الأحد مارس 1, 2026

مختصر قصة سيدنا موسى وهارون عليهما السلام سيدنا

الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الأَشْكالَ والألوانَ ولا شَكْلَ ولا لَوْنَ لَه، والذي خَلَقَ الجِهَةَ والْمكانَ ولا جِهَةَ ولا مَكانَ لَه، سُبحانَهُ الأعلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، والأكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وَعِزَةً وَعِزًّا، سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين وَلا يُشْبِهُ الْمَخْلوقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ وَأَفْضَلِ الأنْبِياءِ وَالْمُرْسَلين، سَيِدِنا مُحَمَّدٍ الصّادِقِ الأَمين، الذي جاءَ بِدينِ الإسْلامِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ النَّبِيّين. أما بعد نبدأ الكلام عن قصة سيدنا موسى عليه السلام. هو موسى بنُ عِمران ويرجِعُ نَسبُه ليعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم، واسمُ أمهِ يوحانِذ، أما هارون فهوَ شقيقُ سيدِنا موسى عليهما الصلاة والسلام. ذُكِرَ اسمُ موسى عليه الصلاة والسلامُ في القرءانِ مائةً وَسِتًا وثلاثينَ مرة في كثيرٍ من السُّوَرِ المبارَكة. وُلِدَ سيدُنا موسى عليه السلام في عهدِ الطاغيةِ الوليدِ بنِ مُصْعَب فرعونِ مصرَ عدوِ الله الذي اشْتُهِر بالطغيان والجَبَروتِ وادَّعى الألوهية والعياذ بالله تعالى. وفرعونُ كان لقبَ كلِّ ملِكٍ من ملوكِ مصرَ كما أن كِسرى لقبٌ لكل ملِكٍ من ملوكِ بلادِ فارس، وكما أن قيصرَ لقبُ كلِّ ملِكٍ من ملوك بلادِ الروم. سُلِّط هذا الملكُ الطاغيةُ المتكبرُ فرعون الذي عمّر مدةً قيل تزيدُ على أربعِمائةِ سنةٍ على بني إسرائيلَ يُذيقُهمُ العذابَ يُذَبِّحُ أبناءهم ويَسْتَبْقِي نساءَهم للخدمةِ ويستخدِمُ الرّجالَ منهم في أخسّ الصنائعَ والحِرَفِ وكان قد صنّفهم أصنافًا، فصِنفٌ يبنونَ وصِنفٌ يَحْرُثُون وصِنفٌ يتوَلَّونَ الأعمال القذِرة، ومن لم يكن منهم أهلًا للعمل كان يأخذُ منه الجزية، فكانت بِعثـةُ موسى عليه السلام رحمةً لبني إسرائيل وإنقاذًا لهم من ظلمِ هذا الملك. رأى فرعونُ مصرَ في منامِه رؤيا منامية أفزَعَته فاهتمّ لها واغتَمّ، فقد رأى كأنّ نارًا قد أقبلَت من جهةِ بيتِ المقدِس حتى وصلت إلى بلادِ مصرَ وأحاطت بِدُورِها وبُيوتِها فأحرَقتها وأحرقَتِ الأقباطَ وتركت بني إسرائيلَ دونَ أذى، فلمّا استيقظَ جمعَ الكهنةَ والسَّحَرةَ والمنجّمِينَ وسألهم عن تأويلِ هذه الرؤيا وتفسيرِها، فقالوا له: هذا غُلامٌ يولَدُ في بني إسرائيلَ يكونُ سَببُ هلاكِ أهلِ مِصرَ على يديهِ، ويكونُ ذهابُ مُلكِكَ على يديه أيضًا ويُخرِجُك وقومَكَ من بلدِكَ ويبدِّلُ دينَك، وقد أظلَّكَ زمانُه الذي يولَدُ فيه، لذلك أمرَ فرعونُ الطاغيةُ أن يُقتَلَ كلُّ غلامٍ يولدُ في بني إسرائيل، وأمّا الإناثُ فكنَّ لا يُقتَلنَ بل يُبقَيْنَ على قيدِ الحياةِ من أجلِ الخدمةِ. وأمرَ فرعونُ كذلك بقتلِ كلِّ الأطفالِ الذين هم في زمانِه وبقتلِ من بعدَهم، وأخذَ جنودُه الأشرارُ يُعذِّبونَ الحَبالى من بني إسرائيلَ حتى كانتِ المرأةُ منهم تُسقِطُ حملَها خوفًا من التعذيبِ والتَنكيلِ على أيدي جُنودِ فرعون، ولما كثُرَ الموتُ في الشيوخِ الكبارِ من بني إسرائيلَ دخلَ وُجهاءُ الأقباطِ ورؤساؤهم على فرعونَ وقالوا له: إنَّ الموتَ قد وَقَعَ في مشْـيَخةِ بني إسرائيل – أي الكِبارِ منهم- وأنت تأمرُ بقتلِ صغارِهم، لهذا يوشِكُ أن يقعَ العمَلُ والخِدمَةُ علينا ولا يبقى أحدٌ للخدمةِ غيرُنا، فلذلكَ أمرَ فرعونُ أن يُقتَل غِلمانُ بني إسرائيلَ سنةً ويُتركوا سنةً حتى لا يَهلِكَ جميعُ أبناءِ بني إسرائيلَ الذين كان فرعونُ يستَخدِمُهم في أعمالِه.

وُلِدَ نبيُّ الله هارونُ عليه السلامُ بعدَ ولادةِ موسى بثلاثِ سنوات، وفي السنةِ التي لا يُذبَح فيها الأطفال أي عامَ المسامحةِ عن قتلِ الأبناء فتُرِكَ ولم يُذبح، وولدَ نبي الله موسى عليه السلام في السنةِ التي يُذبحُ فيها الأطفال، فضاقت أمُّه به ذَرْعًا خوفًا من قتلِه وأخذت تأخُذُ حِذْرَها وحيطتَها من أوّلِ ما حبَلت به، ولم يكُن يظهرُ عليها مَخايِلُ الحمل، ولما قرُبَ وقتُ وضعِ الحمل حزِنت حزنًا شديدًا واشتدَّ غمُّها وكربُها، فألهمها الله تعالى ألا تَخافَ ولا تحزَن لأنَّ هذا المولودَ سيكونُ له شأنٌ عظيم وأنه سيحفَظُه من كَيْدِ فِرعون ثم يجعلُه منَ المرسلين، وأن تُرضِعَه، حتى إذا خافت عليه تَصنعُ له تابوتًا وصُندوقًا من خَشبٍ ولا تخافُ من الهلاكِ ولا تحزَن لأنه سيكونُ في حِفظِ الله ورعايتِه. وَلَدَت أمُّ موسى نبيَ الله موسى عليه السلام خُفيَة، وجَعلت ترضِعُه برأفةٍ وحنانٍ وهي واثقةٌ من حفظِ الله تبارك وتعالى له، ولما خشيت عليه من كَيْدِ فرعونَ وجنودِه السفاحينَ اتّخذَت صُندوقًا وجعلَت فيه قُطنًا ثم وضَعت فيه وليدَها الصغيرَ موسى عليه السلام، ورَبطتِ الصُندوقَ في حبلٍ وكانت دارُها مُتاخِمَةً لنهرِ النيل، فكانت تُرضِعُ وليدَها موسى كلَ يومٍ فإذا خَشيت عليه من أحدٍ وضعَته في ذلك التابوتِ والصُندوقِ وأرسلته في البحرِ وأمسكت طرَفَ الحبلِ عندها، فإذا ذهبَ هؤلاء الذينَ تَخشى عليه منهم استرجعته إليها. وذات يوم أرسلته ونسيت أن تربِط طرَف الحبلِ عندَها فانطلقَ الصُندوق وفيه موسى الرضيعُ عليه السلام معَ نَهرِ النيل، وانطلقَ الماءُ به يَرفعُه الموجُ تارةً ويخفِضُه أُخرى حتى وصلَ إلى قَصرِ فرعون، وبينما كانت الجواري في قصرِ فرعونَ يغتَسلن على ضِفاف نهرِ النيل أبصرْنَ هذا الصندوقَ فأخذْنَه وظننَّ أنّ فيه مالًا وأشياءَ ثمينةً فحَملْنَه على حالتِه إلى زوجةِ فرعونَ ءاسية بنتِ مُزاحِم وكانت من بني إسرائيل، فلما فَتحَت الصُندوق رأت فيه طفلًا جميلًا وسيمًا فألقى الله تعالى مَحبتَه في قلبِها وأحبَّتْه حبًّا شديدًا، فلما جاء فرعونُ ورءاهُ أرادَ قتلَه وأمرَ بذبحِه فما كان من زوجتِه ءاسية إلا أن دافعت عنه وطلبَت منه أن لا يقتُلَه لأنها كانت لا تلِد، فما كانَ من فرعونَ إلا أن أجابها بقولِه: يكونُ لكِ وأمَّا أنا فلا حاجةَ لي فيه.

 

عاشَ المولودُ موسى في دارِ فرعونَ عند زوجتِه ءاسية التي أحبَّتْه حبًا شديدًا وأخذَت تعطِفُ عليه معَ فرعون لما شاهدا فيه من جَمالٍ وهَيبَة، وأخذَت تبحَثُ لَهُ عن مُرضِعٍ تُرضِعُه وتُربِّيْه، وكانت كُلّما أحضرت مُرضعةً لترضعَه وتغذيَه من لبنها يَمتَنِعُ عن قَبول ثَديِها، وحاروا في أمرِه حتّى اشتَدَّ به الجوعُ وكَثُرَ منه البكاءُ وخشِيَت عليه من الهلاك، فأخذت تبحَثُ بنفسِها عن مُرضِعٍ له عَسى أن تَجدَ مُرضِعًا يَقْبَلُ ثديَها ويتغذى بلبنها، وفي هذهِ الأثناءِ كان حنينُ أمِّ موسى عليه السلام يَشتدُّ نحوَ موسى الذي صارَ في قَصرِ فرعون، وكانتِ الأشواقُ تتأجَّجُ داخِلَها شوقًا إلى طِفلِها الصَغيرِ موسى عليه السلام حتى طلبت من أختِه أن تَتْبَعَهُ وتَتَقَصَّ ءاثارَه عسى أن تأتيَها بأخبارِ موسى عليه السلام في قَصرِ فرعونَ فيُشْفَى غَليلُها، وكانت قد سمعت أنَّ فرعونَ قد أصابَ صبيًّا في تابوتٍ ووضعَه في قصره. واستجابَت أختُ موسى لطلبِ أمِّها وصارت تَتَقصّى أخبارَ أخيها موسى عليه السلام في قصرِ وَدارِ فرعونَ حتّى علِمَت أنه مُمتَنِعٌ عن قَبولِ ثَديِ أيِّ مُرضِعةٍ تأتي لتُرضِعَه وأنه كثيرُ البُكاءِ من الجوع. عند ذلك دخلت أختُ موسى القصرَ وتقدمت من ءاسيةَ زوجةِ فرعون تَعرِضُ عليها أن تأتيَ لها بامرأةٍ مُرضعةٍ أمينَةٍ تكفَلُ وتتعهدُ هذا الرضيعَ الصغيرَ في مقابلِ أجرٍ لها فوافقت ءاسيةُ على طلبِها، وانطلقَت أختُ موسى بفَرحٍ وسرورٍ إلى أمِّها تُخبِرُها الخبر، وما إن سَمِعت هذا الخبر حتى عَمَّها الفرحُ والسرورُ وانطلقت إلى قصرِ فرعون، فلما دخلت ووَضعت وليدَها الصغيرَ موسى في حِجرها التقطَ موسى عليه السلام ثَديَها وأخذَ يرضَعُ منه حتى ارتَوى، فَفرِحَت ءاسيةُ بذلك فَرحًا عظيمًا وطلَبت منها أن تَمْكُثَ في القصرِ لِتُرْضِعَ هذا الغلام، ووعدتها بأن تُعطيَها أنواعَ الهدايا وتُكرمَها بأنواعِ الإكرام، لكنَّ أمَّ موسى طلبَت من ءاسيةَ أن تسمَحَ لها بأخذِ الغلامِ إلى بيتِها لتَتَعَهَّدَهُ هناك بالعنايةِ والرِعايةِ لأنها لا تَستطيعُ أن تترُكَ بيتَها وأولادَها، وأمامَ هذا الأمرِ الواقعِ رَضيت ءاسيةُ بذلك على أن تأتيَ بهِ إليها في القصرِ كلَّ فترةٍ لتراهُ ثم تُعيدَه لها، وهكذا أعطى الله تبارك وتعالى أمَّ موسى ما وَعَدَها به ورَدَّ لها ولدَها موسى وكانَ وَعدُ اللهِ تعالى حقًّا. ومَكَثَ موسى عليه السلام عند أمِّه تُرضِعُه حتى فطَمَتْه ثم رَدَّته إليهم، فنَشأ وشَبَّ عليه السلامُ في قَصرِ فرعونَ وعاشَ فيه مُعزَّزًا مُكرَّمًا وكانَ يَعيشُ عيشةَ أبناءِ الملوك فيركَبُ مَراكِبَ فرعونَ ويَلْبَسُ ما يَلبَسُ فرعون.

