الأحد مارس 1, 2026

مختصر قصة سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام

الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين. هو سليمانُ بنُ داودَ وينتهي نسبُه إلى يهوذا بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ وهو أحدُ أنبياءِ بني إسرائيل، وقد رزقهُ الله تعالى النبوةَ والملْك وأعطاهُ مُلكًا لا ينبغي لأحَدٍ من بعدِه فكان مُلكُهُ واسعًا وسُلطانُهُ عظيمًا. وذُكِرَ اسمُ سليمانَ عليه السلام في القرءانِ الكريمِ في سِتَ عَشرةَ ءايةٍ وفي سبعِ سُوَرٍ. وكان نبيُ الله سليمانُ عليه الصلاة والسلام أبيضَ جسيمًا، كثيرَ الشَعْرِ، يَلبَسُ منَ الثيابِ البياضَ وَرِثَ الْمُلكَ عليه السلام وكانَ عمرُهُ حينئذٍ اثنَتَي عَشْرَةَ سنةٍ وقد كان معَ حداثةِ سنِّه من ذوي الفطانةِ والذكاءِ وحُسنِ التدبيرِ والسياسة، وقد منحَهُ الله تبارك وتعالى منذُ صِباهُ الذكاءَ والحكمةَ وحُسْنَ القضاء، فقد كان أبوه في أيامِ مُلكِه يُشاوِرُه في أمورِه معَ حداثةِ سنهِ لحكمتِه وفَطانتِه. وقام سليمانُ عليه السلام بعِمارَةِ بيتِ المقدِس تنفيذًا لوصيةِ أبيهِ داودَ عليه السلام بعدَ أربعِ سنينَ من توليهِ الملكَ وأنفقَ في ذلكَ أموالًا كثيرةً وانتهى من بنائِه بعدَ سبعِ سنينَ، وأقام السورَ أيضًا حولَ مدينةِ القُدس. ولما انتهى سليمانُ من تجديدِ بناءِ بيتِ المقدس، بنى الهيكلَ أي القصرَ الملِكي وقد أتَم بناءَه في مدةِ ثلاثَ عشرةَ سنة، وكانَ لسيلمانَ عليه السلام اهتِمامٌ عظيمٌ بالإصلاحِ والعُمران وكانَ له أسطولٌ بحريٌ كبيرٌ ولهُ عِنايةٌ كبيرةٌ بالخيلِ يُروّضها. أكرمَ الله تعالى عبدَه ونبيَه سليمانَ عليه السلام بنِعمٍ كثيرةٍ وخَصَّهُ بِمزايا رائعةٍ كانت عُنْوانًا للعَظَمَةِ والمجدِ ومَظهَرًا مِن مَظاهِرِ الْمُلْكِ العَظيمِ والجاهِ الكبيرِ والدَرَجةِ العاليةِ عندَ اللهِ سبحانه، فقَد فضّلَه الله تعالى بالنُبوةِ والكِتابِ وتَسخيرِ الشياطينِ والجنِ والإنسِ، وأعطاهُ الله عزّ وجلّ علمًا بالقَضاءِ. وقد علَّمَهُ الله تعالى مَنطِقَ الطيرِ ولُغتَهُ وسائرَ لغاتِ الحيواناتِ فكانَ يفهمُ عنها ما لا يفهمُهُ سائرُ الناس، وكان يَتحدثُ معها أحيانًا كما كانَ الأمرُ مع الهدهدِ والنملِ، وقد سَخّرَ الله تبارك وتعالى لنبيِه سليمانَ عليه السلامُ الريحَ فكانت تَنقُلُهُ إلى أيِ أطرافِ الدنيا شاء. وكانت الريحُ تقطعُ به أولَ النهارِ مسيرةَ شهرٍ، وبعدَ الظهرِ مسيرةَ شهر. ويقالُ إنهُ كانَ لنبيِ اللهِ سليمانَ عليهِ السلام بِساطٌ مُركَّبٌ مِن أخشابٍ بحيثُ أنّه يسعُ جميعَ ما يحتاجُ إليه من الدُّورِ المبنيةِ والقصورِ والخيامِ والأمتعةِ والخيولِ والجِمالِ والأثقالِ والرِحالِ وغيرِ ذلكَ منَ الحيواناتِ والطيورِ، فإذا أرادَ عليه السلام سَفرًا أو قِتالَ أعداءٍ من أيِّ بلادِ اللهِ شاء، حملَ هذه الأشياءَ كلَها على هذا البساطِ وأمرَ الريحَ فدخلَت تحتَه فرفَعته وسارت به مُسرعَةً بإذنِ الله إلى أيِ مكانٍ شاءَ بِمشيئةِ اللهِ تعالى وقُدرتِه. ومِن نِعمِ اللهِ تبارك وتعالى على سليمانَ عليه السلام أنْ سَخَّرَ له الجنَّ ومَردةَ الشياطينِ يغُوصونَ له في البحارِ لاستِخراجِ الجواهِرِ واللآلئ ويَعملونَ له الأعمالَ الصعبةَ التي يَعجَزُ عنها البَشر، كبناءِ الصُروحِ الضخمةِ والقُصورِ العاليةِ. وقد جَعلَ الله تعالى لنبيِه سليمانَ عليه السلام سُلطةً عاليةً على جميعِ الشياطينِ من الجنِ يُسَخِّرُ من يشاءُ منهم في الأعمالِ الشاقة، ويُقَيِّدُ من يشاء في الأغلالِ ليَكُفَّ شرَهم عنِ الناس. ومِن نِعَمِ الله تعالى على سليمانَ عليهِ السلام أن أسالَ لهُ عينَ القِطرِ وهو النُحاسُ الْمُذاب، فكانَ النُحاسُ يَتدفّقُ رَقراقًا مُذابًا لسليمانَ عليه السلام كتَدَفُقِ الماءِ العذب، فيَصنعُ منه سليمانُ عليه السلام ما يشاءُ من غيرِ نارٍ وكانت تلكَ العينُ في بلادِ اليمن. ومِن نِعمِ الله تعالى على سليمانَ عليه السلام أنَّ جُنْدَهُ كانَ مؤلفًا من الجنِ والإنسِ والطيرِ، وكانَ سليمانُ عليه السلام قد نظّمَ لهم أعمالَهم ورتَبَ لهم شئونَهم، فكانَ إذا خَرجَ خَرجوا معَه في موكبٍ حافِلٍ مَهيب يُحيطُ بهِ الجندُ والخدمُ من كلِ جانب، فالإنسُ والجنُ يسيرونَ معه سامعينَ مطيعينَ خاضعينَ، والطيرُ بأنواعِها تظِلُهُ بأجنحتِها من الحرِ وغيرِه، وعلى كلٍ من هذهِ الجيوشِ نُقَبَاءُ ورؤساءُ يُديرونَ ويُنظِّمونَ الفِرَقَ في عرْضٍ رائعٍ وموكبٍ مَلِكيٍ حافلٍ لم ترَ العينُ مثلَه، وهذا كلُّه من فضلِ الله تعالى على عبدِهِ ونبيِه سليمانَ عليهِ السلام الذي كانَ عبدًا مُطيعًا أوّابًا داعيًا إلى عبادَةِ الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ وكانَ مِن عِبادِ اللهِ الشاكرين.

