مَا هِيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ الذِي حَمَلَ أُمَّهُ إِلَى الحَجِّ مِنْ بِلادِ فَارِسٍ؟
مَا هِيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ الذِي حَمَلَ أُمَّهُ إِلَى الحَجِّ مِنْ بِلادِ فَارِسٍ؟ ومَاذَا قَالَ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ؟
سنتكَلّم عنْ حديثٍ فيهِ نَهْيٌ عنْ ثلاثةِ أمورٍ مُحَرَّمة وثلاثةِ أمور منَ المَكْروهات. اسْمَعوا معي، قال عليه الصّلاةُ والسّلام: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ”.
هذهِ الثلاثة الأولى مُحَرَّمة منَ الكبائرِ، والثلاثة الآخرة هيَ منَ المَكْروهاتِ دونَ الحَرامِ.
ولِفَهْمِها انْتَبِهْ معي؛ الرسولُ قالَ عليه الصلاةُ والسلام “إنَّ اللهَ حرَّمَ عليكمْ عُقوقَ الأمّهات” لأنَّ عُقوقَ الأمَّهاتِ أشدُّ إثمًا مِنْ عُقوقِ الآباءِ، وبِرُّ الأمَّهاتِ أكبرُ ثوابًا مِنْ بِرِّ الآباءِ، لكنْ عُقوقُ الأمَّهاتِ منَ الكبائرِ وعُقوقُ الآباءِ منَ الكبائرِ. ولا يجوزُ لنا أنْ نكونَ منَ العاقِّين، لذلكَ عليْنا بِبِرِّ آبائِنا للهِ تعالى. قال العُلماء: ولوْ غَرِقْتَ بِبَحْرٍ منَ المَكْروهات، لكنْ لا نُطيعُهُمْ في مَعصيَةِ اللهِ، لا طاعةَ لِمَخْلوقٍ في مَعْصيَةِ الخالِقِ.
إذًا نحنُ حرَّمَ اللهُ علينا عُقوقَ الأمَّهاتِ، لذلكَ أحْبابي أُذَكِّرُكُمْ بأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها.
سيِّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عُمر رأى رجُلًا يَحْمِلُ أمَّهُ على كَتِفَيْهِ ويَطوفُ بها حَوْلَ الكَعْبةِ. هذا الرَّجلُ سألَ سيِّدَنا عبدَ اللهِ ابنَ عُمر رضيَ اللهُ عنْهُما قالَ له “أتَيْتُ بأُمّي منْ بلادِ فارسٍ (تَبْعُدُ آلافَ الكيلومتْرات عنْ مكّة) على الأكْتافِ وسَأُشْهِدُها المَشاهِد على الأكْتافِ (يعني سأُؤَدّي مناسِكَ الحَجِّ بها على الأكْتافِ) وسأَعودُ بها إلى بَلَدِها على الأكْتافِ، هلْ أكونُ وَفَّيْتُها حَقَّها؟ قال ولا قَدْر طَلْقة (أي الألم الذي تشْعُرُ بهِ الأمُّ عندَ الوِلادةِ، أي أمُّكَ لها عليكَ الكَثير).
“إنَّ اللهَ حرَّمَ عليكمْ عُقوقَ الأُمَّهاتِ ووَأْدَ البناتِ”، هذا كانَ يُفْعَلُ في الجاهلية يَدْفِنونَ البِنْتَ وهيَ حَيَّة وهذا مِنْ قَتلِ النَّفْسِ التي حرَّمَ اللهُ بِغَيْرِ حقٍّ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حقٍّ أكبَرُ الذُّنوبِ بعدَ الكفرِ والعِياذُ باللهِ تعالى.
“وحَرَّمَ عليكُمْ مَنْعًا وهات” ما معنى ذلك؟ أي أنْ يَمْنَعَ حقَّ اللهِ في مالِهِ. وَجَبَتْ عليهِ الزّكاة فَمَنَعَها بِغَيْرِ حقٍّ، وجَبَتْ عليهِ نَفَقة أمِّهِ الفقيرة فَمَنَعَها بِغَيْرِ حقٍّ ونَحْوِ ذلك.
“مَنْعًا وهات” أيْ يَجْمَعُ المالَ مِنْ غيْرِ مُبالاةٍ حلال حرام لا يَنْظُرُ فيمَا هوَ مُوافِقٌ للشَّرْعِ، هذا الإنسان آثِمٌ والعِياذُ باللهِ تبارَكَ وتعالى.
قالَ عليه الصّلاةُ والسّلامُ “إنَّ أُناسًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بَغَيْرِ حقٍّ فلَهُمُ النّارُ يَوْمَ القِيامةِ” نسْألُ اللهَ السّلامة.
قال “وَكَرِهَ لكمْ قيلَ وقالَ” انْتَبِه، هنا القيلَ والقالَ المُرادُ بِها ما دونَ الحرام يعني ما دونَ الغِيبَة ما دُونَ النَّميمَة ما دونَ الكَذِب، أي الكلام الذي هوَ مُباحٌ ولكنْ كَثُرَ الكلامُ بهِ ما دونَ الحَرام، أمّا إذا وصلَ إلى الحَرامِ فَحرام. وهذا يَجُرُّ إلى الحَرام. فانْتَبِه! احْفَظْ لِسانَك.
سيِّدُنا أبو بكر رضيَ اللهُ عنهُ وأرْضاهُ الصّدّيق الذي هوَ أفضَلُ هذه الأُمَّة بعدَ نبِيِّها محمَّدٍ عليه الصّلاةُ والسّلامُ قال عنْ لِسانِهِ “هذا (أي اللسان) كَمْ أوْرَدَني المَوارِد” يعني يُوقِعُ في المَهالِك.
قال”وكَرِهَ لكمْ قيلَ وقالَ وكَثْرةَ السؤال” أي عمّا لا يَعْنِيك، أمَّا أنْ تَسْألَ عمّا يَعْنِيكَ في أمْرِ الدِّين فَنعَمْ نَسْأل، حتّى إنَّ نساءَ الأنْصارِ مُدِحْنَ لِماذا؟ كانَ الحَياءُ لا يَمْنَعُهُنَّ عنْ التَّفقُّهِ في أمْرِ الدِّين. فلا تَسْتِحِ في أمرِ الدِّينِ، اسْألْ عمّا يَعْنِيكَ في أمْرِ دِينِكَ، وأمّا ما لا يَعْنِيك قالَ عليه الصّلاةُ والسّلام “مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه”.
“وكَرِهَ لكُمْ قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السؤال” ((ما هيَ الثالثة؟)) وإضاعةَ المالِ” انْتَبِه! إضاعةَ المالِ أي ما دونَ الحَرام، أمّا إذا صَرَفْتَ المالَ في الحَرام فحَرام، هذا التَّبْذير. وأمَّا المَكْروهُ الذي قالَ عنهُ الرسولُ وهوَ دونَ الحَرام هوَ كالّذي مثلًا يشْتَرِي عشر جُبَب، يَشترِي عشر بُيوت منَ الحَلال، يُكْثِرُ منَ الطعامِ يُكْثِرُ مِنَ التَّنَعُّمِ دونَ الحَرام، هذا مَكْروهٌ، هذا تَرْكُهُ خَيْرٌ.
نسْألُ اللهَ تعالى أنْ يَحْفَظَنا منَ الحَرامِ والمَكْروهاتِ وأنْ يَتوَفَّانَا وهوَ راضٍ عنّا وآخِرُ دَعْوانَا أنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمين.