مختصر قصة سيدنا صالح عليه السلام
ذُكر اسمُ صالح عليه الصلاة والسلام في القرءان تسعَ مرات. وقد أرسل الله تعالى نبيَه صالحًا إلى قبيلة ثمود، وَهم من العرب الذين كانوا يسكنون الحِجر الذي هو بين الحجازِ والأُردُن، وما زالت ءاثارهم باقيةً هناك تُعرف باسم “مَدَائنِ صالح”.
وقد أسبغَ الله عليهم من نعمه الكثيرة كما أسبغَ على قبيلة عاد من قبلهم، ولكنّهم لم يكونوا أحسنَ حالًا من أسلافهم ولم يتعظوا بما حلّ بِعاد، ولم يشكروا الله تعالى بعبادته واتّباع نبيه وتصديقه، بل أشركوا به وعبَدوا الأصنام من دون الله وانفَتنوا بالنعيم وسعة العَيش الذي كانوا فيه. فكان سيدنا صَالِحٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَيُبَشِّرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ، لكنّهم قابلوه بالإيذاء واتهموه بأنّه مسحور لا يدري ما يقول في دعائه لهم إلى إفراد العبادة لله تبارك وتعالى وحده، وهذا غايةٌ في تكبرهم عن اتّباع الحق واتّباع دعوة نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام.
خاف المستكبرون من قومه أن يكثر أتباع صالح وأن ينصرفوا عنهم إليه، وفي ذلك ذَهابٌ لسلطانهم وتفتيتٌ لقوتهم، فأرادوا أن يُظهروا للناس أنه عاجز غير صادق في دعواه وهذا من خبث نفوسهم وظلام قلوبهم عن اتّباع الحق، فطلبوا منه عليه السلام معجزة تكون دليلًا على صدقه وقالوا له أخرج لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة كانت هناك- ناقةً ومعها ولدها وصفتها كيتَ وكيت وذكروا لها أوصافًا، وقالوا له إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة ومعها ابنُها ءامنَّا بك وصدّقناك، فأخذ سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام عليهم عهودَهم ومواثيقَهم على ذلك، وقام وصلى لله تبارك وتعالى ثم دعا ربَّه عزّ وجلّ أن يعينه ويجيبه إلى ما طلب قومُه فاستجاب الله دعوتَه فأخرج لهم سيدُنا صالح عليه السلام بقدرة الله تعالى ناقةً ومعها ولدُها من الصخرة الصمّاء.
فلمّا رأى قومه هذا الأمر الخارقَ للعادة الذي فيه الدليلُ القاطع والبرهانُ الساطع على صدق سيدنا صالح عليه السلام ءامنَ قسمٌ منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم وضلالهم.
وأمرهم سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام أن يتركوها تأكلُ في أرض الله تعالى وحذرهم أن يتعرضوا لها بالقتل أو الأذى، وأخبرهم أنهم إن هم تعرضوا لها بالسوء يأخذهم عذابٌ وهلاكٌ عظيم.
ثم مكثت ناقة صالح عليه الصلاة والسلام في قبيلة ثمود زمانًا تأكل من الأرض، وتردُ الماء للشرب يومًا وتمتنع منه يومًا، مما استمال كثيرًا من قومه عليه السلام إذ استبانوا بها على صدقِ رسالة نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام وأيقنوا بذلك، مما أفزع ذلك المستكبرين من قومه وخافوا على سلطانهم أن يزول فاتفقوا على أن يعقروها ليستريحوا منها.
وقيل إنهم ظَلُّوا مترددين في تنفيذ ما اتفقوا عليه إلى أن قامت فيهم امرأتان خبيثتان إحداهما كانت ذاتَ حسَبٍ ومال فعرضت نفسها على رجل إن هو عَقر الناقة وذبحها، وكانت الثانية عجوزًا كافرة لها أربع بنات فعرضت على رجل شقي خبيث أيَّ بناتها يختار إن هو عقر الناقة، فقبِل هذان الشابان وسعيا في قومهم لأجل هذا الغرض الخبيث فاستجاب لهم سبعة ءاخرون فصاروا تسعة، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما وجدوها رماها أحدُهم بسهم، وجاءت النساء يشجعن في قتلها فأسرع أشقاهم وطعنها في لبَّتها فنحَرَها فخرَّتْ ساقطة على الارض ميْتةً، وأما فصيلها فصعد جبلًا منيعًا ثم دخل صخرة وغاب فيها.
بعد أن عقر قوم صالح عليه السلام الناقة التي حذرهم نبيُهم من التعرض لها واستمروا على عنادهم وتكبرهم وعبادة الأصنام، أَنْذَرَهُمْ صَالِحٌ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلامُ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ورغم هذا لم يتوبوا، بل استمروا على باطلهم وظنوا وعيدَهُ كذبًا وتحذيرَه بُهتانًا وقالوا له: تشاءمنا بك وبمن معك، ثم إنهم اتفقوا على قتله وأهلِه وتآمروا على ذلك وتحالفوا فيما بينهم وتبايعوا على هذه المؤامرة وأن يغتالوه ليلًا، ولكن الله تبارك وتعالى أنقذ نبيه من كيدهم وتآمرهم فأرسل على أولئك النَّفر الذين قصدوا قتله حجارة أهلكتهم تعجيلًا قبل قومهم وردَّ كيدَهم في نحورهم.
وبعد إنذار سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام لقومه الذين كذَّبوا بالعذاب الذي يأتيهم بعد أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، أصبحوا يومَ الخميس وهو اليومُ الأول من أيام الإمهال ووجوههم مُصفرة، فلما دخل المساء نادوا ألا قد مضى يوم من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، فلما دخل المساء نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث وهو يوم السبت ووجوههم مُسودة فلما دخل المساء نادوا ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد تأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا سيحل بهم من العذاب والنَّكال والنقمة ولا يدرون كيف يُفعل بهم ولا من أيّ جهة يأتيهِمُ العذاب.
فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقِهم ورَجْفَةٌ من تحتهم ففاضت أرواح هؤلاء الكافرين وزُهِقت نفوسهم، وأصبح هؤلاء الكافرون في ديارهم جاثمين جثثًا هامدة لا أرواح فيها.
وقيل إنّ قوم صالح عليه الصلاة والسلام لما أصبحوا في اليوم الرابع وهو يوم الأحد وارتفعت الشمس ولم يأتهم العذاب ظنوا أنّ الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم التي كانوا قد دخلوا فيه وصار يدعو بعضهم بعضًا، ثم نزل جبريل فوق المدينة فسدّ ضوء الشمس، فلما عاينوه دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة كالصاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وماتوا وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم.
ويقال إنّ صالحًا عليه السلام انتقل بعد ذلك إلى الشام فنزل فلسطين ثم انتقل إلى مكة المكرّمة فأقام بها يعبد الله تعالى حتى مات. والله أعلم وأحكم.