يُخبرُنا الله تبارك وتعالى في القرءانِ الكريمِ عن عبدِه ونبيِه سليمانَ عليه السلام أنهُ ركِبَ يومًا في جَيشِه المؤلفِ من الجنِ والإنسِ والطيرِ يقول الله تعالى {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}. فهذه النملةُ تكلَمت بصوتٍ أمرَت فيهِ أُمةَ النَملِ في ذلكَ الوادي أن يَدخُلوا مَساكنَهم حَذرًا من أن يُحطِّمَهم سليمانُ عليه السلام وجنودُه أثناءَ سَيْرِهم واعتذَرت عن سليمانَ وجنودِه بعَدمِ الشُعور، وقد ألهمَ الله عزّ وجلّ تلكَ النَملةَ معرفةَ نبيِه سليمانَ عليه السلام كما ألهمَ النملَ كثيرًا من مَصالحِها، فمِن ذلك مثلا أنها عندما تجدُ حبوبًا رطْبةً تَحملُها وتُجففُها في الهواءِ الطلْقِ وتحتَ أشعةِ الشمسِ ثم تقومُ بعدَ ذلكَ بتَدخيرِها في مساكنِها تحتَ الأرض. ومن ذلك أنها تَكسِرُ كُلَّ حَبةٍ تَدَّخِرُها قِطعتَينِ لئلا تَنبُت، إلا الكُزبَرة فإنها تَكسِرُها أربعَ قِطعٍ لئلا تَنبُت، لأنَّ الكُزبَرة تَنبُتُ إذا كُسِرَت قِطعتين ولا تَنبُتُ إذا كُسِرَت أربعَ قِطع، فسُبحانَ الله مَن ألهمَها هذا، وسُبحانَ الله الخالقِ الحكيم، لا إله إلا الله. والمقصودُ أنَّ سليمانَ عليه الصلاةُ والسلامُ سَمِعَ كلامَ النَملةِ وفَهِمَ ما خاطبَت بهِ تِلكَ النَملةُ أمّةَ النملِ وما أمرَت به وحذّرت، وتَبسَّمَ مِن قولِها على وَجهِ الفَرَحِ والسرورِ بِما أطلَعَهُ الله عزّ وجلّ عليهِ من كلامِ النملةِ دونَ غيرِه، ولهذا طلَبَ عليه الصلاةُ والسلامُ من ربِه وخالقِه أن يُقَيِّضَهُ للشُكرِ على ما أنعمَ بهِ عليهِ وعلى والديهِ، وعلى ما خَصَّهُ بهِ من نِعَمٍ دونَ غيرِه من الناسِ وأن يُيَسِّرَ له العملَ الصالِح، وأن يَحشُرَهُ إذا توفاهُ معَ عبادِه الصالحين، وقدِ استَجابَ الله تعالى دعاءَ عبدِه سُليمانَ بنِ داودَ عليهما السلامُ فكانَ من عبادِ اللهِ الشاكِرينَ معَ ما أعطاهُ الله عزَّ وجلَّ مِن نِعَمٍ كثيرةٍ ومُلكًا لا يَنبغي لأحدٍ من بَعدِه. والمرادُ بوالديهِ داودُ عليه السلام وأمُه، وكانت أمُه من العابداتِ الصالحاتِ تُؤدي الواجباتِ وتَجتَنِبُ المحرماتِ وتُكثِرُ من قيامِ الليلِ في طاعةِ الله عزّ وجلّ، وهي التي قالت لابنِها سليمانَ عليه السلام: يا بُنَيّ لا تُكثِرِ النومَ بالليلِ فإن كثرةَ النومِ بالليلِ تَدَعُ العَبدَ فَقيرًا يومَ القيامة.

