الأحد مارس 1, 2026

لا يَنالُ العِلْمَ مُسْتَـــحٍ

 

الحياءُ منَ القضايا المُجْمَعِ عليها بأنّها مطلوبة في كلِّ الشرائعِ، كلُّ نبيٍّ حثَّ أمَّتَهُ على الحَياء. الحياءُ المُرادُ بهِ هنا الحياءُ الممْدوحُ. هو خجلٌ يحصُلُ في نفْسِ الإنسان يكونُ في قلبِهِ، إذا تحقَّقَ به، إذا اتّصَفَ به الإنسان يمْنَعُهُ مِنْ أنْ يفعلَ ما هوَ مَذْمومٌ شرْعًا أوْ عُرْفًا. إمّا في الشرعِ أوْ في عُرْفِ أهلِ الفَضلِ، الذي هو مُتَّصِفٌ بهذا الحَياء ما كانَ يَسْتَقْبِحُهُ أهلُ الفَضْلِ أيضًا يَبْتَعِدُ عنهُ.

وهذا الحَياء ناشئٌ عن مُراقبةِ اللهِ عزَّ وجلّ، لأنّهُ إذا علِمَ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يراهُ وهوَ مُطّلِعٌ عليه واسْتَحْضَرَ ذلكَ في قلبِهِ خجِلَ أنْ يراهُ اللهُ تعالى وهوَ يفعَلُ ما لا يُحِبّه، خجِلَ أنْ يراهُ اللهُ تعالى وهو يفعلُ القبيح، وهذا يَدفَعُهُ إلى المَعالِي ويَدْفَعُهُ إلى تَحَمُّلِ المشَقّاتِ في الطّاعة وهوَ مُعْتَمِدٌ على اللهِ وحْدَهُ، وعلى هذا مَدارُ الإسلامِ. أقلُّ درَجاتِهِ أن لا توجَدَ حيثُ نُهِيتَ وأنْ لا تُفْقَدَ حيثُ أُمِرت. أقلُّ درَجاتِهِ أن لا تكون (يعني أنْ لا تفعلَ ما نُهِيتَ عنْ فِعْلهِ)، وأنْ لا تتْرُكَ ما نُهِيتَ عنْ تَرْكِهِ، ما أمِرْتَ بِفِعْلِهِ، هذا أقلُّ درجاتِهِ.

أمّا الحَياءُ المَذمومُ فهوَ الحَياءُ الذي يَمْنَعُ منَ الخيرِ تَغْلِيبًا لِجانِبِ النّاسِ للحَياءِ منَ النّاسِ على الحَياءِ منَ اللهِ تعالى، هذا حَياءٌ مَذْمومٌ، وهذا في الحقيقةِ عجزٌ وضَعْفٌ. وفي مِثْلِ هذا قالوا لا يَسْتَحيي الشيخُ أنْ يتَعَلَّمَ العِلمَ كما لا يسْتَحْيي أنْ يَأكلَ الخُبزَ.

وكانتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها تَمْدَحُ نساءَ الأنصارِ قالت “لمْ يَمْنَعْهُنَّ حياؤُهُنَّ منَ التَّفَقُّهِ في الدِّين”. ونساءُ الأنصارِ كُنَّ شديداتِ الحَياء. كانت الواحدة منْهُنَّ إذا خرَجَتْ في الطريق تسْتُرُ وَجْهَها تُبْدِي عيْنًا وتُخْفِي عيْنًا مِنْ شدّةِ حيائِها، ومعَ ذلك كُنَّ يُقْبِلْنَ على التّفقُّهِ في الدّينِ لا يُضَيِّعْنَ ذلكَ.

ولذلكَ كانت السيِّدة عائشة رضيَ الله عنها تَمْدَحُهُنَّ. وهذا الحَياءُ المَذْمومُ هو الذي قالَ فيه مُجاهِد (تلميذُ ابنِ عبّاس) “لا يتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحٍ ولا مُتَكَبِّر”.

كما يفعلُ بعضُ النّاسِ يكون لهُ عندَ النّاسِ رُتبة، يُعَظِّمونَهُ فلا يَرضَى أنْ يَقْعُدَ بينَ مَنْ همْ دونَهُ رُتْبة حتّى يَتَعَلَّمَ العِلْمَ فيَتْرُكُ ذلك، يسْتَحِي هذا الحَياء المَذموم فيَترُكُ التّعَلُّم. أحيانًا يريدُ أنْ يسْتَفْهِمَ عنْ شىءٍ لمْ يَفْهَمْهُ جيِّدًا، أحيانًا لا يفْهَمُ شيئًا جيّدًا فيقولُ في قلبِهِ “الآن إذا سألْتُ يعْرِفونَ أنّني لمْ أفْهَمْ”، فيَسْتَحِي منَ النّاسِ حتّى لا يقولوا لمْ يَفْهَمْ يَتْرُكُ السؤال، فيَبْقَى على الجَهْلِ بسببِ هذا الحَياء المَذموم.

وهكذا حالاتٌ عديدةٌ تُشْبِهُ هذا.

فلا يَنْبَغي للإنسانِ أنْ يَتْركَ هذا الحَياءَ المَذمومَ يُسَيْطِرُ عليه ويَقودُهُ.