الثلاثاء فبراير 24, 2026

مختصر قصة سيدنا نوح عليه السلام

كان بين نوحٍ وءادم عشرةُ قرون كما جاء ذلك في حديث ابن حبان. وبالجملة فنوح عليه السلام أرسله الله إلى قوم يعبدون الأوثان وكَانَ سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أَوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى الْكُفَّارِ، قال تعالى إخبارًا عنهم: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}. وقد تقدّم أنّ هذه أسماءُ رجال صالحين من قوم إدريس، ووسوس إبليس اللعينُ للناس أنِ اعبدوهم فعبدوهم من دون اللهِ والعياذ بالله.

بعث الله نوحًا عليه السلام إلى هؤلاء الكفار ليدعوَهم إلى الدين الحقّ وهو الإسلام والعبادةِ الحقّة وهي عبادةُ الله وحده وتركُ عبادة غيره، ودعاهم إلى الله بأنواع الدعوةِ في الليل والنهار والسرّ والإجهار وبالترغيب تارةً وبالترهيب أُخرى، لكنَّ أكثرَهم لم يؤمن بل استمروا على الضلالة والطُغيان وعبادة الاوثان ونصبوا له العداوةَ ولمن ءامن به وتوعدوهم.  

لبِث سيدنا نوحٌ في قومه يدعوهم إلى الإسلام ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، وكان قومه يبطِشون به فيخنِقونه حتى يُغشى عليه، حتى تمادَوا في معصيتهم وعَظُمت منهمُ الخطيئة فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ من الذي كان قبلَه، حتى إنْ كانَ الآخِرُ ليقول: قد كان هذا مع ءابائنا وأجدادنا مجنونًا لا يقبلون منه شيئًا، ولكنَّ اليأس لم يدخل قلبَ نوح بل أخذَ يجاهد في إبلاغ الرسالة ويبسُطُ لهم البراهين، ولم يؤمن به إلا جماعةٌ قليلة استجابوا لدعوته وصدّقوا برسالته. 

ثم إنَّ الله تعالى أوحى إليه أنه لن يؤمنَ من قومك إلا مَن قد ءامن، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: ربِّ لا تذر على الأرضِ مِنَ الكافرينَ دَيَّارًا، فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}.

فأقبل نوحٌ على عمل السفينة وجعل يُهيءُ عَتادَ الفُلك من الخشب والحديد والقار وغيرِها، وجعل قومُه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفُلك قبلَ ذلك، ويقولون: يا نوحُ قد صِرتَ نجارًا بعدَ النبوة؟! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولدُ لهن.

وصنع الفلكَ عليه السلام من خشب الساج وقيل غيرُ ذلك، ويقال إنّ الله أمره أن يجعل طولَه ثمانين ذراعًا وعرضَه خمسين ذراعًا، وطولَه في السماء ثلاثين ذراعًا. وقيل غيرُ ذلك والله تعالى أعلم.

 ويقال إنّ نوحًا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرَغ منه وقد جعلَ اللهُ التنورَ ءاية، فار التنور فحمل نوحٌ مَنْ أمر الله تعالى بحمله وكانوا ثمانينَ رجلًا، وقيلَ غيرُ ذلك. وكان فيها نوحٌ وثلاثةٌ من بنيه سام وحام ويافِث وأزواجُهم وتخلّفَ عنه ابنُه كنعان وكان كافرًا.

 ثم إنّ المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القُرَبِ، فجعلتِ الوحوشُ يطلبن وسط الأرض هربًا من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذٍ حمل فيها عليه السلام من كلٍّ زوجين اثنين وجعلتِ الفُلكُ تجري بهم في موجٍ كالجبال، والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.         

 

قالَ جماعةٌ من المفسرين: أرسلَ الله المطرَ أربعين يومًا، ويقال إنهم ركبوا فيها لعشرِ ليالٍ مَضَيْنَ من رجب وخرجوا منها يومَ عاشوراء منَ المحرم، وكان الماءُ نِصفينِ نصفًا من السماءِ ونِصفًا من الأرضِ وقد ارتفعَ الماءُ على أعلى جبلٍ في الأرضِ قيل خمسةَ عشرَ ذراعًا، وقيلَ ثمانينَ والله أعلم، وقد عمّ جميع الأرض سهلِها وحَزْنِها وجبالِها وقِفارِها، فلم يبق على وجه الأرض أحدٌ ممن عبد غير الله عزّ وجلّ، وطافتِ السفينةُ بالأرض كلِّها لا تستقرُ حتى أتت الحرمَ فدارت حولَه أسبوعًا، ثم ذهبت في الأرض تسيرُ بها حتى انتهت إلى جبلِ الجودي وهو بأرضِ الموصل في العراق فاستقرت عليه.  

ثُمَّ بَلَعَتِ الأَرْضُ مَاءَهَا وَالسَّمَاءُ أَمْسَكَتْ عَنِ الْمَطَرِ، فَنَشَفَتِ الأَرْضُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِثْلَمَا كَانَتْ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَنَزَلَ مِنْهَا نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى وَجْهِ الأَرْضِ.

 يقال: ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائةً وخمسين يومًا واستقرت بهم على الجوديِّ شهرًا، وكان خروجُهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، وأنهم صاموا يومَهم ذلك. 

 ثم إنّ نسلَ أهلِ السفينة انقرضوا غيرَ نسلِ ولدِ نوح عليه السلام فالناسُ كلُهم من ولد نوح، ولم يُجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلٌ ولا عقِبٌ سوى نوحٍ عليه السلام، فكلُ من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني ءادم يُنسبون إلى أولاد نوحٍ الثلاثة

 وقيل بُعِثَ سيدنا نوح وله أربعُمائة وثمانون سنة وإنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائةٍ وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف وسبعَمائة وثمانين سنة والله تعالى أعلم.

ويروى أنّ نوحًا عليه السلام لما حضرته الوفاة قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ قال: “كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر”.

وأما قبرُه عليه السلام فقيل إنه بالمسجد الحرام وهو الأقوى، وقيل إنه ببلدةٍ في البقاع تُعرف اليوم “بكَرَكِ نوح” وهناك جامع قد بُني بسبب ذلك فيما ذُكر، وقيل إنه بالموصل والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.