قصَّ الله تبارك وتعالى علينا في القرءانِ الكريمِ قِصةَ نبيِه سليمانَ عليهِ السلامُ معَ “بَلقيس” مَلِكةِ سبأ في اليَمَن، وهي قِصةٌ رائعةٌ فيها حِكَمٌ كثيرةٌ وفيها مَغزًى دقيقٌ للملوكِ والعُظماء، وفيها بيانٌ لِسَعَةِ مُلْكِ سليمانَ عليه الصلاة والسلام حيثُ امتَدَّ من بيتِ المقدِس إلى أقاصي اليَمَن ودانَت لهُ الملوكُ والأُمراءُ، وقدِ اتَّخَذَ نبيُ الله سليمانُ عليه السلام الْمُلْكَ وسيلةً للدعوةِ إلى دينِ الإسلامِ العظيم والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ، فلم يَترُك مَلِكًا كافِرًا ظالِمًا إلا وَدَعاهُ إلى الدخولِ في دينِ اللهِ الإسلام وعبادةِ الله تعالى وحدَه، وهكذا انتشرَ دينُ الله في أقطارِ المعمورةِ وعَمَّ أرجاءَ الدنيا. وتبدأُ قِصةُ سليمانَ عليه السلام مع مَلِكَةِ سَبأ عندَما وقعَ سليمانُ عليه السلام مع جنوده في أرضٍ جدباءَ لا ماءَ فيها فعَطِشَ الجيشُ فسألوهُ الماء، وكانت وظيفةُ الهدهُدِ في جَيشِه أنهم كانوا إذا أُعْوِزوا الماءَ واحتاجوا إليه في القِفارِ والصَحاري في حالِ الأسفارِ أن يَجئَ الهدهُد فينظُر لهم هل بهذِه البقاعِ من ماء، وكانَ الهدهُد يَدُلُّهُ على الماءِ بِما خلقَ الله تعالى له من القوةِ التي أودَعها فيهِ حيثُ كانَ يَنظُرُ الهدهد إلى الماءِ تَحتَ تُخوم الأرض، وكان يرى الماءَ في الأرض كما يرى الماءَ في الزجاجةِ بمشيئةِ الله تعالى، فكانَ الهدهُد إذا دَلَّهُم على الماءِ وقالَ: هَهُنا الماءُ، شَقَّقَتِ الشياطينُ الصخرَ وفَجّرتِ العيون، واستَنبَطوهُ وأخرجوهُ واستَعملوهُ لحاجاتِهم.  فعندما عَطِشَ جَيشُ سليمانَ عليه السلام واحتاجوا إلى الماءِ تَفقّدَ سليمانُ الهدهدَ فلم يرَهُ بينَهم ولم يَجِده، فأخذَ يَتَهَدَّدُهُ بالعقاب إلا إذا أتاهُ بِعذرٍ مَقبولٍ عن سَببِ تَخَلُّفِهِ. ثم أقبلَ الهدهدُ إلى سليمانَ عليه السلام، فلما سألَه عن غَيبتِه أخبرَه بأنهُ اطّلَعَ على ما لم يَطَّلِعْ عليه، وأخبرَهُ بِخَبَرٍ يقينٍ صادقٍ وهو أنه كان في اليمنِ في بلدةِ سبأ وأنّ هناكَ ملِكَةً على هذهِ البلادِ تُدعى “بَلقيس” قد ملَكت على تلكَ الأمةِ في اليمن وأوتِيَت مِن كلِ شىءٍ يُعطاهُ الملوكُ ويُؤتاهُ الناسُ، ولها عرشٌ عظيمٌ مُزَخرَفٌ بأنواعِ الزينةِ والجواهرِ مما يُبْهِرُ العيونَ، ثم ذكرَ لسليمانَ عليه السلامُ كُفْرَهُم باللهِ تعالى وعِبادَتَهمُ الشمسَ والسجودَ لها من دونِ الله وإضلالَ الشيطانِ لهم وصَدَّهُم عن عبادةِ الله تعالى الموجود بلا مكان. فعندَ ذلكَ بعثَ سليمانُ عليه السلام كتابًا ليوصِلَهُ إلى هذهِ الملِكةِ مُخْتَبِرًا صِدْقَ الهُدهد، وكانَ هذا الكتابُ يتضمنُ دعوتَه لهم إلى طاعةِ اللهِ ورسولِه