السبت فبراير 28, 2026

الخُلَّـــةُ والوَسيلَـــةُ

“الخُلَّةُ” مقامٌ لمْ يَنَلْهُ إلّا اثْنان؛ وهما سيِّدُنا إبراهيم عليه الصلاةُ والسلام، سُمِّيَ “خليلَ الله”، وسيِّدُنا محمّد صلّى اللهُ عليهما وسلَّم.

هذا “المقام الخليل” يُقالُ لِكُلِّ واحدٍ منهما والمقامُ هو الخُلّة، ليسَ معناهُ أنّهُ صديقُ الله. لا يُقالُ عنِ اللهِ صديق أو لهُ صديق، هذا لا يليقُ باللهِ عزّ وجلّ.

وهناك مَقاماتٌ أخرى منها “الوسيلة”، والنَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلّم أخبرَ بأنَّ هذا المقام لا يكونُ إلّا لشخصٍ واحدٍ.

وقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: “أرجو أنْ أكونَ أنا”. ونحنُ كذلك علّمَنا الرسولُ صلى الله عليه وسلم أنْ نَدعوَ لهُ “بالوسيلة”. فعَلَّمَنا عليه الصلاةُ والسلامُ أنّهُ بين الأذانِ والإقامة ندعو بهذه الكلمات “اللهمَّ ربَّ هذه الدّعوةِ التآمّة والصلاةِ القآئمة آتِ محمّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ وابْعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعَدْتَهُ”. فإنّكَ إنْ واظَبْتَ على هذه الكلماتِ بينَ الأذانِ والإقامةِ النَّبيُّ قال صلى الله عليه وسلّم: “وجَبَتْ لهُ شَفاعَتي”، اللهُ يُشَفِّعُ النَّبيَّ فينا، صلى الله عليه وسلّم.

وهناكَ مقام الذي هو “المقامُ المحمودُ”، هذا ليسَ معناهُ كما يُفْتَرى على ابنِ عباس وعلى مُجاهد تلْميذِهِ بأنَّ اللهَ جالسٌ على العرشِ وأنّهُ يُقْعِدُ محمّدًا أمامَهُ يومَ القيامة، فهذا تشبيهٌ للهِ بخلْقِهِ وهو كفرٌ يُخْرِجُ منَ الإسلام.

وهناك مقام يُقالُ لهُ “الإحسان”. هذا مقام النَّبيُّ في حديثِ جبريل فسَّرَهُ وقال عليه الصلاة والسلام: “أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تراه فإنْ لمْ تكُنْ تراهُ فإنّهُ يَراكَ”.

اللهُ تعالى بصرُهُ ليسَ بِجارِحة، ونحنُ في الدنيا لا نرَى اللهَ تعالى بهذه العين الفانية. وأمّا يومَ القيامةِ المؤمنونَ يرَوْنَ اللهَ بِلا كيفٍ ولا مكان. اللهُ يرزُقُنا “مقامَ الإحسان”.

وهناكَ مقاماتٌ أخرى منها أنَّهُ تسمَعُ أحيانًا يُقال عنِ الوليِّ الفُلانيِّ هذا “قُطب أو قُطبُ غوْث” وهي درجةٌ في الولايةِ مَنْ رُزِقَها يكونُ لهُ شأنٌ عندَ اللهِ تباركَ وتعالى.

وهناكَ “الأوْتاد”، والوَتَدُ أي مَنْ لهُ قَدَمٌ راسِخَةٌ في الوِلاية. ما معنى “الوِلاية” في الأصل؟ أنْ يكونَ الشخصُ وصلَ بأداءِ الواجبات واجتنابِ المُحَرّماتِ والإكثارِ منَ النّوافلِ فيصيرُ وليًّا للهِ تباركَ وتعالى، أي مِنْ أحبابِ الله. وحبيبُ اللهِ لا يَنْقَلِبُ عدوَّ الله.

هؤلاءِ الأولياء على درجات، ومنهمْ مَنْ يُقالُ لهمُ الأبْدال، وردَ في حديثٍ ضعيفٍ لكنْ يُعمَلُ به بأنّهمْ يكونون أربعينَ في كلِّ زمَن إذا ماتَ واحد خلَفَهُ آخَر.

وهناكَ أيضًا منَ الأولياءِ الأخْفِياءِ الذين ذكَرَهُمُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم أنّهُمْ إذا حَضَروا لمْ يُعْرَفوا وإذا غابوا لمْ يُفْتَقَدوا. اللهُ يجعَلُنا منَ الأولياء.

وهناكَ “الشهادة”، هذه الشهادة أعلاها شهادةُ المَعرَكة. ومنها مَنْ ماتَ غرَقًا شهيدُ الغرَق، وشهيدُ الحَرقِ، والمُتَرَدّي مِنْ أعلى إلى أسفل، كلُّ أنواعِ الشهادةِ لا تكونُ إلّا للمسلمِ الذي نالَها يُغفَرُ لهُ بالشهادةِ.

وأمّا “الوِلاية” فهيَ أعلى منَ الشهادةِ رُتبةً عندَ اللهِ تعالى. أمّا النُّبُوَّة فهي أعلى مقام عند اللهِ ولا يصِلُ أيُّ وليٍّ منْ أولياءِ اللهِ مقامَ أقلّ نبيّ منْ أنبياءِ اللهِ تباركَ وتعالى.

بعِبارةٍ أخرى، نبيٌّ واحدٌ أفضلُ مِنْ كلِّ الأولياء عليهمُ السلام. لذلك الولاية هيَ مَرتبَةٌ دونَ النُّبُوَّةِ.

اللهُ يجعلُنا منَ الأولياءِ ويَمُدُّنا بأمدادِ الأنبياءِ والأولياءِ والملائكة، وآخِرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.