الأحد مارس 1, 2026

في وقت انتشار كورونا كونوا أبطال الميادين في إنقاذ المرضى والفقراء والمحتاجين

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد طـٰه الأمين، وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكرَّم وبارك وعظَّم وعلى جميع إخوانه من النَّبيِّين ورضيَ الله عن جميع الأولياء والصالحين أما بعد،

فإن الله عزّ وجلّ يقول في القرءان الكريم: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

وقال ربُّنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: “يا ابنَ آدم أَنفِقْ يُنفَق عليك”

 

الله تعالى حثَّنا وحضَّنا على فعل الخيرات وبذل المعروف والإحسان، وعلى تقديم الطاعات والعبادات للآخرة وأن نتزوَّد من هذه الدنيا بما ينفعنا للقبر ولِما بعد الموت.

ومن الأمور العظيمة والمهمة في هذا العصر، وفي هذا الزمن الذي ضاق فيه الأمر على الناس وعَظُمَت البلايا وكَثُرَت المصائب وقلَّت الأعمال، وفُقِدَت الأموال من أيدي كثيرٍ من الناس ولا سيما الفقراء والطبقة المتوسطة.

 

ما الذي ينبغي علينا في مثل هذا الحال وفي مثل هذا الوقت؟ ينبغي أن لا نبخَل وأن لا نحبِس المال عن الفقراء، وأن لا نَخزِن الأموال في البيوت أو هنا وهناك ونترك الناس يموتون بالمرض والهم والفقر والضَّياع والمَجاعة، بل ليس من صفات الرجال ولا من الشهامة ولا من الفُتُوَّة أن تعرِفوا بأحوال جيرانِكم أو بأحوال بعضِ أقاربِكم أنهم هالِكون ضائعون بالمرض والفقر وأنتم في بُحبوحة من العيش، تُعرِضون عن مساعدتهم، تتركونهم للهلاك والضياع. اعلموا أن هذا ليس من الفُتُوَّة ولا من الشهامة ولا من صفاتِ الأسخياء ولا من صفات الرجال.

يا إخواني توكَّلوا على الله، كونوا مُتوكلين على الله واثِقي القلب برَبِّ العالَمين؛ هو سبحانه الرزاق، هو الذي أعطانا من النِّعَم والخيرات ما لا نقدر على إحصائه.

هو الذي قال: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، وهو سبحانه الذي قال: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، وهو تقدَّست أسماؤه الذي قال: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}

 

يا إخواني ويا أحبابي في الله، الآن في الشدائد تُعرَف معادن الرجال، فالغياثَ الغياث لإنقاذ المضطرين، الغياثَ الغياث لإسعاف الهالكين والضائعين بالمرض والجوع والفَقر، فكم من مؤسسات أُغلِقت، وكم من محال حتى الصغيرة قد أفلست.

أنتم ينبغي أن تكونوا في هذا العصر في هذا الزمن في هذا الوقت العصيب والصعب والشديد أن تكونوا من أبطال الساحات، وأنَّ تكونوا من أبطال الميادين الذين يمُدُّون يدَ الخير والمساعدة والإنقاذ، إن كان بالكلمة وبالعون الحقيقي وبالمال وبالطعام وبالشراب وبالدواء وباللباس.

 

إخواني، ابدؤوا بالأقارب، ابدؤوا بالأرحام. ثم ابدؤوا بعدهم بالجيران ثم بالأبعد فالأبعد إلى أن يَعُمَّ الخير كلَّ أهل الحيّ، كل أهل المحلَّة والمنطقة والبلد بعد ذلك.

 

انظروا في الذين حولكم أين فلان؟ إن أقعَده المرض في المستشفى، سَلوا عن أهله، صِلوهم أعطوهم أوصلوا لهم الطعام والشراب، إن كان فلان يحتاج الدواء ساعدوه بالدواء. وتذكَّروا يا إخواني أن الله مُطَّلِعٌ عليكم فإن قَصَّرتم فعليكم، وإن أحسَنتُم فلَكُم. فلا تكونوا من البخلاء، ولا تكونوا من الجبناء الذين يُحجِمون عن إِنقاذِ الناس. قال عليه الصلاة والسلام: “ومن فَرَّجَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَب الدنيا فَرَّجَ الله عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة”.

فهَلُمُّوا جميعًا لمساعدة اليتيم والفقير والأرملة والذي أَقعَدَه المرض. انظروا في الذين انقطعوا عن العمل ولا مالَ لهم، كان طعامُهم يومًا بيوم والآن عجَزوا عن جمع المال والطعام، أين أنتم؟ إن كان الطعام الذي في أَيديكم يكفي لعشرة فوَزِّعوا وأَبقوا لأنفُسِكم ما تحتاجون إليه. وإن كان المال الذي في أَيديكم يكفي لخمسة فوَزِّعوا وأَبقوا ما في أيديكم مما تحتاجونه الآن ولا تدَّخِروا وأنتم تعلمون أن من الناس من يهلكون ويضيعون.