 

ذاتَ يومٍ رَكِبَ فِرعونُ مركِبًا وليسَ عندَه موسى عليه السلام فلما جاءَ موسى رَكِبَ في إثرِه يتبَعُه فأدرَكَه الْمَقيلُ في مدينةٍ من مُدُنِ مصرَ القديمة، وبينَما هو يَتجوَلُ في طُرُقها وكان الوقتُ وقتَ ظهيرة والأسواقُ مغلَقَةً والناسُ في بيوتِهم وجدَ رجُلين يقتتِلان أحدُهما من بني إسرائيل والآخَرُ قُبطي من ءالِ فرعون اعتدى على ذلكَ الإسرائيلي، فلما مرَّ موسى عليه السلام استَغاثَهُ الإسرائيلي ليُخلِّصَهُ من شرِ ذلك القُبطي، فأقبلَ موسى عليه السلام نحوَ القُبطي يريدُ أن يمنَعَه من الاعتداء ويَدفَعَ الأذى عن ذاكَ الإسرائيلي فَوَكَزَهُ موسى عليه السلام  أي ضَربَه بِجُمْعِ يده فقضى عليه وقتَلَه وخَرَّ القُبطِيُ على الأرضِ ميِّتًا، فأصبحَ عليه السلام في المدينةِ التي دخلَها خائفًا على نفسِه من فِرعونَ وأتباعِه ويترقَبُ وينتظرُ سُوءًا ينالُه منهُم إذا علِموا أنَّ هذا القتيلَ إنما قتَلَه موسى عليه السلام في نُصرَةِ رجلٍ من بني إسرائيل فتقْوَى بذلك ظُنونُهم أنَّ موسى منهم ويترتبُ على ذلكَ أمرٌ عظيم، ولم يكن أحدٌ من الناسِ قد رأى موسى عليه السلام يَقتلُ القُبطيَّ إلا ذاكَ الرجلُ الإسرائيلي، وكانَ الأقباطُ أتباعُ فرعونَ قد أتَوا فرعون وقد غاظَهم وأغضَبَهم قتلُ واحدٍ منهم، وطلبوا منه أن يأخُذَ لهم بثأرِهم من بني إسرائيل، فقال لهم فرعون: ائتوني بقاتِله ومن يَشهدُ عليه لآخُذَ لكم حقَّكُم، فبينما هم يَطوفونَ يبحَثُون عنِ القاتِلِ ويلتمسونَ الأخبارَ إذ وقعت حادثةٌ أُخرى بينَ ذاكَ الإسرائيلي وأحدِ الأقباطِ في اليومِ الثاني وإذا موسى عليه السلام يَمُرُ فرأى ذاكَ الإسرائيليَّ يُقاتل قُبطيًا فِرعَونيًّا ءاخَر فاستغاثه هذا الإسرائيليُ على خَصْمِه الفرعوني، فتقدمَ موسى عليه السلام غاضِبًا وهو يُريدُ أن يَبطِش بذلكَ الفرعونِيِّ القُبطي، ولكن لما رأى هذا الإسرائيليُّ غَضَبَ موسى عليه السلام ورأى ءاثارَ الغضبِ على وجهِه وسمِعَهُ يقولُ له مُعَنِّفًا له على كَثرةِ مُخاصمَتِه: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} ورءاه وقد همّ أن يبطِش بهذا الفرعونيِّ فظنَّ أنه يريدُه فخافَ على نفسِه فقال لموسى عليه السلامُ حينئذٍ: يا موسى أتريدُ أن تقتُلَني كما قتلتَ نفسًا بالأمس، فسمِع الفرعونيُّ هذا الكلامَ فتركه وانطلَقَ وذهبَ مُسرعًا إلى فرعونَ وجماعتِه وأخبرَهم أنَّ موسى هو الذي قتلَ ذاكَ الرجلَ القُبطي، فما كانَ من فرعونَ لما سمعَ هذا الخبرَ إلا أن أمَرَ جُندَه أن يَبحثوا عن موسى ويأتُوهُ بهِ ليقتُلَه، حتى لا يَتجِرأَ أحدٌ من بني إسرائيلَ على قتلِ أحدٍ مِن أتباعِه الأقباط، فذَهبَ الجندُ يُفتّشونَ ويبحَثونَ عن موسى عليه السلامُ في طُرقاتِ المدينة، وكانَ رجلٌ مؤمنٌ من ءالِ فرعونَ يكتُم إيمانَه قد عَلِمَ بأمرِ فرعونَ بالإتيانِ بموسى ليقتُلَه فما كانَ منه إلا أن سبَقَهم إلى موسى عليه السلام مِن طريقٍ أقرب وأخبَرَهُ بالخبرِ وبِمؤامرةِ فرعونَ وجُندِه وطلَبَ منه ناصِحًا مُشفِقًا عليه أن يَخرُجَ من مِصرَ خوفًا عليه من فرعونَ وجنودِه، وقَبِل موسى عليه السلام نَصيحَتَهُ وخَرَجَ من مِصرَ إلى أرضِ “مَدْيَن” ودعا ربَّه أن يَهديَه الطريقَ إليها وأن يُنَجِّيَهُ مِن شرِّ فرعون. 

 

خرجَ سيدُنا موسى عليه السلام من أرضِ مصرَ يريدُ النجاةَ من كيدِ فرعونَ وجنودِه، ولم يكن خروجُه جُبنًا لأنّ الأنبياءَ يَستحيلُ عليهِم ذلك، وتوجهَ عليه السلام إلى مديَن ماشيًا على قدميه بغيرِ زادٍ ولا دابَةٍ يركَبُها فكانَ يأكُلُ ورَقَ الشجر، ومدينُ هي مدينة نبي الله شُعيب، وبقي يَمشي مسيرَةَ ثمانيةِ أيام حتى وصلَ إلى مدينَ وقد أثَّرَ بهِ الجوعُ والتعب، فجلسَ تحتَ ظِل شجرةٍ فأبصر امرأتين وكانتا أختين ترعيان الأغنامَ وتريدانِ سقيَ أغنامِهِما من بئرٍ كبيرة، كان الرعاةُ يسقُونَ مواشيَهم منها وكانت هاتانِ الأختان تحبِسان غنمَهُما لئلا يختلطَ بغنمِ الآخرين، فأشفقَ موسى عليه السلام عليهما فسألَهُما عن سببِ تعهُدِهِما لرعاية الغنمِ بأنفسِهِما، فأخبرَتَاه بأنّ أباهُما شيخٌ كبيرٌ وليسَ عندَه من الأولادِ الذكورِ من يرعى له هذهِ الأغنام، وكان موسى عليه السلام لما ورَدَ ماءَ مدينَ وهو البئر، وجدَ عليه جماعةً من الرعاةِ يَسقُون أغنامَهم منه فلما فَرَغوا أعادوا صَخرةً كبيرةً عليه، وكانت هذهِ الصخرةُ لا يُطيقُ رفعَها إلا عشْرةُ رجال، فلما حدَّثت هاتانِ الأختانِ خبرَهُما لموسى عليه السلام تقدَّمَ نحو الصخرةِ الكبيرةِ الموضوعةِ على فمِ البئرِ فرفعَها وحدَه ثم استقى منها الماءَ وسقى لهاتين المرأتينِ غنمَهُما وردَّ الحجرَ مكانَه، فلما فرَغَ من ذلكَ انصرَفَ عليه السلام إلى ظلِ شجرةٍ وجلسَ تحتَها يدعو الله تبارك وتعالى ويشكرُه. وبعد أن سقى موسى عليه السلام غنمَ المرأتين رجعَتا إلى أبيهما نبيِّ الله شُعيبٍ عليه السلام مُسرعتين وأخبرتاه بخبرِ موسى عليه السلام، وكيفَ سقى لهما غنمَهما وأخبرتاه بقوَّتِه، وطلبتا منه أن يُكرِمَهُ على هذا الصنيعِ الحسَنِ معهما، فسُرّ شعيبٌ عليه السلام لحُسنِ صنيعِ موسى وبعَثَ إحدى ابنتيه هاتين لدعوتِه إليه، فجاءت إلى موسى عليه السلام تمشي على استِحياءٍ ووَقارٍ وحِشمةٍ وطلبت منه أن يذهبَ معها إلى أبيها ليُجزيَه على عظيمِ صُنعِه معها ومع أُختِها وعلى سقيه غنمَهما، فقامَ معها موسى عليه السلام وقال لها: اِمشي خَلفي وانْعَتي لي الطريق فإني أكرهُ أن تُصيبَ الريحُ ثيابَك فتصفَ جسدَك، فمَشت خلفَه تصِفُ له الطريق حتى وصلَ إلى أبيها شُعيبٍ عليه السلام، فلما جاءَه أخبرَه بأمرِه من حينِ وُلِدَ والسببِ الذي أخرجَه من أرضِ مصر، فلما سمِع نبيُّ الله شُعيبٌ خبَرَ موسى عليه السلام طمْأَنه قائلًا له: نجوْتَ من القومِ الظالمين، وذلك لأنه لا سُلطانَ لفرعونَ وجُنْدِه في أرضِ مدين. وطلبت إحدى الفتاتينِ من والدِها شُعيبٍ عليه السلام أن يتّخِذَ موسى عليه السلام أجيرًا عنده لقوّتِه وصِدقِه وأمانتِه، وأخبرت أباها بما فعلَ معها عندما دعته إليه فسُرّ أبوها شعيبٌ عليه السلام بأمانةِ موسى ووَرَعِه ورَغِب فيه وزوّجَه ابنتَه التي أحضرَته وقيل اسمُها “صَفُورا”.

 

أقام موسى عليه السلام عندَ صِهرِه شعيبٍ عليه السلام يرعى له غنمَه عشرَ سنين في أرضِ مدين، ثم إنه اشتاقَ لأهلِه فأرادَ زيارتَهم في بلادِ مصر فَسَار بأهله في ليلةٍ مظلمةٍ باردةٍ ومعه ولديه وغَنمٍ قد استفادَها في مُدةِ مقامِه في مدين، وبينما هو في الطريقِ في تلك الليلةِ المظلمةِ الباردةِ التي أرادَ الله تعالى لموسى عليه السلام كرامتَهُ وابتداءَه فيها بنبوتِه وكلامِه، تاهَ موسى عليه السلام مع أهلِه في الطريقِ حتى لم يكن يدري أينَ يتوجه ولم يهتَدِ إلى سلوكِ الدربِ المألوف، وكانت زوجتُه حامِلًا، فأخذَها الطلقُ في تلك الليلةِ المظلمةِ الباردَةِ التي عمَّها المطرُ والرعدُ والبرقُ، وأرادَ موسى عليه السلام أن يُشعِلَ نارًا فلم يستَطع إلى ذلكَ سبيلًا، وبينما هو كذلكَ ءانَسَ وأبصَر من جانبِ الطورِ نورًا فحَسِبَهُ نارًا، فتقدمَ موسى عليه السلام فلما وصلَ قريبًا من جبلِ الطورِ في وادٍ اسمُه “طُوًى” رأى نورًا عظيمًا ممتدًا من عَنانِ السماءِ إلى شجرةٍ عظيمةٍ خضراءَ هناك قيل هي العَوْسَج، فتحيّر هناك موسى عليه السلام ثم أمرَه الله تعالى أن يَخلَعَ نَعليهِ لينالَ بقدمَيهِ الأرضَ المباركة، وأمرَه الله تعالى أن يلقِيَ العصا التي كانت بيمينه، فألقاها عليه السلام فانقلبت حيةً عظيمةً سريعةَ المشيِ لها ضَخامَةٌ هائلةٌ وأنيابٌ عظيمة، فلما رءاها موسى عليه السلام على هذهِ الحالِ ولّى مُدبرًا ولم يلتفت وناداهُ ربُّهُ سبحانَه وتعالى يُطمئنُه: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} فلما رجعَ موسى عليه السلام أمرَه الله تعالى أن يُمسِكَها، فلمّا وضعَ عليه السلام يدَه عليها عادَتِ الحيةُ في يدِه كما كانت عصًا بقدرة الله تبارك وتعالى. ثم أمره الله تبارك وتعالى أن يُدخِلَ يدَه في جيبه ثم أمرَه بإخراجها فإذا هي بيضاءُ تتلألأ كالقمرِ بياضًا من غيرِ سوءٍ ومرَضٍ أي من غيرِ برَصٍ، وهاتان المعجزتانِ العصا واليد حُجَّتان منَ الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام على صِدقِه إذا ذهَب إلى فرعونَ وأتباعِه الذينَ عبدوا غيرَ اللهِ سبحانه وتعالى ليدعُوَهم إلى الله وعَدمِ الإشراكِ به، ومع سبعِ ءاياتٍ أُخَر فذلكَ تِسعُ ءاياتٍ يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. واعلم رحمك الله أن الله تعالى أسمع نبيَّه موسى عليه السلامُ كلامَه الذاتيَّ الأزليَّ الذي ليسَ حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً بغيرِ واسطَةٍ من ملَكٍ وغيرِه، فقد رفعَ الله تبارك وتعالى الحِجابَ عن عبدِه ونبيِّه موسى عليه السلام فسمِع كلامَ الله الذاتي الذي لا يُشبه كلامَنا وهذا تفسير قولِه تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}.

 

لما كَلَّمَ الله سبحانَه وتعالى عبدَه ونبيَه موسى عليه السلام وجعلَه نبيًا ورسولًا أمرَه أن يذهبَ إلى فرعونَ ليدعوَه إلى عبادةِ الله وحدَه وتوحيدِه تعالى وتركِ الكفرِ والإشراك، فطلبَ موسى عليه السلام من ربِه أن يبعثَ معه أخاه هارون ليكونَ معه في طاعةِ الله ومُعينًا له على تبليغِ الرسالة، فاستجابَ الله تعالى لنبيه موسى طلبَه وأخبرَه بأنه سَيجعلُ معه أخاه هارون مُعينًا له ووزيرًا، وطَمأنَه أنَّ فرعونَ وجُندَه لن يَصلوا إليه وإلى أخيهِ هارون بقتلٍ ولا يَنالونَ منهما، قالَ الله تعالى: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي حتى يَفهموا عنّي بسرعة، وما أصابَه عليه السلام من بُطءٍ خَفيفٍ في كلامِه لم يَمنعْ عنهُ البيان. إنما قالَ المفسرون إنّ فرعونَ كانَ قد وضعَ موسى عليه السلام وهو طِفلٌ صغيرٌ في حِجرِه، فأخذَ موسى بلحيةِ فرعونَ ومدَها بيدِه فهمّ فرعونُ بقتلِه فخافت عليه زوجتُه “ءاسية” وقالت لفرعون: إنه طِفلٌ صغير لا يعقِل وسأريكَ بيانَ ذلك، قدِّم إليه جمرتين ولؤلؤتين فإنِ اجتَنبَ الجمرتين عرفتَ أنه يَعقِل فلما وُضِعَتِ الجمْرتين أمامَ موسى عليه السلام أخذَ موسى جَمرةً من الجمرتين حِكمةً من الله حتى لا يقتله فرعون ووضعَها في فمِه فأحرقَت لسانَه وصارَ فيه عُقدةٌ خفيفةٌ من أثرِ هذهِ الجمرةِ ولكن ما تركت هذه الجمرةُ في لسانِه أن يكونَ كلامُه بعدَ ذلكَ مع الناسِ غيرَ مُفْهِم بل كانَ عليه السلام يتكلمُ على الصواب، وقد سألَ موسى عليه السلام ربَّه لما نزلَ عليه الوحي أن يُزيلَ هذه العقدةَ من لسانِه فاستجابَ الله له وأذهبَها عنه. سارَ موسى عليه السلام بأهلِه نحوَ مِصر حتى وصلَها ليلًا وكان هارونُ عليه السلام يومئذٍ غائبًا بمصر، فأوحى الله تعالى إليه أن يتلقّى أخاهُ موسى عليه السلام ويُخبِرَه أنه قد جعلَه وزيرًا له ورسولًا معه، وتلقّى هارونُ موسى فلمّا اجتَمعا والتقيا قال موسى لأخيه هارون: إنَّ الله أمرَني أن ءاتِيَ فرعون فسألتُه أن يَجعلَكَ معي فانطلِق معي إليه.

