الأحد مارس 1, 2026

مختصر قصة سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين أما بعد فها نحن نلتقي بكم من جديد بعد أن أتممنا قصة نبي الله سليمان عليه السلام. ننتقل اليوم للكلام عن سيدنا زكريا عليه السلام. يصل نسبه عليه السلام إلى سليمان بنِ داود الذي يتصلُ نسبه بـيهوذا بنِ يعقوب، فهو من أنبياءِ بني إسرائيل، وقد وردَ في الحديثِ الشريفِ أنه كانَ نَجارًا. ذُكِرَ اسمُ زَكريا في القرءانِ الكريمِ ثَماني مرات، وذُكِرَت قِصَتُهُ معَ شيءٍ من التفصيلِ في سورة ءالِ عِمران وسورةِ مريم. بَعَثَ الله تعالى زكريا عليهِ الصلاةُ والسلامُ رَسولًا إلى بَنِي إسرائيلَ، فقامَ عليهِ السلامُ يَدعو قومَه إلى دينِ اللهِ الإسلامِ العظيم وعِبادةِ اللهِ وحدَه ويُخَوِفُهُم عذابَه في وقتٍ اشتدَّ فيه الفِسقُ والفُجورُ وانتَشَرَت فيهمُ المفاسدُ والمنكراتُ، وتسلَّط فيه على الحكمِ ملوكٌ فسقةٌ ظلمةٌ جبابرةٌ يَعيثونَ في الأرضِ فَسادًا ويَفعلونَ الموبِقاتِ والجرائِم ولا يُراعونَ حُرمةً لنبيِهم، وكانَ هؤلاءِ الملوك قد تَسلّطوا على الصالحين والأتقياءِ والأنبياءِ حتى سَفَكوا دماءهم، وكان أعظَمَهم فتكًا وإجرامًا الملكُ “هيرودوس” حاكِمُ فلسطين الذي أمرَ بقتلِ يحيى بنِ زكريا إرضاءً لرغبةِ عشيقتِه كما سيأتي في قِصةِ يَحيى بنِ زكريا عليهما السلام. لَقِيَ زكريا عليه السلامُ من بني إسرائيلَ وحكّامِهم ونالَهُ من قومِه الأذى الكثير، وتَوالَت عليهِ الأهوالُ العِظامُ والشدائدُ الثِقالُ فصبرَ عليهِ السلامُ الصبرَ الجميلَ. وقد كان زكريا عليه السلام قبلَ أن يُكرِمَهُ الله بالرسالةِ من كبارِ الصالحينَ الذينَ لهم شَراكةٌ في خدمةِ الهيكل، وكانَ عِمرانُ والِدُ مَريَم إمامَهم وسيدَهم. وكانَ نبيُ الله زكريا عليه الصلاة والسلام متزوجًا بإشياع أختِ مريم وهذا قولُ الجمهور، وقيلَ زوجُ خالتِها إشياع والله أعلم. وكانت حِنّةُ زوجةُ عِمران منَ الصالحاتِ العابداتِ قد كبِرَت وعجَزت ولم تلِد ولدًا، فبَينما هي في ظِلِ شَجرةٍ إذ أبصرت طائرًا يُطعِمُ فرخًا له، فاشتهتِ الولد ودعتِ اللهَ تعالى أن يَهَبها ولدًا، ونذَرَت إن رَزَقها الله تعالى وَلدًا أن تَجعلَه من سَدَنةِ بيتِ المقدسِ وخدمِه، وحرّرَت ما في بطنِها ولم تَكن تعلم ما هو، وكان النَذرُ الْمُحَرَّرُ عندَهم هو أن يُجعلَ الولدُ لله، يقومُ بِخدمةِ المسجد ولا يَبرَحُ منه حتى يبلُغَ الحُلُم فإذا بلَغَ خُيِّر، فإن أحبَ أن يُقيمَ فيه أقام وإن أحبَ أن يَذهبَ ذهبَ. ثم ماتَ عِمرانُ زوجُ حِنّة وهي حامِلٌ بمريم عليها السلام. وعندما وَلَدَت “حنّة” زوجةُ عمرانَ مريمَ عليها السلام لفّتها في خِرقَةٍ وحَملتها وانطلَقت بها إلى المسجد ووضَعَتها عندَ الأحبارِ العلماءِ وقالت لهم: “دونَكم هذه المنذورة” فتنَافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم وسيدِهم عِمران الذي كانَ من علماءِ بني إسرائيلَ الصالِحين وكانوا يَقتَرِعونَ على الذينَ يُؤتى بهم إلى المسجدِ لخِدمته، فقالَ زكريا عليه السلام وكان نَبِيَّهم يومئذٍ: أنا أحقُّ بها لأنّ خالتَها عندي، وذلكَ أنَّ الخالةَ كما وردَ في الحديثِ بمنزِلةِ الأم، فأبَوا وطلَبوا الاقتِراعَ عليها وقالوا: نَطرَحُ أقلامَنا في النهرِ الجارِ قيلَ هو نَهرُ الأردن فمَن صَعِدَ قلمُه فوقَ الماءِ فهو أحقُّ بها، فذهبوا إلى ذلكَ النهرِ وألقَوا فيه أقلامَهم التي كانوا يكتبونَ بها التوراةَ فارتَفعَ قلمُ زكريا فوقَ الماءِ ورَسَبَت أقلامُهم، فأخذَها زكريا عليه السلام وكَفِلَها وضَمّها إلى خالتِها “أمِ يحيى” واستَرضَعَ لها حتى كَبِرَت ووضعَها في غرفةٍ في المسجد لا يُرقى إليها إلا بِسُلَّمٍ ولا يَصعَدُ إليها غيرُه، وكان يُغلِقُ عليها الباب ومعه المِفتاح لا يأمنُ عليهِ أحدًا، وكانت إذا حاضَت أخرَجَها إلى مَنْزِلِهِ لتكونَ مع خالتِها “أمِ يحيى”، وقد كانَ نبيُ الله زكريا عليه السلام يرى من عجائِبِ قدرةِ الله تعالى ومن الكراماتِ في حِفظِ هذهِ السيدةِ الطاهرةِ العفيفةِ ما يُبْهِرُ العقول، فقد كان نبيُ الله زكريا عليه السلام إذا دخلَ على مريمَ عليها السلام في المحرابِ يَجِدُ عندها من الفاكِهة ما لا يوجدُ مثلُه في البلدِ، فقد كانَ يَجِدُ عندَها فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ وفاكهةَ الشتاءِ في الصيف، وهذهِ منَ الكراماتِ التي يُكرِمُ الله تعالى بِها أولياءَه. وقد كانتِ السيدةُ الجليلةُ مريمُ عليها السلام من الصالحاتِ العابداتِ تقومُ بالعبادةِ ليلَها ونَهارَها، حتى صارَت يُضرَبُ بِها المثلُ بالعِبادةِ والطاعةِ في بني إسرائيل، ولقدِ اشتَهَرت هذهِ السيّدةُ الطاهرةُ العفيفةُ بما ظَهَرَ عليها منَ الأحوالِ الكريمة والصفاتِ الشريفة.

