الأحد مارس 1, 2026

كيف وصفَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الجنة

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين وصلّى اللهُ وسلّم على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الطيبينَ الطاهرين

ممّا جاءَ في وصفِ النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم للجنّةِ أنّهُ قال: “نهرٌ مُضطرِدٌ” أي أنْهارٌ جاريةٌ لا تُكَلِّفُ تعبًا بالتناولِ منها لأنّها ليستْ في وِهادٍ عميقةٍ بلْ هيَ جاريةٌ على وجهِ أرضِ الجنّةِ.

قالَ اللهُ تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِن مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}

وقوْلُهُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ “وفاكهةٌ نضيجةٌ” أي أنَّ فيها منَ الفواكِهِ كلَّ ما تشْتَهيهِ النّفْس، وكلُّ ما فيها منَ الفواكِهِ نضيج.

وفي الجنّةِ أيضًا طيورٌ وغنَمٌ. وقدْ وردَ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم أنّهُ قال: “إنّكَ لَتَنْظرُ إلى الطيرِ في الجنّةِ فتَشْتَهِيهِ فيَخِرُّ بينَ يديْكَ مَشْوِيًّا”. ثمّ بعدَما يأكلُهُ المؤمن يُعِيدُهُ اللهُ كما كانَ فيطير.

وأمّا قولُهُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ “وزوجةٌ حسناءُ جميلة” فتَفسيرُهُ ما وردَ في الحديثِ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلم “لكُلِّ امرئٍ منهمْ زوجتان منَ الحُورِ العِين”، وهذا الحديثُ صحيحٌ متَّفقٌ عليه (أي رواهُ البخاريُّ ومسلم)، والحورُ العِين نساءُ أهلِ الجنّةِ منْ غيرِ الإنسِ خُلِقْنَ خَلْقًا منْ غيرِ تَوالُدٍ إكرامًا للمؤمنين.

والحُورُ: جَمْعُ حَوْراء، والعِين: جَمْعُ عَيْناء. والحُورُ منَ الحَوَرِ وهوَ شِدّةُ بياضِ العينِ وشِدّةُ سوادِها.

وأمّا العِين، فمعْناهُ واسعاتُ العيونِ.

وقدْ قالَ اللهُ تعالى في وصفِهِن: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} وهُنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ أزواجُ قوْمٍ كِرامٍ.

والواحدةُ منْهُنَّ منْ شدّةِ صفاءِ عَظْمِها يُرى مخُّ ساقِها منْ خلالِ الجِلدِ، وذلك منْ شدّةِ جمالِها.

وقدْ ثبتَ في الحديثِ أنَّ نساءَ أهلِ الجنّةِ على رؤوسِهِنَّ خُمُرٌ، الدّنيا وما فيها لا تساوي الخِمار (هذا الذي يُغَطّى بهِ الرأس الذي يَلْبَسْنَهُ نساءُ أهلِ الجنّةِ) وهنَّ يَلْبَسْنَ الخِمارَ تَجَمُّلًا، زيادةً في الحُسنِ. والخِمارُ ما تُغَطّي النّساءُ بهِ رؤوسَهُن.

ثمَّ معَ كَثْرةِ أزواجِ أهلِ الجنّةِ لا يحصُلُ بين نسائِهِمْ تباغُضٌ وغَيْرةٌ وتَحاسُدٌ وتَنافُرٌ وتَحاقُدٌ كما في هذه الدّنيا لأنَّ اللهَ يُطَهِّرُ قلوبَ أهلِ الجنّةِ منْ ذلك.

وليسَ في الجنّةِ عَزَبٌ ولا عَزَبةٌ بلْ كلُّهُم يتَزَوّجون. قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم: “ما في الجنّةِ أعزَب” رواهُ مسلم.

وقوْلُهُ عليه السّلامُ في الحديثِ المذكورِ “في مُقامٍ أبديٍّ” أي في حياةٍ دائمةٍ لا نِهايةَ لها. وقوْلُهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم “في حُبْرة” أي سُرورٍ دائمٍ معْناهُ أنّ أهلَ الجنّةِ في بُحْبوحةِ عيشٍ، أيْ أنَّ عيشَهُمْ واسعٌ لا يُصِيبُهُمْ فيها ضِيقٌ. وكذلكَ لا يَنامونَ لأنّهمْ لا يشعُرونَ بتعَبٍ جِسْمانيّ. اللهُ تعالى رفَعَ التعبَ الجِسْمانيَّ والفكريَّ عنْ أهلِ الجنّةِ، ملأَ اللهُ نفوسَهُمْ سرورًا فلا يجدُ النّومُ مجالًا إليهم.

وأمّا قولُهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم “ونَضْرَة” فمعْناهُ أنَّ وجوهَ أهلِ الجنّةِ ناضِرةٌ أي جميلة، لأنّهم ليسَ عليهم فيها كآبة.

وفي نهايةِ هذا الحديث قالَ الصّحابةُ لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم “نحنُ المُشَمِّرونَ يا رسولَ الله، فقالَ صلى الله عليه وسلم: قولوا إنْ شاءَ الله”، وذلكَ لِيُعَلِّمَهُمُ التّفويضَ إلى اللهِ في أمورِهمْ كلِّها.

الإنسانُ لا يَنبَغي أنْ يَرْكَنَ إلى نفْسِهِ، بلْ ينبَغي أنْ يكونَ اعْتِمادُهُ على ربِّهِ. فمَنْ أرادَ ذلكَ النّعيمَ المُقيمَ فلْيَتّقِ اللهَ بأنْ يُؤدّيَ الواجباتِ ويجتَنبَ المُحَرَّماتِ.

فقدْ روى ابنُ حِبّانَ في صحيحِهِ منْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنّهُ قال “يا رسولَ الله دُلَّني على عملٍ إذا عَمِلْتُهُ دخلْتُ الجنّة، فقال عليه السلام: أطْعِمِ الطعامَ وصِلِ الأرحامَ وصلِّ بالليلِ والنّاسُ نِيام تدخلِ الجنّةَ بسلام”. ففي هذا الحديثِ بيانُ أنَّ مَنْ أخذَ بهذه الخِصال دخلَ الجنّةَ بدونَ عَذاب. يا أرحمَ الرّاحمين يا أرحمَ الرّاحمين يا أرحمَ الرّاحمين أكرِمْنا بدخولِ الجنّةِ بلا عذاب ورؤيةِ النّبيِّ عليه الصّلاةُ والسّلام، اللهُمَّ اجعل هذه الحياةَ زيادةً لنا في كلِّ خير واجعلِ الموتَ راحةً لنا منْ كلِّ شرّ وأكرِمْنا برؤيةِ سيّدِنا محمّدٍ عليه الصّلاةُ والسّلام

وسبحانَ اللهِ وبحمْدِه والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.