 

انطلَق موسى عليه السلام وهارونُ عليه السلام إلى قَصرِ فرعونَ ليلًا، وطلبَ موسى من البَوّابِ أن يأذنَ له بالدخولِ على فرعون، وعندَما سألَه البوابُ بقولِه: وماذا أقولُ لفرعون؟ أجابه موسى: قل له جاءَك رسولُ ربِّ العالمين، فَفَزِعَ البوابُ من كلامِ موسى ودخلَ على فرعونَ مَرعوبًا وقالَ له: إنَّ بالبابِ إنسانًا يَزعُمُ أنه رسولُ ربِّ العالمين، فأخذَت فرعونَ رَعدةٌ وهيبةٌ وأمرَ بوابَه بإدخالِه مع أخيه هارون عليهما السلام، فلما دخلَ موسى ومعَه أخوه هارون على فرعونَ في قصرِه دَعَواه إلى عبادةِ الله وحدَه لا شريكَ له في الألوهيةِ والدخولِ في دينِ الإسلام العظيم وبلّغاهُ ما أُرسِلا به، وأن يَفُكَ أُسارى بني إسرائيل من قبضتِه وقهرِه وسطوتِه ويترُكَهم يعبدونَ الله تعالى وحدَه ويتفَرغونَ لعبادتِه، وهنا تكبّرَ فرعونُ في نفسِه وعتا وطغى وأخذته العِزةُ بالإثم ونظرَ إلى موسى وهارونَ بعينِ الازدِراء، وقالَ لهما: وهل يوجدُ إلهٌ غيري؟ ولما تحققَ فرعونُ من موسى وعلِم أنه الذي تربى في بيتِه وقَصرِه ثم كانَ من أمرِه ما كان، قال لموسى: ألم نُرَبِكَ فينا وليدًا ولبِثتَ فينا من عُمُرِكَ سنين؟ أي أما أنت الذي ربيناه في منزلِنا وأحسنّا إليه وأنعمنا عليه مدةً من الدهر؟ وأظهرَ فرعونُ كلَ عنادٍ وتَكبرٍ بالذي جاءَه وبلّغَه إياه موسى عليه السلام مع الحُجَجِ القويةِ الباهرة، ومع هذا كلِه لم يستَفِق من رَقدَتِه ولم يَتراجَع عن ضَلاله بل استمرَ على طُغيانِه وعِنادِه وكُفرانِه مع ما في كلامِ موسى عليه السلام من الحججِ والبراهين الساطعة النيّرة. وبعد أن قامتِ الحجج على فرعونَ وانقطعت شبَهُه الواهية ولم يبقَ له إلا العنادُ والتكبر عدلَ إلى استعمالِ سلطانِه وجاهِه وسطوتِه وجَبروتِه وهدد موسى بالسجن، فألقى موسى عليه السلام عَصاهُ أمامَ فرعون فإذا هي ثُعبانٌ مبين أي عظيمُ الشكلِ في الضَخامةِ والهولِ والمنظرِ الفظيعِ الباهر، حتى قيل إنّ فرعونَ لما شاهدَ معجزةَ العصا وعاينَها أخذَه خوفٌ عظيمٌ وانعكسَ أثرُ ذلك على صحتِه وحالتِه، وهكذا لما أدخلَ موسى عليه السلام يدَه في جَيبِه واستخرَجَها فإذا هي كفَلقَةِ القمرِ تتلألأ نورًا يُبهِرُ الأبصار، فلما أعادَها إلى جيبِه واستخرَجَها رجَعت إلى صِفَتِها الأولى، ومعَ هذا كلِه لم يقتنِع فرعونُ بشيءٍ من ذلك بلِ استمرَ على كفرِه وطُغيانِه وادّعى أنّ هذا كلَه سحر، وأرادَ معارضتَه بالسحرةِ فأرسلَ يجمعُهم من سائرِ مملكتِه ومَن هم في رعيتِه وتحتَ سلطتِه ودولتِه .

 

استمرَ فرعونُ على كفرِه رغمَ رؤيتِه المعجزات من سيدِنا موسى عليه السلام وأخذَ يهدِدُ نبيَ الله موسى عليه السلام ويتوعَدُه ُبالسجنِ والتعذيبِ والأذى، ثم دعا وزيرَه هامان واستشارَه في أمرِ موسى وما دعاه إليه وما رأى منه فقالَ له هامان: إنِ اتبعتَه فيما دعاكَ تصيرُ تَعبدُ بعد أن كنت تُعبَد، وزيّنَ له باطلَه وما هو عليه من طغيانٍ وتكبّر، فخرجَ فرعونُ إلى قومِه وقالَ يصِفُ موسى عليه السلام: إنَّ هذا لساحِرٌ عليمٌ، ثم دعا جماعتَه واستشارَهم في أمرِ موسى عليه السلام وما رأى منه، فأشاروا عليه أن يَجمعَ السحرةَ ليُبطِلوا على زعمِهم ما جاءَ به موسى لأنهم ظنوا أنَّ ما جاءَ به من الآياتِ هو من قَبيلِ السِحر، ففعلَ فرعونُ ما طلبوا منه وذهبَ يَجمعُ من كان ببلادِه من السحرةِ وكانت بلادُ مصرَ في ذلك الزمانِ مملوءةً بالسحرة الْمُتَمَكِنينَ في سِحرِهم حتى اجتَمعَ له خلقٌ كثيرٌ من السَحرةِ وجَمٌّ غفيرٌ منهم فكانوا سبعينَ ساحرًا وقيلَ أكثرَ من هذا بكثير، ولما اجتمعوا عند فرعون طلبَ منهم فرعون أن يجمعوا قِواهم ويُوحِدوا هدفَهم وجُهودَهم ليُبطِلوا على زعمِه سِحرَ موسى، وأخذ فرعون يُغريهم بالمالِ والمنصبِ وأنّه سيجعلُهم من خاصتِه فيما إذا تمكنوا من موسى وغَلبوه بسحرِهم، وكانَ موعدُ اللقاءِ يومَ عيدٍ لفرعون يجتمعُ فيه معَ الرعِيَةِ في وضَح النهارِ من الضحى، وجاءَ موسى عليه السلام حامِلا عصاهُ في يدِه ومعَه أخوهُ هارون في الموعدِ المحدد، وكان فرعونُ جالسًا مُستَشرِقًا في مجلسِه معَ أشرافِ قومِه من الأمراءِ والوُزراءِ ومعهمُ السحرةُ الذين جلبَهم من كلِ أنحاءِ بلادِ مصر التي كان يحكمُها، فأقبلَ موسى عليه السلام نحوَ السحرة وزجرَهم عن تعاطي السحرِ الباطل الذي فيه معارضةٌ لآياتِ الله وحُجَجِهِ وقال لهم: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} أي يَستأصِلَكُم ويُهلِكَكُم بِعذاب، وارتَعدَ السحرةُ من مقالتِه هذه وفَزِعوا وقالَ بعضُهم لبعضٍ: ما هذا بقولِ ساحر، ولما اصطفَّ السحرةُ ووقفَ موسى وهارونُ عليهما السلام تُجاهَهُم سحَروا أعيُنَ الناسِ واستَرهَبوهم وألقَوا حبالَهم وعِصِيَّهُم التي كانت معَهم وهم يقولون: بعزةِ فرعون إنّا لنحنُ الغالِبون، وإذا بهذه الحبالِ والعِصِيّ يُخَيَّلُ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ وثَعابين تتحركُ وتَسعى، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُثيرِ المستغرَبِ نظرَ نبيُ الله موسى عليه السلام فإذا بهذه الحبالِ والعِصيِ يُخَيَّلُ للناسِ أنها حياتٌ تسعى، فخافَ على الناسِ أن يُفتَنوا بسحرِ السَحَرَةِ قبلَ أن يُلْقِيَ ما في يدِه، ولكنَّ الله تبارك وتعالى ثبّتَهُ أمامَ هذا الجمعِ الزاخِرِ من السحرةِ وأوحى إليه أن لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى أيِ الغالبُ المنتصرُ عليهم.

 

استمرَ فرعونُ على كفرِه رغمَ رؤيتِه المعجزات من سيدِنا موسى عليه السلام وأخذَ يهدِدُ نبيَ الله موسى عليه السلام ويتوعَدُه ُبالسجنِ والتعذيبِ والأذى، ثم دعا وزيرَه هامان واستشارَه في أمرِ موسى وما دعاه إليه وما رأى منه فقالَ له هامان: إنِ اتبعتَه فيما دعاكَ تصيرُ تَعبدُ بعد أن كنت تُعبَد، وزيّنَ له باطلَه وما هو عليه من طغيانٍ وتكبّر، فخرجَ فرعونُ إلى قومِه وقالَ يصِفُ موسى عليه السلام: إنَّ هذا لساحِرٌ عليمٌ، ثم دعا جماعتَه واستشارَهم في أمرِ موسى عليه السلام وما رأى منه، فأشاروا عليه أن يَجمعَ السحرةَ ليُبطِلوا على زعمِهم ما جاءَ به موسى لأنهم ظنوا أنَّ ما جاءَ به من الآياتِ هو من قَبيلِ السِحر، ففعلَ فرعونُ ما طلبوا منه وذهبَ يَجمعُ من كان ببلادِه من السحرةِ وكانت بلادُ مصرَ في ذلك الزمانِ مملوءةً بالسحرة الْمُتَمَكِنينَ في سِحرِهم حتى اجتَمعَ له خلقٌ كثيرٌ من السَحرةِ وجَمٌّ غفيرٌ منهم فكانوا سبعينَ ساحرًا وقيلَ أكثرَ من هذا بكثير، ولما اجتمعوا عند فرعون طلبَ منهم فرعون أن يجمعوا قِواهم ويُوحِدوا هدفَهم وجُهودَهم ليُبطِلوا على زعمِه سِحرَ موسى، وأخذ فرعون يُغريهم بالمالِ والمنصبِ وأنّه سيجعلُهم من خاصتِه فيما إذا تمكنوا من موسى وغَلبوه بسحرِهم، وكانَ موعدُ اللقاءِ يومَ عيدٍ لفرعون يجتمعُ فيه معَ الرعِيَةِ في وضَح النهارِ من الضحى، وجاءَ موسى عليه السلام حامِلا عصاهُ في يدِه ومعَه أخوهُ هارون في الموعدِ المحدد، وكان فرعونُ جالسًا مُستَشرِقًا في مجلسِه معَ أشرافِ قومِه من الأمراءِ والوُزراءِ ومعهمُ السحرةُ الذين جلبَهم من كلِ أنحاءِ بلادِ مصر التي كان يحكمُها، فأقبلَ موسى عليه السلام نحوَ السحرة وزجرَهم عن تعاطي السحرِ الباطل الذي فيه معارضةٌ لآياتِ الله وحُجَجِهِ وقال لهم: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} أي يَستأصِلَكُم ويُهلِكَكُم بِعذاب، وارتَعدَ السحرةُ من مقالتِه هذه وفَزِعوا وقالَ بعضُهم لبعضٍ: ما هذا بقولِ ساحر، ولما اصطفَّ السحرةُ ووقفَ موسى وهارونُ عليهما السلام تُجاهَهُم سحَروا أعيُنَ الناسِ واستَرهَبوهم وألقَوا حبالَهم وعِصِيَّهُم التي كانت معَهم وهم يقولون: بعزةِ فرعون إنّا لنحنُ الغالِبون، وإذا بهذه الحبالِ والعِصِيّ يُخَيَّلُ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ وثَعابين تتحركُ وتَسعى، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُثيرِ المستغرَبِ نظرَ نبيُ الله موسى عليه السلام فإذا بهذه الحبالِ والعِصيِ يُخَيَّلُ للناسِ أنها حياتٌ تسعى، فخافَ على الناسِ أن يُفتَنوا بسحرِ السَحَرَةِ قبلَ أن يُلْقِيَ ما في يدِه، ولكنَّ الله تبارك وتعالى ثبّتَهُ أمامَ هذا الجمعِ الزاخِرِ من السحرةِ وأوحى إليه أن لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى أيِ الغالبُ المنتصرُ عليهم.

 

ألقى سحرة فرعون حبالَهم وعِصِيَّهُم التي كانت معَهم وإذا بهذه الحبالِ والعِصِيّ يُخَيَّلُ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ وثَعابين تتحركُ وتَسعى، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُثيرِ المستغرَبِ خافَ موسى على الناسِ أن يُفتَنوا بسحرِ السَحَرَةِ قبلَ أن يُلْقِيَ ما في يدِه، ولكنَّ الله تعالى ثبّتَهُ أمامَ هذا الجمعِ الزاخِرِ من السحرةِ وأوحى إليه أن لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى أيِ الغالبُ المنتصرُ عليهم. وأمرَه الله تعالى أن يُلقِيَ عصاهُ التي كانت في يَدِه، فلما ألقاها عليه السلام إذا هيَ تنقلِبُ إلى حيةٍ حقيقيةٍ عظيمةٍ ذاتِ قوائمَ وعُنُقٍ عظيمٍ وشَكلٍ هائلٍ مُزعج، بحيثُ إنَّ الناس الذين كانوا بالقُربِ منها انحازوا وهربوا سِراعًا وتأخّروا عن مكانِها، وأقبلَت هذهِ الحيةُ على ما ألقاهُ السَحرةُ من الحبالِ والعِصِيّ والتي خُيِّلَ للناسِ الحاضرين أنها حياتٌ تسعى فَجَعَلَتْ تَلْقَفُهُ وتبتَلِعُهُ واحدًا واحدًا وفي حركةٍ سريعةٍ والناسُ يَنظرونَ إليها مُتَعَجِبينَ لهولِ ما رأوْا وشاهدوا أمامَهم، وأما السَحَرةُ فإنهم رأوْا ما هالَهُم واطّلَعوا على أمرٍ لم يكن في بالِهم ولا يَدخُلُ تحتَ قُدرتِهم وتَحقَّقوا بما عندهم من العلم أنّ ما فعلَه موسى عليه السلام ليس بِسحرٍ ولا شَعوذةٍ وأنَّ ما يدعو إليه ليسَ زورًا ولا بُهتانًا، وكشَفَ الله تعالى عن قلوبِهم غِشاوةَ الغَفلةِ وخَلقَ في قلوبِهم الاهتِداءَ والإيمانَ فآمنوا وخرّوا له ساجدين وأقرّوا بوَحدانيةِ الله تعالى لأنهم أيقنوا أن ما جاءَ به موسى ليس من قَبيلِ السحرِ وإنما هو ءايةٌ من ءاياتِ الله تعالى الباهرةِ خلقَها الله تعالى وأظهرَها بقدرتِه على يدِ رسولِه موسى عليه السلام لتكونَ بُرهانًا ساطعًا على صِدقه فيما جاءَ به وبلَّغَهُ عن اللهِ تعالى، لذلك أعلنوا إسلامَهم وإيمانَهم جهرةً أمام الحاضرينَ وفيهم ملِكُهُم فرعون وأهلُ دولتِه غيرَ ءابهينَ بفرعونَ وسَطْوَتِه وقالوا: ءامنّا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون، ولما رأى فرعونُ هؤلاءِ السحرةَ قد أعلنوا على الملإ إسلامَهم وإيمانَهم وأشهروا ذِكْرَ موسى وهارونَ عليهما السلام في الناسِ على هذه الصِفَةِ الجميلةِ أفزَعَهُ ذلكَ وبَهَرَهُ وأعمى بَصيرتَه، وكانَ فيه كيدٌ ومَكرٌ وخِداعٌ في الصَدِّ عن سبيلِ الله، فأرادَ فرعون أن يَسْتُرَ هزيمَتَهُ ويَستَعيدَ هَيْبتَه فقالَ مُخاطِبًا السحرة بمكرٍ وخِداعٍ وبحضرةِ الناس: {ءامَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن ءاذَنَ لَكُمْ} ومع ذلك ثَبتَ السحرةُ على الإيمانِ والإسلامِ ولم يُبالوا بوعيدِ فرعونَ وتهديداتِه بلْ واجهوهُ بكلِ جُرأةٍ رافضينَ تَسَلُطَهُ وهَيْمَنَتَهُ، وءاثروا الحقَ الذي جاءَ به موسى وهارون على فرعونَ وجَبروتِه، وءاثروا الآخِرةَ الباقيةَ ودارَ النعيمِ الدائمِ على الدنيا الفانيةِ الزائلةِ، ونفّذَ فرعونُ الطاغيةُ تهديدَه ووعيدَه فصَلبَ هؤلاء السحرةَ الذين ءامنوا وتابوا وقطّعَ أيديَهم وأرجلَهم وقتلَهم ليُروِيَ غليلَه الحاقِدَ دونَ أن يستطيعَ ثَنْيَهُم عن الإيمانِ والإسلام، فماتوا شهداءَ أبرارا قد نالوا الدرجاتِ العُلى رِضوانُ الله عليهم أجمعين، فقد كانوا أولَ الأمرِ سَحرةً فُجّارًا ثم صاروا بعدَ قتلِهِم ظُلْمًا شُهداءَ بَررة، والله تعالى يُعطي الفضلَ من يشاء، والله تعالى ذو الفضلِ العظيم.

 

كانت ماشطةُ بنتِ فرعون مؤمنةً مسلمةً تكتُم إسلامَها، فبينما هي تَمْشُطُ شعرَ ابنةِ فرعونَ إذ وقعَ المِشطُ من يدِها فقالت: بسم الله، فقالت ابنةُ فِرعون: “أوَلَكِ إلهٌ غيرُ أبي؟” قالت الماشطةُ: ربي وربُك وربُ أبيكِ هو الله، فأخبرت بنتُ فرعونَ أباها بذلك، فدعا بها وبولدِها وقالَ لها: من ربُك؟ قالت: ربي وربُكَ الله، فأمرَ بتنّورِ نُحاسٍ فأُحْمِيَ لِيُعَذِبَها وأولادَها، فقالت: لي إليكَ حاجة، قالَ: ما هي؟ قالت: تجمعُ عِظامي وعِظامَ أولادي فتَدفِنَها، فقال: لكِ ذلك، فأمرَ بأولادِها فأُلقوا في التَنّورِ واحِدًا واحِدًا، وكانَ ءاخرُ أولادِها صبيًا رضيعًا فقالَ لها: اصبري يا أماه فإنكِ على الحقّ، ثم أُلقِيَتْ في التَنّورِ معَ أولادها رَحمها الله ورحمهم الله. والآن ننتقِلُ إلى الكلامِ عن آسيةَ امرأةِ فرعون. كانت ءاسيةُ امرأةُ فرعون من بني إسرائيلَ وقيل كانت من غيرِهم وكانت مؤمنةً تكتُم إيمانَها، وقد دَخلَ عليها ذاتَ يومٍ فِرعونُ فأخبرَها خبرَ الماشطةِ فقالت لهُ ءاسيةُ زوجتُه: الويلُ لك! ما أجرأكَ على الله! فقالَ لها: لعلَّكِ اعتراكِ الجنونُ الذي اعتَرى الماشِطة، فقالت له: ما بي جنونٌ ولكنّي ءامنتُ بالله تعالى ربِّ العالمين، فأقسمَ فرعونُ أنه سيُذيقُها الموتَ أو تكفر بإله موسى، فقالت له: أما أن أكفرَ بالله فلا والله! فأمرَ فرعونُ بتعذيبها فعُذِّبت حتى ماتت رحمها الله. ولما وقَعَ ما وقعَ منَ الأمرِ العظيمِ وهو انتِصارُ نبيِ الله موسى عليه السلام على السَحَرةِ الذينَ جمعَهم فِرعونُ من أنحاءِ مملكتِه، فكانَ الأمرُ على خِلافِ ما أرادوا وكانتِ الغَلَبَةُ والانتِصارُ لموسى عليه السلام في ذلِكَ الموقفِ الهائلِ وأسلَمَ السحرةُ الذين استَنْصرَ بهم فرعونُ وأتباعُه القِبط مما زاد فرعونُ وأتباعُه الكافرين غيظًا وحِقدًا، أخذوا يُغرونَ فرعونَ ويُحرِضونَه على إيذاءِ موسى عليه السلام ومَن ءامنَ معَه لائمينَ ومنكرينَ عليه تركَ موسى عليه السلام وقومِهِ الذين ءامنوا بما جاءَ به يُفسدونَ على زعمِهم في الأرض، فوعدَهم فرعونُ أنه سيقتُلُ أبناءَهم ويَستَحيى نِساءَهم أي يُسَخِّرُهُنَّ في خِدمتِه مُعتَزًا بما له عليهم من القَهرِ والغَلَبةِ والسُلطان، فأخذَ يَبْطُشُ ويَفْتِكُ ببني إسرائيلَ الذين ءامنوا بموسى عليهِ السلام وبما جاءَ به، فعندَ ذلكَ ضجَّ بنو إسرائيلَ بالشكوى مما حاقَ بهم منَ الظُلمِ والتعذيبِ وأخذوا يَشكونَ ذلك لموسى عليه السلام، فأوصاهم عليه السلام بالصَّبرِ وبَشّرَهم بالنصرِ الأكيد ووعدَهم على ذلك بِحُسنِ العاقِبة.

 

الآيات التسع التي آتاها الله تبارك وتعالى لنبيه موسى.  تمادى فرعونُ في تكذيبِ موسى وإيذاءِ بني إسرائيل، فأخبرَ موسى عليه السلامُ بوحيٍ من الله تعالى فرعونَ وقَومَه بأنه سيوقَعُ عليهمُ العذابُ الشديدُ جَزاءً لكفرِهم وتكذيبِهم ما جاءَهم به نبيُهم موسى عليه السلام، وقد أرسلَ الله تبارك وتعالى عليهم أنواعًا من العذابِ وصنوفًا منَ البلاءِ كانت بِمثابةِ إنذارٍ لهم من الله تعالى ليعودوا إلى رُشدِهم ويَسيروا على الصراطِ المستقيم الذي جاءَهم بهِ نبيُهم موسى عليه السلام. وقد كانوا كُلّما وقعَ عليهمُ العذاب جاءوا إلى موسى يَطلبونَ منه أن يسألَ ربَه أن يَرفَعَ عنهمُ العذاب، ويعِدونَه بالإيمانِ وتركِ إيذاءِ المؤمنينَ من بني إسرائيل، فكانَ موسى عليه السلام يَدعو ربَه أن يَكشِفَ عَنهمُ العذاب، فإذا كَشفَ الله تعالى عنهم ما نَزلَ بهم من العذابِ غدَروا بعهدِهِم واستمَروا وعادوا إلى طُغيانهم. يقولُ الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}، والآياتُ البيّناتُ التِسعُ التي أرسلَها الله تعالى على قومِ فرعونَ وأتباعِه القبط هي ما يلي: الآية الأولى القَحطُ والجدب: وهي أعوامُ الجدبِ والقَحطِ التي أصابَتهم حيثُ كان لا يُستَغلُ فيها زَرعٌ ولا يُنتفَعُ بِضَرِع.  الآية الثانية النقصُ من الثمرات: وهي قِلةُ الثِمارِ من الأشجارِ بسَببِ الجوائِحِ والعاهاتِ التي كانت تُصيبُها.  الآية الثالثة الطُّوفان: وهو كَثرةُ الأمطارِ الْمُتْلِفَةِ للزُروعِ والثِمارِ، وقيل: المرادُ بالطوفانِ فَيَضانُ نهرِ النيلِ عليهم حيثُ فاضَ الماءُ على وَجهِ الأرضِ ثم رَكَدَ فلا يَقدِرونَ أن يَحْرُثوا أرضَهم ولا أن يَعملوا شيئًا حتى جَهِدوا جوعًا وأصابَهُمُ الضيقُ الشديد.  الآية الرابعة الجراد: وقد أرسلَهُ الله تبارك وتعالى على قومِ فرعونَ بِشكلٍ غيرِ مَعهود، فكان يُغطّي الأرض ويَحْجُبُ ضوءَ الشَمسِ لِكَثرتِه، وكان لا يَتركُ لهم زَرعًا ولا ثِمارًا ولا شَجرًا حتى قيلَ: إنه كانَ يأكلُ مَساميرَ الأبوابِ من الحديدِ حتى تَقعَ دورُهم ومساكِنُهم. الآية الخامسة القُمَّل: وهو السوسُ الذي يُفْسِدُ الحبوب، وقيلَ: هو القُمَّلُ المعروف، وقيل: هو البَعوضُ الذي أقَضَّ مَضاجِعَهم ولم يُمكِنْهم معَه الغَمضُ والنَومُ والقَرار.  الآية السادسة الضَفادِع: وهي معروفة، وقد كَثُرَت عندَهم حتى نغَّصَت عليهم عيشَهم، حيثُ كانت تسقُطُ في أطعِمَتِهِم وأوانيهم وتَقْفِزُ على فَرشِهِم وملابِسِهِم وملأت بيوتَهم وأطعمَتَهم وءانيتَهم. الآية السابعة الدم: حيثُ صارت مياهُ ءالِ فرعونَ دمًا، فكانوا لا يَستَقونَ مِن إناءٍ ولا مِن بئرٍ ولا نَهرٍ إلا انقَلَبَ إلى دَمٍ في الحالِ بقُدرةِ الله تعالى، وكذَلِكَ كانوا لا يَستَقونَ من نهرِ النيلِ شيئًا إلا وَجدوه دمًا.  الآية الثامنة العصا: وقد تَقدَّمَ ذِكرُها أنها كانت مِن مُعجزاتِ نبيِ الله موسى عليه السلام، حيثُ انقَلَبَت عندما ألقاها عليهِ السلام حيَّةً حَقيقيةً تسعى بِقدرةِ الله تعالى. الآية التاسعة اليد: وقد تَقَدَّمَ ذِكرُها أنها مِن مُعجزاتِ موسى عليه السلام إذ كانَ عليه السلام يَضَعُ يَدَهُ في جَيْبِهِ ثم يُخْرِجُها بَيضاءَ مِن غَيْرِ سوءٍ ومَرض. ومع هذا كلِه استمر فرعون وأتباعه الضالين على الجهلِ والضَلالِ والكفر والاستِكبارِ عن تَصديقِ رسولِه موسى عليه السلام. 