والخضوعِ لِمُلكِه وسُلطانِه. وحَمَلَ الهدهدُ كتابَ سليمانَ عليه السلام وجاءَ إلى قصرِ بَلقيس فألقاهُ إليها وهي على سريرِ عرشِها ثم وقفَ ناحيةً ينتظرُ ما يكونُ من جوابِها عن كتابِ سليمانَ عليه السلام، وأخذتِ الملكةُ “بلقيس” الكتابَ فقرأته ثم جَمعت أُمراءَها ووُزراءَها وأكابِرَ دولتِها فشاورَتهم في أمرِها وما قد حلَّ بها، فقالوا لها بعدَ أن عَرّضوا لها بالقِتال: وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ، فَفَكَّرتْ بَلقيسُ بالأمرِ مَلِيًا وبِرَوِيّةٍ ولم تَتَحَمَّس كتَحَمُسِهِم واندِفاعِهِم وكانَ رأيُها أتَمَّ وأسدَّ من رأيِهم، وعلِمَت أنَّ صاحبَ هذا الكتابِ قويُّ السُلطان يَغْلِبُ أعداءَه ولا يُخادِع. ثم عرضَت بَلقيسُ على رجالِ دولتِها ووُزرائِها رأيًا وجدتهُ أقربَ إلى حلِّ تلكَ القضيةِ المستَجِدّة، وهي أن تُرسِلَ إلى سليمانَ عليه السلام هديةً تُصانِعُهُ بِها وتَستَنْزِلُ مَوَدَتَهُ بِسبَبِها وتُحَمِّلُ هذهِ الهديةَ لرجالٍ دهاةٍ من رِجالِها حتى يَنظروا مدى قوةِ سليمانَ عليه السلام، ثم بعدَ ذلكَ تُقَرِرُ ما ستَفعَلُهُ في أمرِ سليمانَ على ضوءِ ما يأتيها مِن أخبارٍ عن سليمانَ عليه السلام وقُوَتِهِ. وأرسَلَت “بَلقيسُ” رِجالَها بِهَدِيَةٍ تَحتَوي على الْحُلِيِّ والجواهِرِ غاليةِ الثمن، فلما جاؤوا سليمانَ عليه السلام ووَضعوا بينَ يَدَيهِ هديةَ بَلقيس لم يَقبَلْها، وأَظهَرَ لهم أنَه ليسَ بِحاجَةٍ إلى هَدِيَتِهِم وأنَّ الله سبحانَه وتعالى أنعَمَ عليهِ بنِعَمٍ كَثيرةٍ تَفوقُ بِكَثيرٍ ما أَنعَمَ عليهم، ثم تَوَعَدَهُم ومَلِكَتَهُم بأن يُرسِلَ إلى بِلادِهم بِجنودٍ لا قُدرةَ لهم على قِتالِهم ويُخْرِجَهُم من بلادِهم أَذِلَةً صاغِرين.

لما رجَعَت رُسُلُ بَلقيسَ إليها أخبَروا ملِكَتَهم بِخَبرِ سليمانَ عليه السلام، ووصفوا لها ما شاهدوهُ من عَظمةِ مُلكِ سليمانَ وكَثرةِ جُندِهِ وقُوةِ بأسِه، وأخبروها بأنَه ردَّ الهدايا إليها ولم يرضَ الْمُصانَعَة، وأنه مُصَمِّمٌ على غَزوِ بلادِهم بِجيشٍ كبيرٍ عَرَمْرَمٍ لا قُدرَةَ لهم عليه، ولما سَمِعَت الملكةُ “بَلقيسُ” أخبارَ رُسُلِها عن سليمانَ عليه السلام وعظيمِ مُلكِه أيْقَنَتْ بِعِظَمِ سُلطانِهِ ومَهابَتِهِ وعَدَمِ طاقَتِها على مُقاوَمَتِه، فبَعَثَت إليه: إنّي قادِمةٌ إليكَ لأنظُرَ ما تدعو إليه، ثم أمرَت بعرشِها فجُعِلَ وراءَ سبعةِ أبواب، وَوَكَّلت بهِ حرَسًا يَحفظونَهُ وسارت إلى سليمانَ عليه السلام بِجيشٍ كبيرٍ مع رِجالِها وجماعتِها. وكانَ نبيُ اللهِ سليمانُ عليه السلام عَظيمَ الهيبةِ كثيرًا ما كانَ الناسُ لا يَبدأونَهُ بشىءٍ حتى يسألَ هو عنهُ فجَلَسَ يومًا على سريرِ مُلكِهِ فرأى رَهْجًا قَريبًا منهُ فقالَ: ما هذا؟ فقالوا: “بَلقيس” قد نَزَلَت بِهذا المكانِ وكانَ المكان بقدرَ فَرسَخ منهم، وكانَ قد بَلَغَهُ أنَّ بَلقيسَ عَمِلَت على حِراسةِ عرشِها قبلَ خروجِها، فلما علِمَ سليمانُ عليه السلامُ بِقدومِها إليه، شَيَّدَ لها قَصرًا عظيمًا مِن زُجاجٍ وجَعَلَ في مَمَرِهِ ماءً وجَعَلَ عليه سَقفًا مِن زُجاج، وجَعَلَ فيهِ السَمَكَ وغيرَهُ من دوابِ الماءِ بحيثُ يُخَيَّلُ للناظِرِ أنه في لُجَّةٍ من الماء. وأرادَ سليمانُ عليه السلامُ أن يُظهِرَ لبَلقيسَ من دلائلِ عَظمتِه وسُلطانِه ما يُبْهُرُها وأن تَرى بعينِها ما لم تَرَهُ من قبلُ قط، وهُو أن يَأتِيَ بِعرشِها إلى قَصرِه ليكونَ جلوسُها عليه في ذلكَ الصَرحِ العظيم ِدليلًا باهِرًا على نُبُوَتِهِ لأنها خَلَّفَتْهُ في قَصرِها واحتاطَت عليه، فأمرَ عليهِ السلامُ جُنودَه وخَواصَّهُ أن يُخْبِروهُ عن مَخلوقٍ قويٍ ليأتِيَهُ بِعَرشِ بَلقيس، فتَطَوَعَ عِفريتٌ قَوِيٌ منَ الجنِ وأخبرَه أنه قادِرٌ على إحضارِ عرشِ بَلقيسَ في مُدةٍ قَصيرةٍ لا تَتجاوَزُ نِصفَ نَهار. وكان هناكَ عندَ سليمانَ عليه السلامُ رجلٌ من أهلِ الإيمانِ مَشهورٌ بالتَقوى والوِلايةِ يُدعى ءاصِفَ بنَ بَرخِيا ويُقالُ إنهُ ابنُ خالةِ سليمان فقالَ لسليمانَ عليه السلامُ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أي قبلَ أن يَرجِعَ إليكَ بَصَرُكَ إذا نَظَرْتَ بهِ إلى أبعدِ غايةٍ منكَ ثم أغْمَضْتَهُ، وكانَ الأمرُ كما قالَ وإذا بِعرشِ بَلقيسَ بِعَظَمَتِهِ وحُلِيِّه قائمٌ وحاضِرٌ في القصرِ أمامَ نبيِ الله سليمانَ عليه السلام. ثم أمرَ نبيُ اللهِ سليمانُ عليهِ السلامُ أن يُغَيَّرَ بعضُ مَعالِمِ العرشِ ليَمتَحِنَ بها قوةَ ملاحظتِها وانتباهِها وليَختَبِرَ فَهمَها وعقلَها، فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وهذا لأنَها استَبْعَدَت أن يكونَ عرشُها لأنَّها خَلَّفَتهُ وراءَها بأرضِ اليمن تحتَ حِراسةٍ شَديدة، ولم تكن تعلمُ أنّ أحدًا يَقدِرُ على هذا الصُنعِ العَجيبِ الغَريب. وكان سليمانُ عليه السلامُ قد أمرَها بِدخولِ القَصرِ وكانَ جالِسًا على سريرِ عَرشِه، قالَ الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا}. فلمّا رأتِ الدلائلَ الباهرةَ والخوارقَ العجيبة أعلَنت إسلامَها وتَبرأت مِما كانت عليهِ من كفرٍ وضَلالٍ. وبعدَ أن أسلَمت بَلقيسُ ودخلَت تحتَ سُلطانِ سليمانَ عليه السلام يُقالُ إنه تَزوجَها وأقرَّها على مَملَكةِ اليَمن ورَدَّها إلى بلدِها وكانَ يَزورُها في مَملَكَتِها في كلِ شَهرٍ مرةً ويُقيمُ عندَها ثلاثةَ أيام وأمرَ الجِنَ الْمُسخَّرينَ له أن يَبنوا له ثلاثةَ قصورٍ هناك.

