السبت فبراير 28, 2026
      • عقيدة التوحيد مذهب أهل السنة والجماعة

        قَالَ مُعَلِّم التَّوحِيدِ والتَّنزِيهِ العَالِمَ العَلَّامَةَ الفَقيهَ الحَافِظَ المُحَدِّثَ الشَّيخَ عبدَ اللهِ الهَرريِّ رضيَ اللهُ عَنهُ وأَرْضَاه: 

        بارك الله فيكم ورعاكم وحفظَكم وأحسنَ عاقِبَتَكم وجعلكم منْ أنصارِ مذهبِ أهلِ السنّةِ الذي أوْصى به الرسول وحذّرَ منْ مفارقَتِه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:عليكم بالجماعةِ وإيّاكمْ والفُرْقة”الجماعةُ ما كان عليه أصحابُ رسولِ الله” معنى الحديث الزَموا ما كان عليه أصحابي من العقيدة وإياكم والفُرقة أي منْ أنْ تشِذُّوا ممّا عليه أصحابي. الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم كانوا على عقيدةٍ واحدة. في أصولِ العقيدة كلُّهم متّفقون، أما في الأحكام فقد اجتهدوا في المسائلِ التي ما وجدوها في القرآن ولا في حديثِ الرسولِ لا سمِعوها من الرسولِ ولا وَجدوها في القرآن، اجتهدوا فاخْتلفَ اجتهادُهم وهذا ليس فيه ضررٌ.

        بعدَ وفاةِ الرسولِ حصلت حادثة وهي أنَّ رجلًا مات وتركَ إخوةً وجَدًّا هذه المسئلة إرْثُها ليس واردًا في القرآن ولا سَمِعوها منْ رسولِ الله أنَّ هذه القضية ميراثُها كذا وكذا، هل يرِثُ الجَدُّ والإخوةُ معًا أمْ يَنْفَرِدُ الجَدُّ بالميراثِ ولا ترِثُ الإخوة. ما كان تكلَّمَ بها الرسولُ وليست مذكورةً في القرآن، فاجتهدَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال الجَدُّ بمعنى الأب فالإخوةُ لا ترِثُ كما أنهُ إذا تركَ الرجلُ أباه فلا ترث أي الإخوة فقال الجد مكانه. أمّا سيّدُنا عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ قال يشترِكان،ِ الجد والإخوة يشتركان في الميراثِ وكِلا الاجتهادَيْنِ لا بأسَ به، مَنْ شاءَ يعمَلْ باجتهادِ أبي بكر ومَنْ شاءَ يعملْ باجتهادِ عليّ.

        أمّا في الاعتقاد كان الصحابةُ كلُّهم على عقيدةٍ واحدةٍ وهي أنّ اللهَ تباركَ وتعالى موجودٌ لا يشبهُ شيئًا سواه، لا يشبِهُ شيئًا من العالَمِ كما جاءَ في القرآن: {ليس كمثلِهِ شىء} معنى الآية أنّه لا يشبهُ اللهَ موجودٌ من الموجوداتِ، لا يشبِهُهُ الجسمُ الثقيل ولا الجسمُ اللطيف، لا يشبهُ الإنسان ولا الملائكة ولا الروح ولا النور ولا الظلام ولا الأجسامَ الصَّلبة كالحجرِ والشجر والجواهر، وأنّهُ كان قبلَ كلِّ شىء كان قبلَ الزمانِ والمكانِ لأنهُ موجودٌ لا ابتداءَ لوجودِهِ فكيفَ يكونُ مع الزمان؟ كيف يكونُ مُقْتَرِنًا بالزمان، ثمّ كانَ قبل الفراغ وقبل العرشِ وقبلَ السمواتِ وقبلَ الأرض وقبل الجهاتِ الستّ كان موجودًا بِلا مكان، ثمَّ أوجدَ هذا العالم خلقَ الماءَ أولًا ثمّ العرش، العرشُ سريرٌ عظيمٌ لهُ قوائم هو فوق الماء هذا العرش، ومنْ ذلك الماء خلقَ اللهُ كلَّ شىءٍ حتى النور والنار خلقَ اللهُ من ذلك الماء.

        فهو تبارك وتعالى ليس كخلقِهِ حالًّا في جهةٍ ومكان. النورُ والظلامُ لهما مكان، النور يُمسِكُ في النهارِ مِساحةً من الأرضِ ثمّ يزولُ عنه ويَحُلُّه الظلام وهكذا يتعاقبان، النورُ والظلام. المكان للمخلوق، اللهُ تبارك وتعالى كيف يكونُ كخلقِهِ حالًّا في مكان؟ هو موجودٌ بلا مكان كما كان قبل العالم موجودٌ بلا مكان. هذا عقيدة أهل السنةِ الذي كان عليه الصحابة وكذلك عقيدةُ الصحابةِ أنَّ اللهَ هو خالقُ كلِّ شىء هو الذي يُبرِزُ الشىءَ منَ العدمِ إلى الوجود. الأجسام الكثيفة واللطيفة هو الذي أخرَجُها منَ العدمِ إلى الوجودِ.