 

أمر الله تباركَ وتعالى موسى أن يَخرُجَ ببني إسرائيلَ من أرضِ مِصرَ ليلًا ويَذهَبَ بهم إلى أرضِ فِلسطين، وأمرَه أن يَحمِلَ معه تابوتَ يوسفَ بنِ يعقوبَ عليهما السلام ويَدفِنَهُ بالأرضِ المقدسة، فتَجَهزَ موسى عليه السلام ومَن معه مِنَ المؤمنين وكانوا يَزيدونَ على سِتِمِائةِ ألف، فخَرَجَ بهم في الليلِ سائرينَ في طريقِ البحرِ الأحمرِ على خليجِ السُوَيْس، وأخذوا يُجِدّونَ في السَيْرِ حَذرًا من فِرعونَ وظُلمِه وطُغيانِه، ولما استَيقظَ فرعونُ علِمَ بِخروجِ موسى عليه السلام ومن معَه من بني إسرائيلَ من مِصر، فجَهَّزَ جيشًا كبيرًا عَرَمْرَمًا حتى قيلَ كانَ فيه مائةُ ألفِ فارس وكانَ عددُ جنودِه يزيدُ على مِليون وسِتِمِائة ألفِ جُندي، وتَوجّهَ فرعونُ بهذا الجيشِ الكبيرِ طالبًا بني إسرائيلَ وموسى عليه السلام يَتتبَعُ ءاثارَهم يريدُ كَيدَهم والبَطشَ والفَتكَ بهم فأدرَكَهم في اليومِ التالي عندَ شروقِ الشمسِ، ولما تَراءى الجمعان وعايَنَ كلٌّ من الفَريقينِ صاحِبَه ولم يبقَ إلا المواجهةُ والمقاتَلة، شعرَ بنو إسرائيلَ بالخطرِ الْمُدْلَهِم فالبَحرُ أمامَهم والعَدوُ خَلفَهم وفِرعونُ وجنودُه يُريدونَ الفَتكَ بهم، فَضَجّوا بالعَويلِ والصِياحِ وقالوا لموسى عليه السلام وهُم خائِفون: إنا لَمُدرَكون. ولكنَّ نبيَ الله موسى عليه الصلاةُ والسلام كانَ يَعلَمُ أنّ الله سبحانَه وتعالى الذي أمرَهُ بالخروجِ بِبَني إسرائيلَ من مِصرَ سيَنصرُه فأخذَ يُسَكِّنُ روْعَهم، ولما تَفاقَمَ الأمرُ وضاقَ الحالُ واشتدَ الأمرُ واقتَربَ فرعونُ وجنودُه مِن بني إسرائيل وموسى عليه السلام، عندَ ذلكَ أوحى الله عزَّ وجلّ إلى موسى الكليمِ عليه السلام أن يَضرِبَ بعصاهُ البحرَ، فأخرجَ عليه السلام عصاهُ وضَربَ بها البحرَ فانفَلقَ البَحرُ بقُدرةِ الله تعالى اثني عشرَ فِرقًا وكانَ كلُ فِرقٍ كالجبلِ العَظيمِ وصارَ فيه اثنا عشَرَ طريقًا لِكُلِ سِبطٍ طريقٌ يَسيرونَ فيه، وأمرَ الله تعالى موسى عليه السلام أن يَجوزَهُ بِبَني إسرائيل فانحَدروا فيه مُسرعين مُبادِرينَ مُستَبشِرينَ بِنَصرِ الله بعد أن أصبحَ البحرُ يابسًا مُمَهّدًا بعد أن رأوْا بأمّ أعيُنهم هذهِ الآيةَ والمعجزةَ العُظمى التي تَحتارُ لها عُقولُ الناظرين، فلما جاوزَه موسى عليه السلام وجاوزَهُ بنو إسرائيل وخَرجَ ءاخِرُهم منهُ وانفَصلوا عنه، وكانَ ذلكَ عندَ قدومِ أولِ جيشِ فرعونَ إليه ووُصولِهم إليه، أرادَ موسى عليه السلام أن يَضرِبَ البَحرَ بعصاه ليَرجِعَ كما كان عليهِ حتى لا يَسْلُكَهُ فرعونُ وجنودُه، فأوحى الله تعالى إليهِ أن يَترُكَهُ على حالِهِ ساكِنًا على هيئتِهِ لأنه يُريدُ إغراقَهم فيه. وامتثَلَ موسى عليه السلام أمرَ الله وتَركَ البحرَ على هيئتِه وحالتِه، فلما وَصلَ فرعونُ إلى البحرِ وانتهى إليه رأى هذهِ المعجزةَ والآيةَ الباهِرةَ وعايَنَها، وهالَهُ هذا المنظرُ العَظيمُ حيثُ كانَ ماءُ البَحرِ قائمًا مثلَ الجبال، وتحقَقَ ما كانَ يَتَحقَقُهُ قبلَ ذلكَ مِن أنّ هذهِ الآيةَ العظيمة مِن فِعلِ وخَلقِ الله سبحانَه وتعالى، ولكنَه لم يُذعِنْ لِقيمةِ البُرهانِ العَقلي على صِدقِ موسى عليه السلام وأخَذَتهُ العزةُ بالإثمِ وأظهرَ أمامَ جنودِه التَجَلُّدَ والشجاعة، وأخذَ يُشَجِعُ جُندَهُ لاقتِحامِ البَحرِ أمامَه مِن أجلِ أن يَفوزَ هو بالنجاةِ ولكن لا رادّ لقضاءِ الله، فقد جاءَ ملَكٌ مِنَ السماءِ قيل: هو جِبريلُ عليه السلام فقادَ فَرسَ فرعونَ جهةَ البحر، فلما رءاهُ الجنودُ قد سلَكَ البحرَ اقتَحَموا وراءَه مُسرعين فلما أصبَحوا جميعُهم في البَحرِ، وقد همَّ أولُهم بالخروجِ منه، عندَ ذلكَ أمرَ الله تعالى نبيَه موسى عليه السلام أن يَضرِبَ بِعصاهُ البحرَ، فلمّا ضربَه موسى عليه السلام بعَصاهُ ارتَطَمَ البحرُ عليهم كما كانَ وعادَتْ أمواجُه هائِجةً كما كانت، فهلَكوا جميعُهم بالغَرقِ ولم ينجُ منهم أحد، والله تبارك وتعالى عزيزٌ ذو انتقام. ولِيُعلم أنّ هَلاكَ فِرعونَ وجُنودِهِ في البحرِ كان في يومِ عاشوراء.

 

 بعد أن جاوز نبيُّ الله موسى عليه السلام البحرَ بمن معه من بني إسرائيل، أتَوا على قومٍ كافرينَ يعكِفون على أصنامٍ لهم قيل كانت على صُوَرِ البقرِ يعبدُونَها من دونِ الله عز وجل، فأراد بعضُ الجهلةِ الذين ركِبهُمُ الجهلُ والضَلال وأظلَّهمُ الشيطانُ أن يتشبهوا بهؤلاء المشركين الذين مرُّوا بهم مع أصنامِهم، فقالوا لنبيِ الله موسى عليه السلام: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم ءالهة، فغَضِب موسى عليه السلام غضبًا شديدًا من هذا الكلامِ الكفري الذي يَدُلُّ على عظيمِ جهلِهم، مع ما قد كانوا عاينوا قبلَ ذلكَ من ءاياتِ الله تعالى الدالّةِ على عظيمِ قدرتِه وعلى صِدقِ ما جاءَهم به نبيُّهم موسى عليه السلام، ورَدَّ عليهم نبيُّهم مُستنكرًا لمقولتهم هذه وبيّن لهم أنّ هؤلاءِ المشركينَ الذين يعبُدون هذه الأصنامَ التي لا تَضُرّ ولا تنفَع في هلاكٍ ودمارٍ لا يَعقِلونَ ولا يَهتدُون وعَملُهم هذا باطلٌ لا يوافقُ العقلَ السليم. ثم أمر اللهُ تبارك وتعالى نبيَّه موسى عليه السلام أن يَتوجهَ بالمؤمنين من بني إسرائيلَ إلى بيتِ المقدِسِ في فِلسطين، فخرجَ بهم موسى عليه السلام حتى إذا كانوا في الطريقِ عَطِشوا عَطشًا شديدًا، فشكَوْا ذلك إلى نبيِّهم موسى عليه السلام مُتذمِّرينَ وطلَبوا منه الماءَ والسُّقيا، فأمرَه الله تبارك وتعالى أن يَضْرِبَ الحجَرَ الذي كانَ معَه بعصاهُ فلما ضربَه بعصاهُ تفجَّرت منهُ بقدرةِ الله تعالى اثنتا عشرةَ عينًا لكلِ سِبْطٍ من أسباطِهم عينٌ تَجري بالماء العذبِ الزُّلالِ يشرَبون منها، وأرسل الله سبحانَه لهم من السماءِ المنَّ والسَّلْوى رِزقًا منه تعالى وفَضلًا وكرمًا يَحصُلون عليه من دونِ جَهْدٍ أو تعَب. ثم إنَ كثيرًا منهم ضَجِر وتبرَّم وسألوا موسى أن يَستَبْدِلوا منها بِبَدَلِها مما تُنبِتُ الأرضُ من بَقْلِها وقِثّائها وفُومِها وعَدَسِها وبصَلِها فوبَّخهم موسى ونَصحَهم. ولما انفصَلَ موسى عليه السلامُ بِمَن معَه من بني إسرائيل وواجَه بلادَ بيتِ المقدِس في فِلسطين وجدَ عليه السلامُ فيها قومًا من الجبارينَ الظالمينَ المعروفينَ بكفرِهم وجَبَروتِهم وكانوا من الكَنْعانيين ومن بقايا الحِيثانيين وغيرِهم، فأمرهُم عندَ ذلكَ موسى عليه السلام بالدخولِ على هؤلاءِ الجبّارينَ ومقاتَلتِهم وإجلائِهم عن بيتِ المقدِس التي كتبَها الله تعالى لهم ووَعدَهم بها، ولكنّهم أبَوْا ورَفضوا الجهادَ وجَبُنوا عن مُقاتلَة هؤلاء الأعداءِ الكافرينَ الذين كانوا ذَوِي قوةٍ وبأس، وأمامَ هذا الموقفِ الْمُخْزِي من جانب هؤلاءِ تقدّمَ رجلانِ من الذين يخافونَ الله تعالى وقد أنعمَ الله تعالى عليهما بالإسلامِ والإيمانِ والطاعةِ والشجاعةِ والثباتِ وأشارا عليهِم بالجِهادِ وأن يَدخُلُوا على هؤلاءِ الجبَّارينَ من بابِ القريةِ ليَمتلئوا منهم خوفًا ورُعبًا، وطلبا منهم أن يَتوكلُوا على الله تعالى حقَّ توكُّلِه وأن يَستَعينوا به ويلتجئوا إليه ليَنصُرَهم على هؤلاءِ الطُغاتِ الجبارينَ ويُظَفِّرَهم بهم. وأمامَ هذا الموقِفِ المشرِّف الذي وقفَه هذانِ الرجلانِ المؤمنانِ اللذانِ يَخافانِ الله تبارك وتعالى، وقع أمرٌ عظيمٌ كبيرٌ من جانِبِ بني إسرائيلَ إذ صَمَّمَ أكثرُهم على رَفْضِ الجهادِ والتَقاعُسِ عنه ، فعاقَبَهمُ الله تعالى بسبَبِ مخالفتِهم نبيَّهم موسى وعِصيانِهم أمرَه بالتِّيهانِ في الأرضِ يَسيرُونَ إلى غَيرِ مقصِدٍ ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً، يَحُلُّون ويرتَحِلون ويَذهبون ثم يرجِعُون إلى مكانِهمُ الذي ذَهبوا منه طيلَة أربعينَ سنة، حتى ماتَ هؤلاءِ كلُّهم في مُدةِ أربعينَ سنة ولم يَبقَ إلا أولادُهم وذَراريُّهم سِوى هذينِ الرجلينِ اللذيْنِ يخافانِ اللهَ تبارك وتعالى وقيل هما: يوشَعُ بنُ نُون وكالِبُ بنُ يُوفْنا وكانا رجلين صالحيْن.

 

كان نبيُ الله موسى عليه السلام قد وَعدَ بِني إسرائيلَ الذين ءامنوا بهِ واتّبَعوهُ أن يأتِيَهم بكتابٍ فيه تبيانُ معالِم الشريعةِ وما يأتونَ وما يَتركون، فلمّا أهلَكَ الله تبارك وتعالى فِرعونَ مصر ومَن اتَّبَعَهُ مِن جنودِه في البحرِ وأنجى بني إسرائيل، قالوا لنَبيهِم موسى عليه السلام: ائتِنا بالكتابِ الذي وعَدتنا، فصامَ موسى عليه السلامُ أربعينَ يومًا استَكمَلَ فيها الميقاتَ الذي وعدَه فيه الله تبارك وتعالى، ولما عزمَ على الذهابِ لميقاتِ الله تعالى استَخلَفَ في غِيابِه أخاهُ هارونَ عليه السلام على بَني إسرائيلَ فَوَصّاهُ وأمرَه أن يَخلِفَهُ في بني إسرائيلَ في غِيابِه معَ أنَ هارونَ كانَ معَه نبيًا ورسولًا في ذَلكَ الوقت، ولما جاءَ موسى عليهِ السلام في الوقتِ الذي أمرَهُ تعالى بالمجيءِ فيهِ، وطلبَ موسى من ربِه عزَّ وجلّ أن يراهُ فعلَّقَ الله تعالى رؤيةَ موسى لهُ بثباتِ الجبلِ عندَ رؤيتِه تعالى، فلما تَجلّى الله تعالى للجَبلِ بعدَ أن خَلقَ فيه الإدراكَ والرؤيةَ، اندَكّ الجبلُ دَكًّا وموسى عليه السلامُ ينظرُ إليه حتى خرَّ عليه السلام مَغشيًا عليه من هَوْلِ ما رأى من اندِكاكِ الجبل، فلما أفاقَ عليه السلامُ من غَشيَتِه قالَ: سُبحانَك تُبْتُ إليك وأنا أوَّلُ المؤمنين، أي وأنا أولُ المؤمنينَ بأنكَ لا تُرى بالعينِ في الدنيا وذلكَ لأنّ الله لم يوحِ إلى موسى وإلى مَن قبلَهُ من الأنبياءِ أنه لا يُرى بالعينِ في الدنيا.  واعلم رحمك الله أنّ اللهَ تعالى أنزل على نبيِه موسى عليه السلام التوراة وكانت مكتوبةً على ألواح، وكان فيها تَشريعاتٌ ومَواعظُ وتفصيلٌ لِكُلِ ما يَحتاجُ إليه بنو إسرائيلَ من أمورِ الحلالِ والحرام، وقد أمرَهُ الله تعالى أن يأخُذَ ألواحَ التَوراةِ بِعَزمٍ ونِيةٍ صادقةٍ قَويةٍ، ويأمُرَ قومَهُ من بني إسرائيل بالعملِ بها على الوجهِ الأكملِ مُحَذِّرًا إياهُم من مُخالفةِ أوامرِ الله سبحانه وتعالى. وهنا فائدةٌ جليلة: ليُعلَم أنَ الله سبحانَه وتعالى لا يُرى بالعينِ الفانيةِ في الدنيا لقولِه الله تبارك وتعالى لكليمِه موسى عندما سألَه الرؤيةَ: {لَن تَرَانِي}، وإنما يُرى الله سبحانه وتعالى في الآخرةِ بالعينِ الباقيةِ، يَراهُ المؤمنون الذينَ ءامنوا بالله تعالى ورُسلِه وهم في الجنةِ لا يُشبِهُ شيئًا من الأشياءِ، موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ ولا مُقابلةٍ ولا ثُبوتِ مَسافةٍ ولا اتِصالِ شُعاعٍ بينَ الرائي وبينَ الله عزّ وجلّ، يقولُ الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.

