الرد على من يقول أنا لا أكفِّر أحدا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ والصَّلاةُ والسّلامُ على رسولِ اللهِ
سؤال: ماذا يُقالُ لمن قيلَ لهُ احذَرْ الكتابَ الفلاني والشَّيخَ الفلاني، لأنَّ الكتابَ فيهِ كفرٌ وعندَ مُؤلِّفِه كفرٌ، وماذا يُقالُ لهُ إن قال: أنا لا أُكفِّرُ أحدًا؟
قال الشَّيخُ رحمه الله: يُقالُ لهُ أنتَ خالفتَ الشَّريعة، اللهُ أوحى لنبيّهِ وحيًّا أن من بَدّلَ دينهُ فاقتلوهُ. فطبّقَ ذلك الخلفاءُ الراشدونَ ومَن بَعدهم.
هذا الحلَّاجُ على أي شىءٍ قُتلَ؟ في الظّاهرِ كان صوفيًا، قُتلَ بأمر الخليفة المقتدر بالله العباسي سنة 309 هجرية. ما قُتلَ على أنه زنا بعدما تزوّج، ولا قُتلَ على أنه قطعَ الطّريق على النّاسِ وكان يَسلُبُ أموالهم، ولا قَتلَ نَفسًا مسلمةً فيُقتل للقصاصِ، لأي شىءٍ قتلَ؟ قُتلَ لأنه ارتكبَ الكفريات، كَفّروهُ حتى أُصدرَ عليه الحكمُ بالقتل، وغيرهُ خلائقُ كثيرة، من طالعَ التاريخ يجدُ من هذا عددًا كبيرًا، الفقهاءُ وضعوا بابَ الرِّدَّةِ بيَّنوا فيهِ ما يُخرِجُ من الإسلامِ من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ.
قالوا : إذا شَهـِدَ اثنان بأنهُ قالَ كلمةَ كذا من كلماتِ الكفرِ يُستتاب، فإن لَم يتبْ يُقتل، واجبٌ على الخليفة أن يقتلَهُ، هذا في المذاهب الأربعة وغيرهم.
بشهادةِ اثنينِ عدلَينِ بأنه نطقَ بكلمةِ الكُفر وهي كذا، يقولان سبَّ اللهَ أو سبَّ الرسولَ أو سبَّ الملائكةَ أو سبَّ شريعةَ اللهِ، إن شهد اثنانِ عدلانِ تقيَّان، فرضٌ على الخليفةِ أن يطلُبَ منهُ الرجوعَ، فإن رجعَ تركهُ من القتلِ وإلا قطعَ رقبتَهُ فَرضًا واجبًا، فكيفَ لا يُكفَّرُ من كفرَ بعد هذا!
ثم سبعة من الأئمَّةِ كفَّروا الحجَّاج بنَ يوسف، منهم سعيد بنُ جُبَير وكفى بهِ عالمًا ثِقةً وَرِعًا زاهدًا، هو تابعيٌّ أخذ العلمَ من عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس ابنِ عمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، هذا كفَّرَ الحجَّاج.
وكذلك الإمامُ المجتهدُ الشَّعبيُّ، واسمهُ عامر لكن غلبَ عليهِ شهرتهُ النسَبية نسبتهُ إلى قبيلتهِ هو أيضًا وخمسةٌ آخرون حكموا عليه، حكموا بكُفرِ الحجَّاجِ بنِ يوسف، وكذلك أُناسٌ ءاخرون.
بدمشقَ منذ ثلاثةِ أشهر قال شخصٌ من أهل الطريقة الشاذليَة الدرقاويَّة هو وابنه، هذا يدَّعي أنه تخرَّج من الأزهر وأنَّهُ يُدرِّسُ الكتبَ السِّتةَ في الحديثِ في مساجد دمشقَ، أتيا إليّ إلى البيت الذي نزلتُ به، تحدثا وكان من جملة حديثهما أنه لا يكفَّرُ شخصا معيَّنا، بمعنى أنهُ لا يُقالُ فلانٌ كفرَ يا فلان أنت كفرتَ، ولا أدري ما غرضهما من ذلك هذا كأنَّهُ ما قَرَأ بابَ الرّدةِ.
كتابُ أحكام المرتدين الذي هو في المذاهب الأربعة معقودٌ لهُ، في الفقهِ الشّافعيِّ كتابُ المرتَدِّ، في الفقه الحنفيِّ كذلك، في الفقه الحنبليِّ كذلك، في الفقه المالكيِّ كذلك، كُلُّ هؤلاءِ قالوا الكفرُ إمَّا بقولٍ وإمَّا بفعلٍ وإمّا باعتقادٍ، قسَّموهُ إلى ثلاثة أقسامٍ.
القسمُ الذي هو قوليٌّ وإن لم يكن معه اعتقاد، وإن كان معهُ اعتقاد صارَ كُفرَين، صارَ كُفرًا مُزدوجًا.
اعتقادهُ لمَّا يقولهُ من قولِ الكُفرِ كَفَرَ وتلفُّظُهُ كُفرٌ مُزدَوجٌ، وكذلك الإنسان إذا تغيَّرَ اعتقادُهُ لسببٍ من الأسباب ممَّا يؤدي إلى الخروج مِنَ الإسلام مِن دونِ أن يُظهرَ معتقدَهُ مِنَ الكُفرِ، من دونِ أن يفعلَ مقتضى ذلك الاعتقاد الذي هو كفرٌ فهو كافرٌ عندَ اللهِ، وإذا أظهر للنّاسِ فهو كافرٌ عندَ النّاسِ أيضًا.
معنى كلام هؤلاء النَّاسِ الذين يقولون لا يجوز تكفير شخصٍ معيَّن معناهُ بابُ الرِّدةِ الذي وضعهُ أئمةُ المذاهب الأربعة مُلغى لا يُعملُ به ولا يُطبّقُ. نعوذُ باللهِ من هذا الفسادِ والمروقِ مِنَ الدِّين.
واللهُ يقول: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: آية 65 و 66]
ويقول: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74].
وقال الإمام الشافعي لحفص الفرد المعتزلي لما ناظره الشافعي وكسره: لقد كفرت بالله العظيم.
وقال الإمام الأوزاعي للخليفة هشام بن عبد الملك لما طلبه لمناظرة غيلان الدمشقي المعتزلي وأقام الأوزاعي عليه الحجة: كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين.
وقال الإمام أبو حنيفة لمبتدع ضال اخرج عني يا كافر.