخرَ أنبياء بني إسرائيل قام عليه السلام في بني إسرائيل خطيبًا فأخبرهم أنّ النبوة قد انقطعت عنهم وأنها بعده في النبي العربي الأمّي خاتَمِ الأنبياء وأفضَلِهم على الإطلاق وهو أحمد وهو محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب بنِ هاشم الذي هو مِن سُلالةِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الخليل عليهم السلام. وهنا فائدة: من جملة وصايا عيسى المسيح عليه السلام لأتباعه أنه قال لهم: إنه يأتي بعدي نبيٌ اسمه أحمد فآمنوا به واتّبعوه إذا ظهر، وكان ممن سمع وصيةَ عيسى عليه السلام واحدٌ من الجن المؤمنين، فهذا الجني المؤمن بلّغ خبر هذه الوصية لأربعةٍ من أهل اليمن كانوا قد خرجوا من بلادهم ونزلوا بأرض في الجزيرة العربية، وذلك قبل أن يظهر اسمُ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا ظهورًا تامًا، وكانوا قد أدركَهُمُ المبيتُ بالبريّةِ ءاخرَ الليل فسمِع أحدُهم وهو الجعدُ بنُ قيس صوتَ هاتفٍ أي صوتَ جنيٍ من غير أن يرى شخصَه وهو يقـول: ألا أيها الرَّكبُ الْمُعَرِّسُ بلّغوا إذا ما وقفتم بالحطيم وزمــــزمًا . محمدًا المبعوثَ منا تحيــةً تُشَيّعُه من حيث سارَ ويمّمـــــا. وقولوا له إنا لدينك شيعــةٌ (أي أنصار) بذلك أوصانا المسيحُ ابنُ مـــريما. فلما دخل الجعدُ بنُ قيس إلى مكة صار يبحث ويسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى دُلَّ عليه، فلما اجتمع بالرسولِ صلى الله عليه وسلم عرفه وءامنَ به وأسلم.
كان نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام جميلَ الشكل والصوت رَبْعةً أي ليس طويلًا ولا قصيرًا، ءادمَ اللون أي ذا سُمرةٍ خفيفة، سَبِطَ الشعر أي شعَرُه مُتسلسلٌ ناعم، وكان من سيرته عليه السلام أنه كان زاهدًا لا يُبالي بنعيم الدنيا وملذاتها الفانية بل كان قلبُه متعلقًا بالعمل للآخرة وبطاعةِ الله تعالى، وكان عليه السلام يلبَسُ الشَّعر ويأكلُ من ورق الشجر من نحو الْمُلوخية والهِندِباء من غير طبخ، وكان لا يدَّخِرُ عندَه شيئًا ولكن ينفقه على الفقراء والمساكين والمحتاجين، لا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يتّخذُ منزلًا يأوي إليه إنما يبيت وينام أينما يُدرِكُه المساء. وكان عليه السلام ورِعًا كثيرَ البكاءِ من خشيةِ الله تعالى، متوكلًا على مولاه، كثيرَ ثقةِ القلب بخالقه ورازقه، فكان عليه الصلاة والسلام يتحرى الطعـامَ الحلال، وقد رُوي عنه أنه خرج يومًا على أصحابه وعليه جُبةُ صوف وسِـروال صغير يستر عورتَه وكان حافيًا باكيًا شَعْثًا مُصفَرَّ اللونِ من الجوع يابسَ الشفتين من العطش فقال لأصحابه: السلام عليكم يا بني إسرائيل أنا الذي أنزَلْتُ الدنيا مَنْزِلَتَها بإذن الله ولا عُجبَ ولا فخر، ثم قال لهم: أتـدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتُك يا نبي الله؟ فقال: بيتي المساجد، وإدامي الجوع، وسراجي القمرُ بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارقُ الشمس، ورَيْحاني بُقولُ الأرض، ولباسي الصوف، وشعاري خوفُ ربِ العـزة، وجُلسائي الزّمنى والمساكين، أُصْبِحُ وليسَ لي شيء، وأُمسي وليس لـي شيء، وأنا طيّب النفس غيرُ مكترِث فمن أغنى مني وأربح؟ وقد كان عليه الصلاة والسلام شديدَ التوكل على الله تعالى. وسُمّي نبيُ الله عيسى المسيحُ عليه السلام بالمسيح لكثرةِ سياحتِه في الأرض ليُعلِّمَ الناسَ دينَ الله وشرعَ الله ويدعوهم إلى عبادةِ الله وحده وإلى دين الإسلام العظيم، وقيل: سُمِّيَ بالمسيح لأنه كان يمسح على المريض الأبرص والأعمى وغيرِهما فيُشفى بإذنِ الله تعالى ومشيئته. وهكذا نصل إلى نهاية حلْقتِنا لهذا اليوم. اللهم زد قلوبنا حبًا بسيدنا عيسى المسيح عليه السلام وارزقنا رؤيته في اليقظة يا رب العالمين واجعلنا من أصحابه وخدّامه وخاصّة أنصاره يا أكرم الأكرمين.