 

ذهبَ نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى جبلِ الطورِ ليسمع كلام الله تعالى وبقي في ذَلِكَ الْمَكَانِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وفي أثناءِ ذلك عمَدَ رجلٌ من بني إسرائيلَ يقالُ له موسى السامري مُنتهِزًا غِيابَ موسى عليه السلام حيثُ أخذَ موسى السامري ما كان معهم من ذهب ءالِ فرعونَ وأتباعِه، فصاغَ منه شكلَ عِجلٍ ثم ألقى فيه قَبضةً من الترابِ كان أخذَها من أثرِ فرسِ جبريلَ عليه السلام حيثُ رءاه يومَ أغْرقَ الله عزّ وجلّ فرعونَ وجنودَه في البحر، فلمّا ألقاها في فمِ هذا العِجلِ الذي صاغَهُ من الذهب صارَ يَخُورُ كما يَخورُ العِجلُ الحقيقيُّ بِقُدرةِ الله تعالى ومشيئتِه ابتِلاءً منهُ تعالى واختِبارًا، ثم قالَ السامريُ ومن وافقَهُ من الذين افتُتِنوا بهذا العِجلِ: إنَّ هذا العِجلَ الذي خَارَ هو إلهُكُم وإلهُ موسى والعياذ بالله من كفرهم. ولما رجَعَ نبيُّ الله موسى عليه السلام إلى بني إسرائيلَ وفيهِم هؤلاءِ الذينَ عبَدوا هذا العِجلَ، ورأى عليه السلام ما هُم عليه، غَضِب غَضَبًا شديدًا وأقبلَ على هؤلاءِ الذين عبَدوا العِجلَ يُعنِّفُهم ويُوبِّخُهم على كفرهم. ثم أقبلَ عليه السلامُ على أخيهِ هارونَ الذي كانَ قدِ استَخْلَفهُ عليهم في أثناءِ غَيبتِه وأخذَ برأسِهِ ولِحيتِه ليُدنِيَه إليه ويَتَفَحَّصَ الواقعةَ والأخبارَ منهُ من غَيْرِ أن يَقصِد موسى عليه السلام أن يُهينَهُ ويَستَخِفَّ به، وصارَ عليه السلام يسألُه عمّا منعَه أن يتبَعَه ليُخبِرَهُ بما فعلَه هؤلاء من عبادةِ العجلِ، فبيّنَ هارونُ لأخيهِ موسى أنهُ خشي إن تركَهم وجاءَه ليُخبِرَهُ بأمرِهم أن يقولَ له موسى عليه السلام: “تركتَهم وجئتني” وهو قدِ استخلَفَهُ عليهِم في فَترةِ غِيابِه، عند ذلكَ دعا موسى عليه السلام ربَّه وكانَ قد هَدَأَ غَضَبُه: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وقد كانَ نبيُّ الله هارونُ عليه السلام نهى هؤلاءِ الذينَ عبَدوا العِجلَ عن عبادتِهِ أشدَّ النهي وزَجرَهم عنه زَجرًا شديدًا، ولكنهم أخبروه أنهم مصرين على عبادته حتى يرجع إليهم موسى عليه السلام. وبعدَ أن سَمِعَ موسى عليه السلام مقالَةَ أخيهِ هارونَ عليه السلام تَركَهُ وأقبلَ غاضبًا على السامِريِ ووبّخَهُ وعنَّفَهُ بِشِدةٍ على عِبادتِه لغيرِ الله تعالى، ثمَّ دعا عليهِ أن لا يمَسَّ أحدًا وأن لا يَمَسَّه أحدٌ ما دامَ في حياتِه، فقد عاقبَه الله تعالى في دُنياهُ بذلك وألهمَه أن يقولَ “لا مَساس لا مَساس” فكانَ السامِريُّ إذا لقيَ أحدًا يقولُ: “لا مَساس” أي لا تَقرَبني ولا تَمسَّني، وصارَ يَهِيمُ في البَرِّية معَ الوحوشِ والسباعِ لا يَمَسُّ أحدًا ولا يَمَسُّه أحدٌ، وكان نبيُّ الله موسى عليه السلام قد توعَّدَه على كفرِهِ بالعذابِ الأليمِ في الآخرَة. وقد عمدَ نبي الله موسى عليه السلام إلى العجلِ الذي عبدَه بعضُ بني إسرائيلَ بإشارَةٍ وطلَبٍ من السامريِّ فأحرقَهُ بالنارِ ورمى رمادَه في البحر، ثم توجَّه نَحوَ بني إسرائيلَ وأخبرَهم أنَّ الله تبارك وتعالى هو الإلهُ الذي يَستَحِقُّ العِبادةَ وحدَه ولا إله غيرُهُ، ولم يقبلِ اللهُ تعالى توبَةَ عابدي العجلِ إلا بالقتل، فدَخلوا في الإسلام ونَدِموا على ما فَعلوا وصاروا يَقتلُونَ أنفسَهم. ولما ذَهبَ ما كانَ في موسى عليه السلامُ من غَضَبٍ أخذَ الألواحَ التي كُتِبَ عليها التوراةَ وأمرَهُم بقَبولِها والأخذِ بها بقوةٍ وعزْمٍ، فقالوا له: انشُرها علينا فإن كانت أوامِرُها ونَواهِيها سَهلةً قبِلناها، فعندئِذٍ قال لهم: اِقبَلوها بِما فيها، فلما راجَعُوه مِرارًا أمرَ الله تعالى الملائكَةَ فقلعوا جَبلَ الطّورِ وصارَ فوقَ رؤوسِهم يُظِلُّهم، خافوا أن يَهلِكوا ورأَوا أن لا مَهرَبَ لهم فقَبِلوا ذلك وسجَدوا على شِقِّ وُجوههم وجَعلوا يلاحِظونَ الجبلَ وهم سُجودٌ فصارت عادةً في اليهودِ أنهم يَسجدونَ على جانِبِ وجوهِهم وقالوا: سمعنا وأطعنا سمعنا وأطعنا.

 

قصةُ بقرةِ بني إسرائيل. إن قصةَ بقرةِ بني إسرائيل تَتلخصُ في أنّ رجلًا من بني إسرائيلَ كانَ كثيرَ المالِ وكانَ شيخًا كبيرًا ولهُ بنو أخٍ يَتَمَنَوْنَ موتَه ليرِثوه، فعمَدَ أحدُهم فقتَلَهُ في الليلِ وطَرحَهُ في مَجْمَعِ الطُرُقِ وقيلَ على بابِ رجُلٍ منهم، فلمّا أصبحَ الناسُ اختَصموا فيه، وجاءَ ابنُ أخيهِ فجَعلَ يَصرُخُ ويتَظلّمُ فقالوا: ما لكم تَختَصِمونَ ولا تأتونَ نبيَ الله؟ فجاءَ ابنُ أخيه هذا وشكا أمرَ عَمِهِ إلى رسولِ الله موسى عليه السلام، فقالَ موسى عليه السلام لما سَمِعَ الخبرَ: أُنشِدُ الله رجُلًا عندَه عِلمٌ من أمرِ هذا القتيلِ إلا أعلمَنا به، فلم يكُن عندَ أحدٍ منهم عِلمٌ منه، ثم طلبوا منه أن يسألَ في هذهِ القَضيةِ ربَّه عزّ وجلّ، فسألَ موسى عليه السلام في هذهِ القَضيةِ ربَّه عزّ وجلّ فأمرَهُ الله تعالى أن يأمُرَهم بذَبحِ بقرةٍ، فقالوا له: نَحنُ نسألُكَ عن أمرِ هذا القتيل وأنت تقولُ لنا هذا؟ {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي أعوذُ بالله أن أقولَ غيرَ ما أوحيَ إليّ، ولو أنهم عمَدوا إلى أيِّ بَقرةٍ فذَبَحوها لحصلَ المقصودُ منها، ولكنهم شَدّدوا فشَدَّدَ الله عليهم، فقد سألوا عن صِفتِها ثم عن لونِها ثم عن سِنّها فأُجيبوا بِما عَزَّ وجودُه فيهم. والمقصودُ أنهم أُمروا بِذَبحِ بَقَرةٍ عَوانٍ وهي الوَسَطُ النِصفُ بين الفارِضِ وهي الكبيرة والبِكرِ وهي الصغيرة، ثم شَدّدوا وضَيّقوا على أنفُسِهم فسألوا عن لونِها، فأُمِروا بصَفراءَ فاقعٍ لونُها أي مُشرَبٌ بِحُمرةٍ تُسِرُّ الناظرين، وهذا اللونُ عزيزٌ يَصعُبُ وجودُه، ثم شدَّدوا على أنفُسِهم أيضًا مدّعين أنّ البقر تشابه عليهم وطلبوا من موسى أن يدعوَ ربه ليبين لهم ما هي، فأجابَهم موسى عليه السلام بِما أَخبَرَ الله سبحانَه وتعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا}. وهذهِ الصِفاتُ أَضيَقُ مما تَقدَّم، حيثُ أُمِروا بِذَبحِ بَقَرةٍ ليسَت بالذَلولِ وهيَ الْمُذَلَّلَةُ بالحِراثةِ وسَقيِ الأرضِ بالساقِية، مُسَلّمةٌ وهي الصَحيحةُ التي لا عَيبَ فيها، وقيلَ معنى {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي ليسَ فيها لونٌ يُخالِفُ لَونَها، بل هي مُسَلَّمَةٌ منَ العُيوبِ ومِن مُخالَطةِ سائرِ الألوانِ غيرِ لونِها، فلما حدَّدَها بهذهِ الصفاتِ {قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} ويقالُ: إنهم لم يَجِدوا هذهِ البقرةَ بهذهِ الصِفةِ إلا عندَ رجُلٍ منهم كانَ بارًا بأمِه فطَلبوها منهُ فأبى عليهم فأرغبوهُ في ثَمَنِها حتى أَعطَوْهُ بوزنِها ذهبًا فأبى عليهم، ولم يَقبَلْ حتى أعطَوْهُ بِوزنِها عشرَ مرات فبَاعَها لهم، فأتَوا إلى موسى عليه السلام فأمرَهم بِذَبْحِها {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} أي وهُم يَتردَدونَ في أمرِها، ثم أمرَهم موسى عليه السلام أن يَضرِبوا ذلكَ القَتيلَ بِبَعضِ هذه البَقرةِ التي ذبَحوها قيل بِلَحمِ فَخِذِها، وقيلَ بالعَظمِ الذي يَلي الغُضروف، وقيلَ بغيرِ ذلك، فلما ضَربوا القتيلَ ببَعضِ هذهِ البقرةِ كما أمرَهم نبيُهم عليه السلام أحياهُ الله تعالى فسألَهُ نبيُ الله موسى: مَن قتلَك؟ فقال: قتَلني ابنُ أخي، وعرَّفَه ثم عادَ ميتًا كما كان.

 

لَمَّا نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ، قَامَ سَيِّدُنَا مُوسَى خَطِيبًا فِي الْمُسْلِمِينَ يَعِظُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَتْرُكْ نِعْمَةً أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَا إِلاَّ وَعَرَّفَهُمْ إِيَّاهَا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الأَرْضِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ؟” فَقَالَ مُوسَى: “لا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ قَائِلًا: “وَمَا يُدْرِيكَ أَيْنَ أَضَعُ عِلْمِي، بَلَى إِنَّ لِي عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ رَجُلًا وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ هُوَ عَبْدُنَا الْخَضِرُ، أَيْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ لَمْ تَتَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَنْتَ. وَكَانَ عِلْمُ الْخَضِرِ عِلْمَ مَعْرِفَةِ بَوَاطِنِ أُمُورٍ قَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عِلْمُ مُوسَى عِلْمَ الأَحْكَامِ وَالْفُتْيَا بِظَاهِرِ أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ، فَيَكُونُ الْخَضِرُ عليه السلام أَعْلَمَ مِنْ مُوسَى بِأَحْكَامِ وَقَائِعَ مُفَصَّلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لا مُطْلَقًا، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى هَذَا اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ الْفَاضِلَةُ، وَهِمَّتُهُ الْعَالِيَةُ، لِتَحْصِيلِ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَلِلِقَاءِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ إِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْكَ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَالِمَ يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الاِزْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ، وَاغْتِنَامِ لِقَاءِ الْفُضَلاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَإِنْ بَعُدَتْ أَقْطَارُهُمْ، وَذَلِكَ دَأْبُ الصَّالِحِ، فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ إِيَّاهُ، فَأَوْحَى الله  إِلَيْهِ: أن يأخذَ معه حوتًا أي سمكةً ويلْزَمَ شَاطِئَ الْبَحْرِ، فحيثما فَقَدَ الحوت، هناك يجدُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ الَّذِي يطْلُبُ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى حَالَ الْخَضِرِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ مِمَّا زَادَ تَشَوُّقَ مُوسَى إِلَيْهِ فَقَالَ: “لا أَزَالُ أَمْضِي إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أُمْضِي زَمَنًا طَوِيلًا حَتَّى أَجِدَ هَذَا الْعَالِمَ”، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ الْعَالِيَةِ بِأَنَّهُ هَيَّأَ نَفْسَهُ لِتَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ وَالْعَنَاءِ الْعَظِيمِ فِي السَّفَرِ لأِجْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ لَوْ سَافَرَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ.

