لماذا سُمِّيَ القرآن كلام الله؟
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وأصحابِه الطيِّبينَ الطَّاهِرين؛ اعْلَموا أيُّها الأحِبَّةُ حَفِظَكُمُ اللهُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى كَما أخْبرَ عنْ نفسِه ليسَ كَمِثْلِهِ شَىْء. فهوَ لا يُشْبِهُ شيْئًا وصِفاتُه لا تُشْبِهُ صِفاتِ الخَلْق. ومِنْ أهَمِّ مَسائلِ العقيدةِ الإسلاميةِ إثباتُ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لهُ صفةٌ تُسَمّى صِفةَ الكَلام. فكلامُ اللهِ الذي هو صِفةُ ذاتِه ليسَ حرفًا وليسَ صوتًا وليسَ لُغةً. لأنَّ اللغات لمْ تكنْ في الأزلِ فهيَ مَخْلوقة. اللهُ أزَليٌّ لا ابْتِداءَ لهُ وصِفاتُهُ أزَليّةٌ، فإذًا كلامُهُ الذي هو صفةُ ذاتِه ليسَ لهُ بداية وليسَ لهُ نِهاية وليسَ شيئًا مَحْصورًا وليسَ شيئًا مُتَعاقِبًا، ليسَ شيئًا حادِثًا كَكَلامِ المَخْلوقِ. أنا الآنَ حينَ أقولُ “بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم” نَطَقْتُ بالباءِ ثمَّ السِّين ثمَّ الميم وهكذا تَعاقَبَتْ هذه الحُروفُ، الحرفُ يَدْخُلُه التّعاقُب، كلامُ اللهِ الذي هوَ صِفةُ ذاتِه لا يجوزُ أنْ يكونَ مُتَعاقِبًا ولا يجوزُ أنْ يكونَ صوتًا، أنا الآنَ أتكلَّمُ بِصوْتٍ، ما هو الصوتُ؟ الصوتُ يَحْصلُ باصْتِكاكِ الأجْرامِ وانْسِلالِ الهَواءِ، هذا لا يجوزُ في صِفةِ اللهِ تباركَ وتعالى.
فاللهُ تعالى نحنُ المخلوقينَ لا نستطيعُ أنْ نَتصوَّرَهُ ولا نستطيعُ أنْ نَتَصوَّرَ صِفاتِهِ أيضًا فنُؤمنُ أنَّ لهُ كلامًا ليسَ كلامًا حادِثًا ليسَ كلامًا مُتَعاقِبًا ليسَ كلامًا مَخْلوقًا كَكَلامِ الخَلْقِ. اللهُ تعالى لا يُسَمّى ناطِقًا، النّاطِق الإنسانُ يُسَمّى ناطقًا، الجِنُّ يُسَمّى ناطِقًا، المَلَكُ يُسَمّى ناطِقًا. هذا القرءانُ الكريمُ والإنجيلُ الذي أُنزِلَ على عيسى عليهِ السّلامُ والتَّوْراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى عليه السلامُ وسائرُ الكتبِ، هذه أخَذَها جبريلُ عليه السلامُ بأمرٍ مِنَ اللهِ مِنَ اللّوْحِ المَحْفوظِ ثمَّ هو صارَ يَتْلو يقرأُ على الأنبياءِ، فالقراءةُ كانتْ منْ جبريلَ على النّبيّ. قالَ اللهُ تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} إذا قرَأَهُ جِبريلُ عليكَ يا مُحَمّدُ بِأَمْرِنا فأَنْصِتْ لقِراءَتِه.
فهذهِ الحروفُ المَوْجودةُ في القرءانِ الكريمِ هي عبارةٌ عنْ صِفةِ اللهِ تباركَ وتعالى وليستْ عيْنَ الصفةِ التي هي قائمةٌ أيْ ثابتةٌ للهِ تباركَ وتعالى.
جبريلُ قرأَ على سيِّدِنا محمّدٍ عليه الصَّلاةُ والسّلامُ، الرسولُ عليهِ السَّلامُ قرَأَ على الصَّحابةِ، وهكذا بسِلْسِلةٍ مُتَّصِلةٍ حتّى وصَلَتْ إلَيْنا. هذا الكلام الذي نحنُ نَقْرؤُهُ هوَ عِبارةٌ عنْ صِفةِ اللهِ تباركَ وتعالى.
فإذا سُئِلْتَ لِمَ يُسَمّى كلامَ اللهِ؟ لأنهُ ليسَ مِنْ تأليفِ سيِّدِنا مُحمَّدٍ وليسَ مِنْ تَصْنيفِ جِبريل عليهِما السلام، إنَّمَا شَىْءٌ أخَذَهُ جِبريلُ مِنَ اللوحِ المَحْفوظِ ثمَّ نزَلَ بهِ على سيِّدِنا مُحمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم .
فهذهِ عقيدةُ كلِّ المُسلمينَ أنَّ اللهَ لا يُشْبِهُ شيئًا مِنْ خَلْقِهِ وأنَّ صِفاتِه ليْسَتْ كَصِفاتِ الخَلْقِ كَما قالَ في القرءانِ الكريمِ وهيَ أعظمُ آيةٍ في تنزيهِ اللهِ في سورةِ الشورى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
والحمدُ للهِ وصلَّى اللهُ وسلّم على سيِّدِنا مُحمَّد وعلى ءالهِ وصحبِه الطَّيِّبينَ الطّاهِرين.