استمر أكثرُ بني إسرائيل على كفرهم وضلالهم وءامن بعيسى عليه السلام القليل، وكان منهم طائفةٌ صالحةٌ كانوا له أنصارًا وأعوانًا قاموا بمتابعته ونصرته وإعانته على نشر دين الإسلام العظيم الحقّ الذي أرسله الله تبارك وتعالى ليدعوَ إليه، ولما أخذت دعوتُه تنتشر ويكثرُ أتباعُه ومناصروه حسدَه اليهود وتآمروا عليه وأخذوا يُدبرون مكيدةً لقتله والتخلصِ منه، فوشَوْا به إلى بعض ملوك الزمان وعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله تبارك وتعالى من مكيدتهم ومكرهم ورفَعه إلى السماء من بين أظهرِهم وألقى شبَهَه على أحدٍ من أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونَه عيسى عليه السلام وهُم في ذلك غالِطون، وسلَّم لهم كثيرٌ من النصارى فيما ادعَوْه وكِلا الفريقين في ذلك مخطئون، قال الله تبارك وتعالى في الردّ على اليهود الذين زعموا أنهم قتلوا نبي الله عيسى عليه السلام: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}. ومعنى رفعه الله إليه أي رفعه الله إلى محل كرامته سبحانه وليس المعنى أنّ الله تبارك وتعالى يسكن السماء، حاشا وكلا، فإنّ الذي خلق السماء موجود قبل السماء بلا سماء وبعد أن خلقها لا يتغيّر، سبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر، فالله تبارك وتعالى موجود بلا مكان. وورد في قصة رفع نبي الله عيسى عليه السلام إلى السماء أنه قبل أن يدخلَ اليهودُ على المسيح عيسى ابنِ مريم عليه السلام، كان عليه السلام مع اثني عشَرَ من أصحابه وتلاميذه في بيت فقال لهم: إن منكم من يكفرُ بي بعد أن ءامن، ثم قال لهم: أيُّكم يُلقى عليه شبَهي ويُقتل مكاني فيكون رفيقي في الجنة؟ فقام شابٌ أحدثُهم سنًا فقال: أنا، قال: اجلس، ثم أعاد عيسى عليه السلام مقالتَه فعاد الشابُ وقال: أنا، ثم أعاد عيسى عليه السلام مقالتَه فعاد الشابُ الثالثة، فقال له عليه السلام: أنت هُوَ، وألقى الله سبحانه وتعالى شبهَ عيسى عليه السلام على هذا الشاب، فدخل اليهود البيت وأخذوا الشاب فقُتل وصُلب بعد أن رُفع عيسى عليه السلام من نافذةٍ في أعلى الحائط إلى السماء وأهلُ البيت ينظرون. قال الله تبارك وتعالى: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}. ومعنى قولِ الله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} أي قابضُك إلى السماء وأنت حيٌّ يقظان، وقولُه تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي جاعلُ من اتّبعك على الإسلام والتوحيد وهم من بقي بعد رفعه إلى السماء على الإسلام، ثم بعد انقراضهم أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ هؤلاء هم متَّبعوا عيسى على ما جاء به من توحيد الله وسائر أصول العقيدة والأحكام التي اتفقت عليها شرائع الأنبياء فإنهم فوق الكافرين من حيث المعنى والحكُم، فإنّ من معه الحقّ فهو فوق غيره، وفي هذه الآية دِلالة على أنّ أمةَ محمد ءاخرُ الأممِ المسلمة أتباعِ الأنبياء في الإسلام والتوحيد وأنهم يبقون إلى نهاية الدنيـا. وليُعلم أنه ورد في الشريعة أنّ من علامات قُربِ قيامِ الساعةِ نزولَ عيسى عليه السلام من السماء إلى الأرض، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ قولَه تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} فقال: “نزولُ عيسى ابنِ مريم قبل يومِ القيامة”. فأحاديثُ نزوله عليه السلام من السماء مشهورةٌ قريبةٌ من التواتر، وقد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ عيسى عليه السلام لما ينزلُ من السماء ينزلُ عند المنارةِ البيضاء شرقيَ دمشق، ثم يعيشُ في الأرض أربعين سنة يحكم خِلالها بشريعة القرءان شريعةَ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويعُمّ الإسلامُ والأمنُ والسلام بعد نزول عيسى عليه السلام الأرضَ ويُهلكُ الله في زمانه المسيحَ الدجال الكذّاب. وقد ورد أنّه عليه السلام يسلك فجّ الرَّوحاء حاجًّا أو معتمرًا ويقصِدُ قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فيردُ الرسول عليه السلام، ويقيم في الأرض حاكمًا أربعين سنة ثم يموت فيدفن في الحجرة النبوية قرب قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. روى الحاكم في المستدرك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليهبطنَّ عيسى ابنُ مريم حكمًا مُقسطًا وليسلُكنَّ فجًّا حاجًّا أو معتمرًا ولَيأتِيَنَّ قبري حتى يسلّمَ عليّ ولأرُدنَّ عليه”. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يزيد سيدنا محمدًا وسيدنا عيسى شرفًا وتعظيمًا وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وأن يتوفّانا على كامل الإيمان وأن يحشرنا في زمرة سيد الأنام محمد عليه الصلاة والسلام والحمد لله الموجود بلا مكان أولا وآخرا وأبدا.