 

انْطَلَقَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ عَلَيْهِمَا السَّلامُ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ وَيُرَافِقُهُ وَيَخْدِمُهُ، وَأَخَذَا سَمَكَةً مُمَلَّحَةً مُهَيَّأَةً لِلأَكْلِ وَخُبْزًا زَادَا لَهُمَا وَمَضَيَا، ثُمَّ وَصَلا إِلَى مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ وَيُقَالُ إِنَّهُمَا بَحْرُ “فَارِسَ” وَ”الرُّومِ”، وَجَلَسَا عِنْدَ ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكَانٍ قُرْبَ ضِفَّةِ الْبَحْرِ وَوَضَعَا رَأْسَيْهِمَا فَنَامَا، وَكَانَ فِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنُ مَاءٍ يُقَالُ لَهَا “عَيْنُ الْحَيَاةِ” تَنْزِلُ مِثْلَ شَلاَّلٍ صَغِيرٍ، لا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَىْءٌ إِلاَّ حَيِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَأَصَابَ السَّمَكَةَ الْمُمَلَّحَةَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ فَتَحَرَّكَتْ وَانْسَلَّتْ مِنَ الْوِعَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَدَخَلَتِ الْبَحْرَ، وَالْغَرِيبُ أَنَّ هَذِهِ السَّمَكَةَ كَانَ قَدْ أُكِلَ نِصْفُهَا وَبَقِيَ النِّصْفُ الآخَرُ، فَكَانَ هَذَا الأَمْرُ مُعْجِزَةً لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَيُذْكَرُ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ رَأَوْا بَعْدَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ نَوْعًا جَدِيدًا مِنَ السَّمَكِ كَانَ مِنْ نَسْلِ تِلْكَ السَّمَكَةِ، فَأَحَدُ جَانِبَيْهَا شَوْكٌ وَعَظْمٌ وَجِلْدٌ رَقِيقٌ عَلَى أَحْشَائِهَا، وَالْجَانِبُ الآخَرُ صَحِيحٌ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمَّا حَيِيَتْ بَعْدَ أَنْ أُكِلَ مِنْهَا اسْتَمَرَّتْ فِيهَا تِلْكَ الصِّفَةُ ثُمَّ فِي نَسْلِهَا. وَاسْتَيْقَظَ الْفَتَى يُوشَعُ فَرَأَى السَّمَكَةَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْوِعَاءِ فَقَالَ: “لَنْ أُوقِظَ رَسُولَ اللَّهِ مُوسَى الآنَ، وَلَكِنْ سَأُخْبِرُهُ عِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُ”، وَعِنْدَمَا اسْتَيْقَظَ مُوسَى نَسِيَ فَتَاهُ أَنْ يُخْبِرَهُ عَنْ خُرُوجِ السَّمَكَةِ وَنَسِيَ مُوسَى سُؤَالَ الْفَتَى إِنْ رَأَى شَيْئًا غَرِيبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا وَلَمْ يَشْعُرَا بِجُوعٍ وَلا تَعَبٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ وَقَدْ مَشَيَا مَسَافَةً طَوِيلَةً قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: “ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ تَعِبْنَا مِنَ هَذَا السَّفَرِ”. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى التَّعَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ يُوشَعُ سَيِّدَنَا مُوسَى عليه السلام بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ وَقَدْ شَعَرَ بِاقْتِرَابِ لِقَائِهِ بِالْخَضِرِ: “ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِيهِ وَنَطْلُبُهُ”، ثُمَّ عَادَا فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَتَيَا مِنْهُ حَتَّى رَجَعَا إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي كَانَا عِنْدَهَا، وَهُنَاكَ وَجَدَ مُوسَى سَيِّدَنَا الْخَضِرَ عَلَى طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ وَهُوَ مُسَجَّى بِثَوْبٍ أَخْضَرَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، فَقَالَ مُوسَى عليه السلام: “السَّلامُ عَلَيْكُمْ”، فَكَشَفَ الْخَضِرُ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: “وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ، وَهَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلامٍ؟” لأِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا فِي ذَاكَ الْوَقْتِ مُسْلِمِينَ. ثُمَّ سَأَلَ الْخَضِرُ مُوسَى “مَنْ أَنْتَ؟” قَالَ: “أَنَا مُوسَى”، فَقَالَ: “مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟” قَالَ: “نَعَمْ، وَمَا أَدْرَاكَ أَنِي مُوسَى؟” قَالَ: “أَدْرَانِي بِكَ الَّذِي أَدْرَاكَ بِي، أَلَمْ يَكُنْ لَكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا يُشْغِلُكَ عَنِ السَّفَرِ إِلَى هُنَا؟” قَالَ: “بَلَى وَلَكِنِّي أُمِرْتُ أَنْ ءَاتِيَكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا”، فَقَالَ الْخَضِرُ: “أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ، وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيكَ، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ أَنَا”. فَتَلَطَّفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الْقَوْلِ وَتَجَمَّلَ بِأَحْسَنِ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنْ أَدَبِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِ التَّوَاضُعِ وَقَالَ: “هَلْ تَأْذَنُ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيَّ بِعِلْمِكَ، عَلَى أَنْ أَتْبَعَكَ وَأَلْتَزِمَ أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ؟” وَكَانَ الْخَضِرُ قَدْ أُلْهِمَ أَنَّ مُوسَى لا يَصْبِرُ عَلَى السُّكُوتِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَقَالَ لِمُوسَى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَلَوْ أَنَّكَ صَحِبْتَنِي سَتَرَى ظَوَاهِرَ عَجِيبَةً وَأُمُورًا غَرِيبَةً، فَقَالَ مُوسَى وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى الْعِلْمِ، تَوَّاقًا إِلَى الْمَعْرِفَةِ: “سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا”.    فَقَالَ الْخَضِرُ: “إِنْ صَحِبْتَنِي ءَاخُذُ عَلَيْكَ عَهْدًا وَشَرْطًا، أَنْ لا تَسْأَلَنِي عَنْ شَىْءٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّرْطُ وَتَنْتَهِيَ الرِّحْلَةُ وَإِنِّي بَعْدَهَا سَأُبَيِّنُ لَكَ مَا قَدْ تَتَسَاءَلُ عَنْهُ وَأَشْفِي مَا بِصَدْرِكَ”.

 

موسى والخضر في السفينة.  أَعَادَ مُوسَى فَتَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَانْطَلَقَ مَعَ الْخَضِرِ يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ حَتَّى لَمَحَا سَفِينَةً، فَطَلَبَا مِنْ أَهْلِهَا حَمْلَهُمَا إِلَى حَيْثُ يَذْهَبُونَ وَقَالَ لَهُمْ الْخَضِرُ: “سَأُعْطِي عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ضِعْفَ مَا تَأْخُذُونَ مِنْ غَيْرِنَا”، فَقَالَ أَحَدُ الْبَحَّارَةِ: “إِنَّا نَرَى رِجَالًا فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ، فَنَخْشَ أَنْ يَكُونُوا لُصُوصًا”، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: “بَلْ سَنَحْمِلُهُمَا، فَإِنَّنَا نَرَى عَلَى وُجُوهِهِمَا النُّورَ” فَحَمَلاهُمَا بِدُونِ أُجْرَةٍ. وَبَيْنَمَا هُمَا فِي السَّفِينَةِ، فُوجِئَ مُوسَى بِأَنَّ الْخَضِرَ أَخَذَ لَوْحَيْنِ مِنْ خَشَبِ السَّفِينَةِ فَخَلَعَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى الْخَضِرَ عِنْدَئِذٍ إِلاَّ مُوسَى وَلَوْ رَءَاهُ الْبَحَّارَةُ لَمَنَعُوهُ، إِذْ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْخَضِرِ أَنَّهُ لا يَرَاهُ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يَرَاهُ إِلاَّ هُوَ، فَأَنْكَرَ مُوسَى وَهُوَ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ الَّذِي أُرْسِلَ لِهِدَايَةِ النَّاسِ وَرَدِّ الظُّلْمِ عَنْهُمْ أَنْ يُقَابَلَ صَنِيعُ الْبَحَّارَةِ بِالإِسَاءَةِ، وَجَمِيلُهُمْ بِالنُّكْرَانِ، وَخَشِيَ أَنْ يُصِيبَهُمْ غَرَقٌ أَوْ هَلاكٌ، فَنَظَرَ إِلَى الْخَضِرِ مُعَاتِبًا وَقَالَ: “أَرَدْتَ إِهْلاكَهُمْ وَقَدْ أَصْعَدُونَا بِدُونِ مُقَابِلٍ، وَأَحْسَنُوا لِقَاءَنَا، فَتَخْرِقُ سَفِينَتَهُمْ وَتُحَاوِلُ إِغْرَاقَهُمْ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا عَظِيمًا”. فَالْتَفَتَ الْخَضِرُ إِلَيْهِ، وَمَا زَادَ أَنْ ذَكَّرَهُ بِالشَّرْطِ وَالْعَهْدِ قَائِلًا: “أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟”، فَتَذَّكَرَ مُوسَى وَقَالَ: “لا تُؤَاخِذْنِي”، وَتَنَحَّى جَانِبًا.    وَبَيْنَمَا هُمَا عَلَى السَّفِينَةِ إِذْ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِهَا، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: “يَا مُوسَى، مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ تعالى إِلاَّ كَمَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ” مَعْنَاهُ لا نَعْلَمُ مِنْ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَدْرَ الْقَلِيلَ الَّذِي أَعْطَانَا، وَالْقَدْرُ الَّذِي أَعْطَانَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَمْ يُعْطِنَا كَمَا أَصَابَ مِنْقَارُ الْعُصْفُورِ مِنَ الْمَاءِ حِينَ غَمَسَهُ فِي الْبَحْرِ. وَلَمَّا مَرَّتِ السَّفِينَةُ بَعْدَ حِينٍ بِدُونِ أَنْ يَغْرَقَ أَحَدٌ، مَرَّرَ الْخَضِرُ يَدَهُ عَلَى مَكَانِ اللَّوْحَيْنِ الْمَكْسُورَيْنِ فَعَادَا كَمَا كَانَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّفِينَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى مُرَادِهِ فَنَزَلَ هُوَ وَمُوسَى.

 