توكلوا على الله فإن الله يعطي الكثير على العمل الصالح القليل والرَّزَّاق هو الله والمال مال الله.

إخواني انظروا في الذين لا يستطيعون شراء الخبز لإطعام أبنائهم، انظروا في الذين خجِلوا أن يطلبوا الخبز لأيتامهم فلا تكونوا ممن قسَت قلوبُهم وأعرَضوا عن فِعل الخَيرات، لا تكونوا كالذين نسوا الآخرة، لا تكونوا كالذين لا يذكرون الموت والبِلى والسؤال والحساب، بل اذكروا أنكم ستقفون للسؤال والحساب، وما هو جوابكم؟؟

إن كنتم مِمَّن ضيَّع هؤلاء الفقراء أو هؤلاء المرضى، ما هو جوابكم؟

إن كنتم مِمَّن ضيَّع الرَّحِم والمحتاج في هذا الوقت الصعب.

 

نحن يا إخواني بسبب هذا المرض الذي انتشر في الناس في البلاد في الدنيا صِرنا وكأننا في حرب!! الناس في البيوت، لكن كيف يصِلهم الرِّزق؟ منهم المُتَوَكِّل على الله، الصابر القانع الذي لا يَمُد يدَه إلى الناس ولا يسأل ولا يطلب. أنتم تَفَقَّدوه، سَلوا عنه، أَوصلوا إليه ما يحتاج إليه من دواءٍ وطعام وشراب. كونوا من الأجواد، كونوا من الأسخِياء.

قال عليه الصلاة والسلام: “اتَّقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرة”. كونوا كما قال عليه الصلاة والسلام: “صنائِعُ المعروف تقي مصارِعَ السوء”. بهذه الحسنة وبهذه المساعدة وبهذا العمل قد تُحفَظ وأبناؤُك من هذا المرض الخطير، قد تُحفَظون من المصائب.

أليس في بعض الأحاديث: “داووا مَرضاكُم بالصدقة”. الصدقة لها سِرّ، الصدقة شأنها عظيم.

واسمعوا يا إخواني ويا أخواتي، يُروى أن امرأةً مسلمةً كان لها زوجٌ في الحصاد فأرادت أن تَخرُج له بطعامه، بغدائه. قبل أن تخرج أخذت رغيفًا من الخبز وتصدَّقت به على فقير، ثم حملت هذا الطعام وتوجهت إلى أرضِهم إلى حيث يعمل الزوج، إلى الحصاد، رأت أن السَّبُع قد التَقم ولدَها، ورأت أن يدًا امتدت ولَطَمَت هذا السَّبُع ودفعته عن ابنها، وسمِعت هاتِفًا يقول لها “خُذي وَلَدَكِ، لقد جُوزِيتِ لُقْمَةً بلُقْمَةً”، فيحتَمِل أن يكون ملَكًا من الملائكة هو الذي أرسله اللهُ لِحِفظِ ابنها ببركة هذه الصدقة.

الصدقة تقي مصارع السوء، الصدقة سبب في رفع البلاء ودفع الوباء، سببٌ في التيسير وقضاء الحاجات وتوسيع الرّزق.

يا إخواني لا تنتظروا المرضَ أن ينزِل فيكم وفي أولادكم لِتَتَصَدَّقوا بعد ذلك. الآن عَجِّلوا تصدَّقوا على نية أن يُفرَّج عنكم وعن الأمة، على نية أن تُحفَظوا ويُحفَظ أحبابكم من هذا المرض الخطير وأن يُفَرَّج عنكم وعن الأمة وأن يُرفَعَ الكرب والهم والغم والبلاء والوباء والأمراض والزلازل والطوفان والحرائق والجوع عن الأمة.

عجِّلوا بالصدقات، الجؤوا إلى طاعة الله، الجؤوا إلى عبادة الله، الجؤوا إلى الإكثار من الصلاة، إلى الإكثار من التضرع والدعاء.

الدعاء سِرُّه عظيمٌ كبيرٌ مبارَك.

فلا تبخلوا على أنفسكم، كونوا من أبطال الساحات في هذه الحرب أو في ما يشبه الحرب. كونوا أبطال الساحات والميادين في الجود والسخاء، في الكرم في العطاء بالوفاء بِصِلة الرحم بقضاء الحاجات، بالسؤال عن المحتاج وعن الأرملة والفقير وعن المريض.

تفقَّدوا أحوال الناس، لا تُسلِموهم ولا تتركوهم للضياع والهلاك.

 

نسأل اللهَ تعالى بِحُرمَة القرءان العظيم بحقِّ سُور القرءان، بآيات القرءان، بحقِّ أسماء الله الحُسنى وبكرامة وجه نبيِّنا المصطفى صلَّى الله عليه وسلم أن يرفع سبحانه وتعالى البلاء والوباء والغلاء والجوع والأمراض والحروب والاقتتال، والفِتَن عن الأمة إنه على كل شىء قدير. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.