السبت فبراير 28, 2026

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ

في هذه الآية حثٌّ وحضٌّ على متابعة أخلاق الأنبياء. والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن أقل من هؤلاء الأنبياء صبرًا وحلمًا وحكمةً وتواضعًا وسخاءً وجودًا وعفوًا، لا، النّبيّ ليس أقل منهم بل هو أفضل الأنبياء.

إذًا فما معنى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}؟ هذا توجيهٌ للأُمَّة، يعني أمرٌ للنّبيّ ليَتَّبِع هؤلاء الأنبياء فيما كانوا عليه من هذه الخِصال، وهذا لا يعني أنّه كان ضعيفًا أو كان أقل منهم، أو أنّه لم يكن مُتحليًّا بهذه الأخلاق حاشا.

ليس هذا معنى الآية. هو بلغ الغاية في ذلك صلى الله عليه وسلم، لكن في أمره أن يقتديَ بهؤلاء الأنبياء فهو أمرٌ لأمَّتهِ من باب أولى. ولا مانع ولا ضَيْر في أن يُؤمرَ من كان على الأخلاق العظيمة العُليا أن يقتديَ بمن قبلهُ من الأنبياء ليكون زيادةً في التَّرقي والكمالات. لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع أنّه أشرف خلقِ الله لكنّه يترقَّى من كمال إلى أكمل، وهذا لا يَقدَح في عُلوِّ مقامه، هذا لا يقدح في علو شأنه، هذا لا يقدح في علو منزلته، في عظيم شأنه، لا يقدح ولا يطعن، إنّما النّبيّ يترقى في الكمالات من حسن إلى أحسن وهكذا.

بل في الحسن يترقى في الكمال يترقى. وهذا لا يعني أن هؤلاء الأنبياء كانوا أفضل منه رتبةً أو مقامًا، لا، هو أفضل منهم.

والأدلة القرآنية والحديثية والإجماع على أفضلية نبيِّنا محمّد صلى الله عليه وسلم على كل الخَلق، على كل العالمين، أُمِر أن يقتدي بهم فيما هو متصفٌ به ليترقى أكثر وأكثر في هذه الخصال، لذلك قلتُ لكم هو بلغ الغاية. وفي هذا الأمر توجيهٌ لأمَّته يعني ليَقتَدوا هم بهؤلاء الأنبياء الكرام أيضًا، هذا أمر لهم من باب أولى.

الرسول عليه الصلاة والسلام هو أرحم خلْقِ اللهِ بعبادِ الله. وهو أرحم بالناس من أنفسهم بأنفسهم. وهو أرحم بنا من أمهاتنا وآبائنا. مع ذلك،  اللهُ ماذا قال له ؟ {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} هل الرسول قصَّرَ معهم؟ هل الرسول أهملهم؟ هؤلاء الفقراء أهل الصُّفَّة الذين كان الواحد منهم من شِدَّة الجوع من شِدَّة الفقر يقع مغميًّا عليه، جاءوا وأووا إلى المدينة ولم يكن لهم أهل في المدينة ولا تجارة. صاروا يبيتون في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وينقلون الماء إلى المسجد لأجل أن يتوضأ به الناس، ويخدمون المسجد ويتعلمون من الرسول، وبعد العشاء أبو بكر الصديق رضيَ الله عنه وأرضاه يأخذُ عددًا منهم إلى بيته يُطعِمُهم ويعودون إلى المسجد فيبيتون فيه. عمر يأخذ عددًا منهم وهكذا من يستطيع من الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام  يأخذ عددًا ثم يعودون إلى المسجد فيبيتون فيه. هؤلاء الكرام الصحابة الأجِلّاء كانوا في شدة الفقر والحاجة بعض هؤلاء كان يسقط على الأرض من الجوع. اللهُ ماذا قال لنبيِّهِ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} أي اقعُدْ معهم، أحسِنْ إليهم، هل كان الرسول قصَّر في ذلك؟ لا. لكن هذا لزيادة الخير للترقي، للمزيد في الخير، وهكذا {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.