 

يذكُرُ الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم كيفيةَ موتِ نبيِه سليمانَ عليه السلام وكيفَ أخفى الله تعالى موتَه على الجنِّ المسخَّرينَ له في الأعمالِ الشاقةِ لأنَّ الجنَّ كانوا يقولونَ للناسِ: إننا نعلَمُ الغيبَ فأرادَ الله تعالى إظهارَ كَذِبِهِم فقُبِضَ سليمانُ وهو مُتَوَكِئٌ على عصاهُ وظَلَّ ميِّتًا على عصاهُ سنةً كاملة، فلما أكلتِ الأَرَضَةُ عصاهُ خَرَّ وسَقَطَ إلى الأرضِ وعُلِمَ أنه قد ماتَ قبلَ ذلكَ بِمُدَةٍ طويلة، وتبيّنتِ الجنُّ والإنسُ أيضًا أنَّ الجِنَّ لا يَعلمونَ الغيبَ كما كانوا يُوهِمونَ الناس ويَتوهَمونَ. وكان سليمانُ عليه السلام إذا صلّى رأى شجرةً نابتَةً بينَ يَدَيْهِ فيَقولُ لها: ما اسْمُكِ؟ فتقول: كذا، فيقولُ: لأيِّ شىءٍ أنتِ؟ فإن كانت لِغَرْسٍ غُرِسَت وإن كانت لدواءٍ أُنبِتَت، فبينما هو يصلي ذات يومٍ إذ رأى شجرةً بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخُرنوب، قال: لأيِّ شىء أنتِ؟ قالت: لِخرابِ هذا البيت، فقالَ سُليمان: اللهمَّ أخفِ عن الجنِّ موتي حتى تعلَمَ الإنسُ أنّ الجنَ لا يعلمونَ الغيبَ، فنَحَتها عليه السلام عَصًا فتَوكّأَ عليها حَوْلًا والجِنُّ تعمل، فأكلتها الأَرَضة فتَبَيَّنَتِ الإنسُ أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمونَ الغيبَ ما لَبِثوا حَوْلًا في العذابِ المهين. ويُقالُ إنهُ كانَ عُمُرُ نبيِ اللهِ سُليمان عليهِ السلام حينَ تَوَفّاهُ الله اثنَتَيْنِ وخَمسينَ سنة، ولَبِثَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في الملكِ أربعينَ سنةً ودُفِنَ في بيتِ المقدسِ في فلسطين. وهنا فائدة: كان لسيدِنا سليمانَ عليه السلام ثلاثُمِائَةِ زوجةٍ من الحرائِر وسبعُمائة أمةٍ مملوكة ومعَ ذلكَ لم يَكن قلبُه مُتعلِقًا بالنساء ولم يكن هَمُهُ إشباعَ الشهوةِ بكثرةِ التلذذِ بالنساءِ وإنما كانَ غرضُه أن يَخرُجَ من ظهرِهِ ذُريَّةً يُجاهدونَ في سبيل الله تعالى. ومن نِعَمِ الله على سليمانَ أنه كانَ يوجَدُ في مجلسِ حُكمِه سِتُمِائةِ ألفِ كرسي ثلاثمائةِ ألفٍ عن يَمينِه لكُبراءِ الإنسِ وثلاثُمائَةِ ألفٍ عن يسارِه لِكُبَراءِ الجن، وقد كانتِ العفاريتُ الذينَ كانوا يستطيعونَ أن يَنقُلوا الصخر الكبير من مكانٍ إلى مكانٍ بَعيدٍ يُطيعونَهُ ويَخافونَ أن يُنْزِلَ الله عليهم عذابًا في الدنيا إن لم يُطيعوا سليمان عليه السلام. وسبحان الله والحمد لله والله تعالى أعلم وأحكم. في الحلقةِ القادِمةِ نكونُ بإذنِ الله مع قِصةِ نبيِ الله زكريا عليه السلام فتابِعونا وإلى اللقاء.