الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحَابَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
عِلْمُ الدِّينِ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، عِلْمُ الدِّينِ حَيَاةُ الإِسْلامِ وَلَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ مَا دَامَ عِلْمُ الدِّينِ مُنْتَشِرًا بَيْنَهُمْ إِنَّمَا يَهْلِكُ النَّاسُ إِذَا ذَهَبَ الْعِلْمُ أَوْ قَلَّ مَنْ يُعَلِّمُ عِلْمَ الدِّينِ فَعِنْدَئِذٍ يَعْظُمُ الْهَلاكُ، بِالْعِلْمِ يُمَيِّزُ الإِنْسَانُ الْمَالَ الْحَلالَ مِنَ الْمَالِ الْحَرَامِ وَيُمَيِّزُ بِهِ الْكُفْرَ مِنَ الإِيمَانِ. هَذَا سَيِّدُنا عَبْدُ القَادِرِ الْجِيلانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَعبُدُ اللَّهَ فِي خَلْوَةٍ فَجَاءَهُ الشَّيطانُ عَلَى هَيْئَةِ نُورٍ عَظِيمٍ وَقَالَ لَهُ: »يَا عَبدِي يَا عَبْدَ القَادِرِ قَد أَسْقَطْتُ عَنْكَ الفَرَائِضَ وَأَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ« فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنا عَبْدِ القَادِرِ: »قَدْ خَسِئْتَ يَا لَعِينُ« فَتَبَدَّى الضَّوْءُ وَبَقِيَ الصَّوْتُ، وَقَالَ لَهُ الشَّيطَانُ: »لَقَدْ غَلَبْتَنِي بِعِلْمِكَ يَا عَبْدَ الْقَادِرِ وَإِنِّي قَدْ أَغْوَيْتُ أَرْبَعِينَ عَابِدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ«. سَيِّدُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلانِيُّ بِعِلْمِهِ عَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ لِأَنَّهُ كَانَ تَعَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ بَلْ هُوَ خَالِقُ النُّورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ أَيْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنَّور، وَالَّذِي كَلَّمَهُ كَلَّمَهُ بِصَوْتٍ وَكَلامُ اللَّهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً، لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ وَلا يُشْبِهُ كَلامَ الْخَلْقِ.
الإِسْلامُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، أَعْظَمُ نِعْمَةٍ يُعْطَاهَا الإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الإِسْلامُ وَالإِسْلامُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة﴾ فَاللَّهُ تَعَالَى شَرَطَ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الإِيمَانَ بِقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وَبِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا مُشْرِكًا أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُسْلِم أَمْ أُقَاتِل، قَالَ: »أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ« فَأَسْلَمَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ الرَّسُولُ: »عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا« أَيْ لِأَنَّهُ نَالَ الشَّهَادَةَ بَعْدَ أَنْ هَدَمَ الإِسْلامُ كُلَّ ذَنْبٍ قَدَمَّهُ فَالْفَضْلُ لِلإِسْلامِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَنْفَعْهُ أَيُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ. وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: »لا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُود« أَيْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بَلْ يُشَبِّهُهُ بِخَلْقِهِ بِالضَّوْءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ سَاكِنٌ فِي السَّمَاءِ أَوْ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَهَذَا عِبَادَتُهُ تَكُونُ لِشَىْءٍ تَوَهَّمَهُ فِي مُخَيِّلَتَهِ فَيَكُونُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ فَلا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ. هَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةُ عِنْدَهُمْ إِثْبَاتُ أَصْلِ الْجُلُوسِ لِلَّهِ لَيْسَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَلْقِهِ فَيَقُولُونَ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كَجُلُوسِنَا فَأَيْنَ عُقُولُهُمْ؟ الْجُلُوسُ كَيْفَمَا كَانَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ كَيْفَ يُقَالُ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ هَذَا شَتْمٌ لِلَّهِ، عَلَى زَعْمِهِمْ عَظَّمُوا اللَّهَ هَذَا لَيْسَ تَعْظِيمًا، جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ لَهُ نِصْفٌ أَعْلَى وَنِصْفٌ أَسْفَل، خَلْقُهُ يَجْلِسُونَ الْبَقَرُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْبَشَرُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ يَجْلِسُونَ، جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ مَا مَدَحُوهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَان كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: »لا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ« فَاعْتَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جُدْعَانَ مِنَ التَّصَدُّقِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جُدْعَان كَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ مُفْسِدًا شِرِّيرًا مُؤْذِيًا حَتَّى أَنَّ أَبَاهُ مِنْ شِدَّةِ مَا كَرِهَهُ وَمَلَّ مِنْهُ قَالَ لَهُ أَمَامَ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ: أَنْتَ لَسْتَ ابْنِي، فَطَرَدَهُ فَكَرِهَ الْحَيَاةَ فَقَالَ أَطْلُبُ الْمَوْت فَخَرَجَ خَارِجَ مَكَّةَ فَتَوَجَّهَ إِلَى جَبَلٍ فَوَجَدَ شَقًّا قَالَ: أَدْخُلُ هَذَا الشَّقَّ لَعَلَّ فِيهِ مَا يُرِيحُنِي مِنَ الْحَيَاةِ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ ثُعْبَانًا كَبِيرًا عَيْنَاهُ جَوْهَرَتَانِ مُضِيئَتَانِ فَظَنَّهُ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا فَاقْتَرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ ثُعْبَانًا كُلَّهُ ذَهَب ثُمَّ وَرَاءَهُ فِي الشَّقِّ وَجَدَ رِجَالًا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَوَجَدَ عِنْدَ رُؤُوسِهِمْ لَوْحًا مِنَ فِضَّةٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ بَيْتُ شِعْرٍ:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ
رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا جَرَى فِي الْحِلاب
وَمُرَادُهُمْ بِهَذَا أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا حَلَبَ الْبَهِيمَةَ فَهَذَا اللَّبَنُ الَّذِي حَلَبَهُ لا يَعُودُ إِلَى الضَّرْعِ كَذَلِكَ نَحْنُ الآنَ خُرُوجُنَا مِنَ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ وَجَدَ كَوْمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَوْمًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَخَذَ مِنَ الذَّهَبِ مَا اسْتَطَاعَ فِي رِدَائِهِ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ صَارَ يُعْطِي هَذَا مِنَ هَذَا الذَّهَبِ وَيُعْطِي هَذَا وَيُعْطِي هَذَا فَأَحَبُّوهُ وَجَعَلُوهُ سَيِّدًا لَهُمْ. فَصَارَ يُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيَصِلُ أَرْحَامَهُ فَكَانَ مَشْهُورًا بِهَذَا بَيْنَ الْعَرَبِ. لَكِنْ بِمَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى عِبَادَةِ الْوَثَنِ وَلَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَلا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ هَذَا. فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلا ثَوَابَ لَهُ أَبَدًا فِي الآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾.
الْكُفَّارُ هُمْ أَحْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ هُوَ أَحْقَرُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالدَّوَابُّ جَمْعُ دَابَّةٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ »لا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ خَيْرٌ مِنْ ءَابَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ« أَيْ عَلَى الشِّرْكِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَافِرَ أَخَسُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ.
وَمَعْنَى »مَا يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ« أَيِ الْقَذَرُ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ، وَالْجُعَلُ حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ تَسُوقُ الْقَذَرَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَنِي ءَادَمَ تَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ تَسُوقُهُ لِتَتَقَوَّتَ بِهِ، فَهَذَا الَّذِي يَسُوقُهُ الْجُعَلُ الرَّسُولُ قَالَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَانَ النَّاسُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْتَخِرُونَ بِهِمْ يَقُولُونَ هَذَا جَدِّي كَانَ كَذَا أَبِي كَانَ كَذَا فَالْمَعْنَى كُفُّوا عَنِ الِافْتِخَارِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ مَا يَسُوقُهُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْهُمْ لِكُفْرِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ شُكْرَ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ لا يَصِحُّ مَعَ عِبَادَةِ غَيْرِهِ أَوْ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيَتْبَعَهُ النَّاسُ. وَلَوْ أَنْفَقَ هَذَا الْكَافِرُ مِثْلَ جَبَلٍ ذَهَبًا لِلْمَسَاكِينِ وَالأَرَامِلِ لا يَكُونُ شَاكِرًا لِخَالِقِهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْوُجُودِ وَالْعَقْلِ فَلا يَكُونُ الْكَافِرُ شَاكِرًا لِلَّهِ مَهْمَا عَمِلَ مِنَ الْخِدْمَاتِ لِلنَّاسِ وَمَهْمَا كَانَ عِنْدَهُ عَطْفٌ وَرَحْمَةٌ وَحَنَانٌ عَلَى الْمَنْكُوبيِنَ وَالْمَلْهُوفِينَ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: »عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَهَمِيَّةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَافِرِ وَأَنَّ الإِيمَانَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الثَّوَابِ وَصِحَّةِ الأَعْمَالِ وَأَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مُصَابًا بِالْعَمَى وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ أُصِيبَ بِمَرَضِ الآكِلَةِ وَهُوَ مَرَضٌ يُصِيبُ الأَطْرَافَ فَيَسْوَدُّ الْعُضْوُ الْمُصَابُ وَيَهْتَرِئُ ثُمَّ يَتَسَاقَطُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْفَقْرِ لا أَحَدَ يَهْتَمُّ بِهِ حَتَّى رَءَاهُ النَّاسُ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتِ الدَّبَابِيرُ تَأْكُلُ مِنْ رَأْسِهِ، وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا عَنْهُ وَمَقْطُوعَ الرِّجْلَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهَا فَمَرَّ مِنْ أَمَامِهِ أُنَاسٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ كَمْ يَتَحَمَّلُ هَذَا الرَّجُلُ، فَسَمِعَهُمْ فَقَالَ: »الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ قَلْبِي خَاشِعًا وَلِسَانِي ذَاكِرًا وَبَدَنِي عَلَى الْبَلاءِ صَابِرًا، إِلَهِي لَوْ صَبَبْتَ عَلَيَّ الْبَلاءَ صَبًّا مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا حُبًّا« هَكَذَا يَكُونُ الصَّالِحُونَ هَكَذَا يَكُونُ طُلَّابُ الآخِرَةِ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ فَأَدَّوْا حَقَّهُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ« الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خَيْرًا أَيْ رِفْعَةً فِي الدَّرَجَةِ يَبْتَلِيهِ بِالْمَصَائِبِ. الْمَصَائِبُ لِلْمُؤْمِنِ زِيَادَةُ دَرَجَةٍ عِنْدَ اللَّهِ. الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُبْتَلَى بِالْمَصَائِبِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يُبْتَلَى بِالْمَصَائِبِ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي هُوَ غَارِقٌ فِي الْمَعَاصِي وَلا تُصِيبُهُ الْمَصَائِبُ إِلَّا قَلِيلًا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ عَذَابَهُ إِلَى الآخِرَةِ. بَعْضُ النَّاسِ تُصِيبُهُمُ الْمَصَائِبُ فَيَغْضَبُونَ غَضَبًا شَدِيدًا فَيَكْفُرُونَ بِخَالِقِهِمْ. كَانَ فِي الْعَرَبِ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بِآلافٍ مِنَ السِّنِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حِمَارُ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ قَوْمِ عَادٍ. كَانَ بِأَرْضٍ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهَا الْجَوْف وَادٍ فِيهِ شَجَرٌ وَفِيهِ مَاءٌ ثُمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَسَلَ صَاعِقَةً فَقَتَلَتْ أَبْنَاءَهُ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَكَفَرَ كُفْرًا كَبِيرًا قَالَ لا أَعْبُدُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَ أَبْنَائِي ثُمَّ مَا اكْتَفَى بِهَذَا الْكُفْرِ بَلْ كَانَ إِذَا مَرَّ إِنْسَانٌ بِالْوَادِي الَّذِي فِيهِ جَاءَ إِلَى أَرْضِهِ يَقُولُ لَهُ اكْفُرْ بِاللَّهِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَإِنْ كَفَرَ تَرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ قَتَلَهُ ثُمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى زَادَهُ مُصِيبَةً، أَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا فِي أَسْفَلِ الْوَادِي فَأَهْلَكَتِ الْوَادِي وَمَا فِيهِ، لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَجَرٌ وَلا مَاءٌ، صَارَ الْوَادِي أَسْوَدَ وَمَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ. هَذَا كَانَ عَاشَ قَبْلَ أَنْ يَكْفُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الإِسْلامِ لَوْ صَبَرَ عَلَى تِلْكَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِ بِمَوْتِ أَوْلادِهِ كَانَ كَسَبَ أَجْرًا كَبِيرًا لَكِنْ بِسَبَبِ الْغَضَبِ كَفَرَ بِقَوْلِهِ »لا أَعْبُدُ اللَّهَ« وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. هَذَا الرَّجُلُ ضَرَّ نَفْسَهُ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يَنْضَرُّ بِكُفْرِ الْكَافِرِينَ وَلا مَعْصِيَةِ الْعُصَاةِ. هُوَ ضَرَّ نَفْسَهُ بِاعْتِرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ وَنِسْبَةِ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
انْظُرُوا الْفَرْقَ بَيْنَ ذَاكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الصَّابِرِ الْمُحْتَسِبِ وَهَذَا الْكَافِرِ الْمُعْتَرِضِ عَلَى اللَّهِ، ذَاكَ صَبَرَ عَلَى الْمَصَائِبِ وَالْبَلايَا فَكَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ وَهَذَالَمْ يَصْبِرْ بَلْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.