الخضر والغلام واليتيمان. لَمَّا غَادَرَ موسى والخضر عليهما السلام السَّفِينَةَ تَابَعَا الْمَسِيرَ، فَوَجَدَا غِلْمَانًا وَفِتْيَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَانَ ضَالًا كَافِرًا لِصًّا قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ وَكَانَ يُفْسِدُ وَيُقْسِمُ لأِبَوَيْهِ أَنَّهُ لم فَعَلَ، فَيُقْسِمَانِ عَلَى قَسَمِهِ وَيَحْمِيَانِهِ مِنَ الْعَسَاكِرِ وَالنَّاسِ، وَلَمَّا أَخَذَهُ الْخَضِرُ إِلَى بَعِيدٍ أَضْجَعَهُ وَقَتَلَهُ، فَدُهِشَ مُوسَى وَكَبُرَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الأَمْرُ، فَقَالَ لِلْخَضِرِ: “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً؟” فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْخَضِرُ وَقَالَ لَهُ: “أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا”. وَقِيلَ إِنَّهُ اقْتَلَعَ كَتِفَ الْفَتَى الأَيْسَرَ وَقَشَرَ اللَّحْمَ عَنْهُ وَإِذَا فِي عَظْمِ كَتِفِهِ مَكْتُوبٌ “كَافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أَبَدًا”، فَاسْتَحْيَا مُوسَى عِنْدَ ذَلِكَ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ قَدْ أَثْقَلَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ فَقَالَ: “إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي”. ثم بعد هذا أَكْمَلَ مُوسَى وَالْخَضِرُ عَلَيْهِمَا السَّلامُ طَرِيقَهُمَا وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا قَرْيَةً وَكَانَ أَهْلُهَا بُخَلاءَ لِئَامًا، فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ وَطَلَبَا طَعَامًا فَلَمْ يُقَدِّمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لَهُمَا شَيْئًا، وَرَدُّوهُمَا رَدًّا غَيْرَ جَمِيلٍ، فَخَرَجَا جَائِعَيْنِ. وَقَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَا الْقَرْيَةَ وَجَدَا جِدَارًا يَتَدَاعَى لِلسُّقُوطِ وَيَكَادُ يَنْهَارُ، فَرَفَعَهُ الْخَضِرُ بِمُعْجِزَةٍ لَهُ بِيَدِهِ وَمَسَحَهُ فَاسْتَقَامَ وَاقِفًا. وَكَانَ سَمْكُ هَذَا الْجِدَارِ ثَلاثِينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَطُولُهُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا. فَاسْتَغْرَبَ مُوسَى وَقَالَ: “عَجَبًا، أَتُجَازِي هَؤُلاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَسَاءُوا اللِّقَاءَ بِهَذَا الإِحْسَانِ، لَوْ شِئْتَ لأَخَذْتَ عَلَى فِعْلِكَ هَذَا أَجْرًا مِنْهُمْ نَسُدُّ بِهِ حَاجَاتِنَا”، فَقَالَ الْخَضِرُ وَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَنْ يَسْتَطِيعَ بَعْدَ الآنَ صَبْرًا: قال “هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ”، فَأَخَذَ مُوسَى بِثِيَابِهِ وَقَالَ: “لا أُفَارِقُكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي بِمَ أَبَاحَ لَكَ فِعْلَ مَا فَعَلْتَ”، فَلَمَّا الْتَمَسَ مُوسَى ذَلِكَ مِنْهُ، أَخَذَ الخضرُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ وَقَالَ: “سَأُبَيِّنُ لَكَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، فَيُصِيبُونَ مِنْهَا رِزْقًا، يُعِينُهُمْ عَلَى الْكَسْبِ، وَعَدَدُهُمْ عَشَرَةُ إِخْوَةٍ وَرِثُوهَا عَنْ أَبِيهِمْ، بِكُلِّ وَاحِدٍ عِلَّةٌ لَيْسَتْ فِي الآخَرِ، خَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَلَ وَخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ، فَأَمَّا الْعُمَّالُ مِنْهُمْ فَأَحَدُهُمْ كَانَ مَجْذُومًا، وَالثَّانِي أَعْوَرَ، وَالثَّالِثُ أَعْرَجَ، وَالرَّابِعُ ءَادَرَ – أَيْ مُصَابًا بِفَتْقٍ شَدِيدٍ-، وَالْخَامِسُ مَحْمُومًا لا تَنْقَطِعُ عَنْهُ الْحُمَّى الدَّهْرَ كُلَّهُ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، وَالْخَمْسَةُ الَّذِينَ لا يُطِيقُونَ الْعَمَلَ: أَعْمَى وَأَصَمُّ وَأَخْرَسُ وَمُقْعَدٌ وَمَجْنُونٌ. وَكَانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ فَاجِرٌ اسْمُهُ “هُدَدُ بنُ بُدَدَ” يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ تَمُرُّ فِي بَحْرِهِ غَصْبًا وَيَتْرُكُ الَّتِي فِيهَا خَلَلٌ وَأَعْطَالٌ”، ثُمَّ أَكْمَلَ الْخَضِرُ كَلامَهُ قَائِلًا: “وَلَمْ يَكُنِ الإِخْوَةُ عَلَى عِلْمٍ بِمَا يُرِيدُ الْمَلِكُ فِعْلَهُ، فَأَظْهَرْتُ فِي السَّفِينَةِ عَيْبًا حَتَّى إِذَا جَاءَ خُدَّامُ الْمَلِكِ تَرَكُوهَا لِلْعَيْبِ الَّذِي فِيهَا، وَهَذَا الَّذِي صَارَ إِذْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْمَلِكُ، ثُمَّ أَصْلَحْتُهَا لَهُمْ كَمَا رَأَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَانْتَفَعُوا بِهَا وَبَقِيَتْ لَهُمْ. وَأَمَّا الْغُلامُ الْمَقْتُولُ فَاسْمُهُ “حَيْسُون” وَكَانَ كَافِرًا وَأَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ وَكَانَا يَعْطِفَانِ عَلَيْهِ فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى كُفْرِهِ، فَأَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أَقْتُلَهُ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَئُولُ أَمْرُهُ إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ عَاشَ لأَتْعَبَ وَالِدَيْهِ بِكُفْرِهِ، وَلِلَّهِ أَنْ يَحْكُمَ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَيَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ لا يَظْلِمُ أَحَدًا”. وَكَانَتْ أُمُّ الْغُلامِ يَوْمَ قُتِلَ حُبْلَى فَوَلَدَتْ بِنْتًا كَانَتْ أَرْحَمَ مِنَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا كَبِرَتْ هَذِهِ الْبِنْتُ أَدْرَكَتْ سَيِّدَنَا “يُونُسَ بنَ مَتَّى” فَآمَنَتْ بِهِ وَتَزَوَّجَهَا فَأَنْجَبَتْ عِدَّةَ أبناء (أنبياء) فَهَدَى اللَّهُ بِهِمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَكَانَتِ الْعِبْرَةُ فِي قِصَّةِ هَذَا الْغُلامِ أَنَّهُ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلاكُهُمَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا الأَمْرُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ حُكِيَ أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْمُهُ “أَصْرَمُ” وَالآخَرَ “صَرِيْم” وَاسْمُ أَبِيهِمَا “كَاشَح” وَأُمِّهِمَا “دَهْنَا”، وَكَانَ تَحْتَ الْجِدَارِ كَنْزٌ لَهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ لَوْحٍ ذَهَبِيٍّ وَمَالٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، تَرَكَهُ لَهُمَا وَالِدُهُمَا الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّي الأَمَانَاتِ وَالْوَدَائِعَ إِلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ حُفِظَا بِصَلاحِ أَبِيهِمَا. وَفِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: “إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ فِي ذُرِّيَّتِهِ”. وَلَمَّا كَانَ الْجِدَارُ مُشْرِفًا عَلَى السُّقُوطِ وَلَوْ سَقَطَ لَضَاعَ ذَلِكَ الْكَنْزُ، أَرَادَ اللَّهُ تعالى إِبْقَاءَهُ عَلَى الْيَتِيمَيْنِ رِعَايَةً لِحَقِّهِمَا وَحَقِّ صَلاحِ وَالِدِهِمَا فَأَمَرَ اللَّهُ الْخَضِرَ بِإِقَامَةِ ذَلِكَ الْجِدَارِ لِيُحْفَظَ الْكَنْزَ الَّذِي سَيَكُونُ مِنْ نَصِيبِ الْيَتِيمَيْنِ عِنْدَمَا يَكْبَرَانِ، وَكَانَ الْيَتِيمَانِ جَاهِلَيْنِ بِأَنَّ لَهُمَا كَنْزًا إِلاَّ أَنَّ الْوَصِيَّ عَلَيْهِمَا كَانَ عَالِمًا بِهِ. ثُمَّ أَنَّ الْوَصِيَّ غَابَ وَأَشْرَفَ ذَلِكَ الْجِدَارُ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى السُّقُوطِ. ثُمَّ قَالَ الْخَضِرُ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لِمُوسَى الْقَضَايَا الثَّلاثَ: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي” أَيْ مَا فَعَلْتُهُ بِاجْتِهَادٍ مِنِّي وَرَأْيٍ، إِنَّمَا فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ أُوحِيَ إِلَيْهِ.

 

قصة قارون مع موسى عليه السلام. كَانَ قَارُونُ الذي ذكرَهُ الله تعالى في القرءانِ الكريم مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَكَثْرَةً فِي الأَمْوَالِ حَتَّى فَاضَتْ بِهَا خَزَائِنُهُ، وَاكْتَظَّتْ صَنَادِيقُهُ بِمَا حَوَتْهُ مِنْهَا، فَلَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ حَمْلَ مَفَاتِيحِهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الأَقْوِيَاءِ، وَكَانَ يَعِيشُ بَيْنَ قَوْمِهِ عِيشَةَ التَّرَفِ، فَكَانَ يَلْبَسُ الْمَلابِسَ الْفَاخِرَةَ وَلا يَخْرُجُ إِلاَّ فِي زِينَتِهِ، وَيَسْكُنُ الْقُصُورَ، وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ الْخَدَمَ وَالْعَبِيدَ، وَيَسْتَمْتِعُ بِمَلَذَّاتِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ. لَكِنْ قَارُونُ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا شَكُورًا، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تبارك وتعالى، أَخَذَ يَغْتَرُّ بِنَفْسِهِ وَيَتَكَبَّرُ ويتجبّر عَلَى قَوْمِهِ وَيَفْتَخِرُ بِكَثْرَةِ مَا ءَاتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ، فَنَصَحَهُ النُّصَحَاءُ مِنْ قَوْمِهِ وَوَعَظُوهُ وَنَهَوْهُ عَنْ فَسَادِهِ وَبَغْيِهِ وَلَكِنَّهُ أَجَابَهُمْ جَوَابَ مُغْتَرٍّ مَفْتُونٍ مُسْتَكْبِرٍ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى نَصَائِحِهِمْ لأِنَّهُ اكْتَسَبَ مَالَهُ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ مُعْتَقِدًا عَلَى زَعْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ الْمَالَ الْكَثِيرَ. وَيُرْوَى أَنَّهُ عِنْدَمَا أُنْزِلَتْ فَرْضِيَّةُ الزَّكَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَخْبَرَ قَوْمَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لِقَارُونَ مُذَكِّرًا إِيَّاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَقِّهِ عَلَيْهِ إِنَّ عَلَى كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا، فَحَسَبَ قَارُونُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ فَاسْتَكْثَرَهُ، فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَكَفَرَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ جَمَعَ قَارُونُ بَعْضَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُوسَى أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَىْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ، وَهُوَ الآنَ يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: مُرْنَا بِمَا شِئْتَ.  قَالَ: ءَامُرُكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا “سِبرْتَا” الْعَاصِيَةَ فَتَجْعَلُوا لَهَا أُجْرَةً عَلَى أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ مُوسَى أَرَادَ الزِّنَى بِهَا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَرْسَلُوا لَهَا طَسْتًا مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءًا قِطَعًا ذَهَبِيَّةً. 

بعد أن أعطى قَارُونُ أُجْرَةً لسبيرتا الباغية عَلَى أَنْ تتهم موسى عليه السلام بِالزِّنَى والعياذ بالله تعالى ولَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ لَهُمْ أَتَى قَارُونُ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَظَاهِرًا بِالْوِدِّ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَدَهُ، وَمَنْ زَنَى وَهُوَ غَيْرُ مُتَزَوِّجٍ جَلَدْنَاهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَ وَزَنَى رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، إِنَّنِي لا أَقْرَبُ هَذِهِ الْفَوَاحِشَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِـ”سِبِرْتَا”، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُوهَا، فَلَمَّا جَاءَتْ اسْتَحْلَفَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ أَنْ تَصْدُقَ، فَتَدَارَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ فَتَابَتْ وَتَبَرَّأَتْ مِمَّا نَسَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَالَتْ: كَذَبُوا، بَلْ جَعَلَ لِي قَارُونُ أُجْرَةً عَلَى أَنْ أَتَّهِمَكَ بِالزِّنَى، فَسَجَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَدَعَا اللَّهَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: مُرِ الأَرْضَ بِمَا شِئْتَ فَإِنَّهَا مُطِيعَةٌ لَكَ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي خَرَجَ قَارُونُ كَعَادَتِهِ فِي مَوْكِبٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ ءَالافَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَقَدْ تَزَيَّنَتْ ثِيَابُهُمْ بِالذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ وَرَكِبُوا عَلَى بِغَالِهِمْ وَأَفْرَاسِهِمْ وَهُوَ يَتَقَدَّمُهُمْ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ زَيَّنَهَا وَقَدِ ارْتَدَى أَجْمَلَ ثِيَابِهِ وَأَفْخَرَهَا مَزْهُوًّا بِنَفْسِهِ مُتَطَاوِلًا، وَالنَّاسُ عَلَى الْجَانِبَيْنِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنِ اغْتَرَّ بِهِ فَقَالَ: هَنِيئًا لِقَارُونَ إِنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، مَالٌ وَجَاهٌ. فَلَمَّا سَمِعَهُمْ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ نَصَحُوهُمْ أَنْ لا يَغْتَرُّوا بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ. وَقِيلَ إِنَّ قَارُونَ مَرَّ فِي مَسِيرِهِ عَلَى مَجْلِسٍ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَوْقَفَ الْمَوْكِبَ وَخَاطَبَهُ قَائِلًا: يَا مُوسَى أَمَا لَئِنْ كُنْتَ فُضِّلْتَ عَلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَقَدْ فُضِّلْتُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ، وَلَئِنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ فَادْعُ عَلَيَّ وَأَدْعُو عَلَيْكَ، فَخَرَجَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَابِتَ الْقَلْبِ مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبَدَأَ قَارُونُ بِالدُّعَاءِ على زعمه فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، وَدَعَا سَيِّدُنَا مُوسَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ مُرِ الأَرْضَ فَلْتُطِعْنِي الْيَوْمَ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى، يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتِ الأَرْضُ قَارُونَ الْمَلْعُونَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْخُبَثَاءِ إِلَى أَقْدَامِهِمْ ثُمَّ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ ثُمَّ إِلَى مَنَاكِبِهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلِي بِكُنُوزِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَاهْتَزَّتِ الأَرْضُ تَحْتَ دَارِهِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالٍ، ثُمَّ أَشَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ فَابْتَلَعَتْهُمْ جَمِيعًا. وَلَمَّا حَلَّ بِقَارُونَ مَا حَلَّ مِنْ خَسْفِ الأَرْضِ وَذَهَابِ الأَمْوَالِ وَخَرَابِ الدَّارِ وَخَسْفِهَا نَدِمَ مَنْ كَانَ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ وَشَكَرُوا اللَّهَ تبارك تَعَالَى الَّذِي لَمْ يَجْعَلْهُمْ كَقَارُونَ الملعون طُغَاةً مُتَجَبِّرِينَ مُتَكَبِّرِينَ فَيَخْسِفَ بِهِمُ الأَرْضَ. وليُعلم يا أحبابنا أن موسى عليه السلام أفضلُ الأنبياءِ بعدَ سيدِنا محمد وسيدِنا إبراهيم عليهما السلام وقيل كان عُمُر موسى عليه السلام عندما تُوفي مائةً وعِشرينَ سنة، وكان قد تُوُفِّيَ قَبْلَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُبئ بعدَه يوشع من ذريةِ إبراهيم عليهم السلام. والله تعالى أعلمُ وأحكمُ.