كانَ نبيُ اللهِ زكريا عليه السلام قد تَقدّمَت بهِ السِنُ وانتَشَرَ الشَيبُ في رأسِهِ، وكانتِ امرأتُه عاقِرًا لا تَلِد، فطلَبَ من ربِهِ أن يَرزُقَهُ غلامًا تقيًا يَرِثُهُ في العِلمِ والنُبوةِ ويُعلّمُ الناسَ الخير، فبَشرهُ الله تبارك وتعالى بواسِطَةِ الملائكةِ وهو قائمٌ في مِحرابِ المسجدِ يُصلي “بيحيى” نبيًا من الصالحين، فشرع بعد ذلك يستَعلِمُ على وجهِ التَعجبِ وجودَ الولدِ له، وليسَ على وجهِ الشكِّ في قدرةِ اللهِ تعالى على ذلك، فالأنبياءُ كلُّهم عارفونَ بالله تعالى ويعلمونَ يقينًا أنّ الله عزّ وجلّ على كلِ شيءٍ قدير، قالَ الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه زكريا: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}  وقد قيل إنّ زكريا عليه السلام كان عمُرُهُ ءانذاك تسعًا وتسعين سنة وكان عُمُرُ زوجتِه ثمانيًا وتسعينَ سنة وكانت عاقِرًا لا تلِد، وهكذا أُجيبَ زكريا عليه السلام وقال له الملَكُ إن إيجادَ الولدِ منكَ ومن زوجتِك هذهِ لا من غَيرِها هيّنٌ يَسيرٌ وسَهلٌ على اللهِ تعالى الذي هو على كل شيءٍ قدير. أمّا عن وفاتِه عليه السلام فإنّه قد ماتَ قتلًا، وقيلَ في سببِ قتلِه: إنّه لما شاعَ الخبرُ في بني إسرائيلَ أنَّ مريمَ عليها السلامُ حاملٌ اتهمَها بعضُ الزنادقة بيوسفَ النجارِ الذي كان يتعبّدُ معها في المسجد، واتهمَها ءاخرون بزكريا عليه السلام ولذلِكَ عَزموا على قتلِه، فأمسكوا بهِ ثم نَشروهُ بالمنشار والعياذ بالله، وقُتِلَ عليهِ السلام ظلمًا وماتَ شهيدًا صلّى الله عليه وسلّم. وقيلَ في سببِ قتلِه قولٌ ءاخر وهو أنّه لما قُتِلَ ابنُه نبيُ الله يحيى بنُ زكريا عليهما السلام بأمرِ الملِكِ الظالمِ حاكمِ فِلسطين “هيرودوس”، أرسلَ هذا الملِكُ في طلبِ أبيه زكريا عليه السلام فاستَخفى عليه السلام منهم، فدخلَ بُستانًا ومَرَّ بشجرةٍ عند بيتِ المقدسِ فنادتهُ الشجرةُ بمشيئةِ الله: هلُمَّ إليّ يا نبيَ الله، فلما أتاها عليه السلام انشقَت بقدرةِ الله ومشيئتِه فدَخلَها فانطبَقَت عليه وبَقِيَ عليه السلامُ في وسطِها، فأتى عدوُ الله إبليسُ اللعينُ فأخذ طرَفَ رداءِ زكريا عليه السلام فأخرَجَه من الشجرةِ ليُصدّقوهُ إذا أخبرَهم، ثم لَقِيَ القومَ الذين خرجوا في طلبِ زكريا عليه السلام وكانَ مُتشَكِلًا لهم بِصورةِ رجلٍ فقالَ لهم: ما تُريدون؟ فقالوا: نلتَمِسُ زكريا، فقال لهم: إنهُ سَحَرَ هذه الشجرة فانشقَت له فدَخلَها، فقالوا له: لا نُصدِّقُك! فقال لهم: فإنّ لي علامة تُصدقونني بها، فأراهم طرَفَ ردائِه فأخذوا الفؤوسَ وقطعوا الشجرةَ وشَقوها بالمنشارِ فقُتِلَ نبيُ الله زكريا فيها وماتَ شهيدًا، وقد سلّطَ الله تبارك وتعالى عليهم أخبثَ أهلِ الأرض فانتقَم منهم، والله عزيزٌ ذو انتقام والله أعلم وأحكم نقف هنا حيث نتابِعُ في الحلقةِ المقبلةِ بإذنِ الله تعالى عن نبيِ الله يَحيى بنِ زكريا عليه السلام فتابعونا وإلى اللقاء.