        كذلك أعمالُ العبادِ هو الذي يخلُقُها فينا، الكلامُ الذي نتكلّمُ به والنظرُ إلى شىء والتفكير والحركات والسكنَات التي تحصلُ في العالمِ منَ الإنسانِ وغيرِه اللهُ تعالى هو الذي يخلُقُها أي يُخرِجُها منَ العدمِ إلى الوجود. نحنُ قبلَ أنْ نُخلَقَ ما كنّا نتكلّم، ولا نتحرك ولا نسكن، بعدَ أنْ خلَقَنا الله حصل منا كلام وحركات وسكَنات، اللهُ تعالى هو الذي يخلُقُ حركاتِنا وسكناتِنا كما أنهُ هو خلقَ أجسامَنا هو أخرجَ أجسامَنا منَ العدمِ إلى الوجودِ، كذلك أعمالَنا هو الذي يخلقُها القرآنُ جاءَ بهذا، لأنَّ القرآنَ يقولُ: {اللهُ خالقُ كلِّ شىء} أي الأجسام وحركاتِ الأجسامِ وكلِّ أعمالِ الأجسامِ لا خالقَ لشىءٍ منَ الأشياء إلا الله هو الذي يُخرجُ كلَّ شىءٍ من العدمِ إلى الوجود.

        ثمّ الصحابةُ كانوا أيضًا على أنَّ اللهَ تعالى يراهُ المؤمنون لمّا يكونونَ في الجنةِ، لمّا يستقرّونَ في الجنة يروْنَ اللهَ الذي ليسَ حالًّا في مكان لا في الجنةِ ولا في غيرِها. لا يرَوْنَهُ كما يُرى المخلوق، المخلوق لما يُرى هكذا مُقابلةً بمسافةٍ قريبةٍ أو بمسافةٍ بعيدةٍ أو يُرى إلى جهةِ فوق أو يُرى إلى جهةِ تحت أو يُرى إلى حهةِ اليمين أو إلى جهة اليسار أو إلى جهةِ الخلف، المؤمنونَ يرَوْنَهُ بأبصارِهِم مِنْ غيرِ أنْ يكونَ بينَه وبينَهم مسافة ولا مقابلة ولا مُدابَرة ولا مُيامَنة ولا مُياسَرة بِلا كيفيةٍ ولا شكلٍ يُرى. هذا مذهبُ أهلِ السنّةِ الذي كانَ عليه الصحابة، وكان مذهبُ الصحابةِ أنَّ أبا بكرٍ أخذَ الخِلافةَ بحقٍّ كانوا راضِين، حتى سيّدُنا عليٌّ كانَ راضِيًا لمّا استُخلِفَ أبي بكر كان راضيًا وكان يصلي الصلوات الخمس خلفَهُ الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، لأنهُ في القديم الخليفةُ كان هو يَؤُمُّ الناسَ في الصلاة ثمَّ بعدَ مرورِ زمان خافت السلاطين والخلفاء من القتل من أن يُتعرض لهم بالقتل فصاروا يوَكِّلونَ غيرَهم بإمامةِ الصلاةِ.

        وسيِّدُنا عليّ رضي اللهُ عنه كان هو يَقتدي بأبي بكر في الصلوات الخمس ثمّ أيام عمر كذلك كان يصلي خلف عمر ثمّ أيام عثمان كذلك وهو من أشجع خلقِ الله ومن أزهدِ الناسِ لا تغُرُّهُ الدنيا لا يَغُرُّه المال هو الذي قال: “يا صفراء ويا بيضاء غُرِّي غيري” معناه يا ذهب ويا فضة غُرِّيا غيري أنا لا تَغُراني، هذا الإمام سيّدُنا عليّ رضيَ اللهُ عنه كان يعتقدُ أنَّ أبا بكرٍ أخذَ الخِلافةَ بحقٍّ ثمّ عمر أخذَها بحقّ ثمّ عثمان أخذها بحق، ثم هو أخذها بحق، هكذا كان اعتقاد الصحابة، ثمّ جاءَ بعد ذلك أناسٌ خالفوا هذا قالوا اللهُ تعالى يخلقُ أجسامَنا فقط أما أعمالنا نحنُ نخلق، هؤلاءِ أشركوا بالله لأنهمْ جعلوا أنفُسَهمْ خالقين للأعمال وجعلوا الله خالق للأجسام هذا إشراك كفر. اللهُ هو خالقُ أعمالِ العبادِ خيرِها وشرِّها ولا يقالُ كيفَ يخلقُ في العبادِ المعاصي ثمّ يعذبهم عليها في الآخرة، الله لا يقاس بخلقه ومن قاس الله بخلقه كفر. كما أنه الله تعالى حرّم أكلَ البشر للبشر وأحلّ للبشر أكلَ البهائم والصيد. والبهائمُ والصيد فيها أرواح تتألم بالذبح كما أن البشر يتألم مع ذلك أحل للبشر أن يأكلوا البهائم والصيد مع أنها تتألم بذبحها. فهل يقالُ كيف أحلَّ للبشر أكلَ البهائم وحرّم عليهم أكل البشر؟ لا يقال. كذلك لا يقال لِمَ يخلقُ الله في البشر المعصية والكفر ثم يعذبُهم على ذلك في الآخرة؟ القرآن يقول: {لا يُسأَل عما يفعل}. الله لا يقاس بالخلق.

        ثمّ حدثتْ فرقة أخرى تقولُ الإنسان اذا ما عملَ معصية خرج من الإسلام هذه يقال لها الخوارج، هذه ظهرت زمان سيدِنا علي كانوا معه ضد معاوية ثم لما هو توقف عن القتال لأن معاوية طلب التحاكم الى القرآن فخاف سيّدنا علي أن يقولَ الناس كيف يحارب علي في المحاكمة إلى القرآن؟ خوفًا من هذا وافق مع أنه يعلم أنّ الحقّ معه وأنّ معاوية ظالم في خروجِه وتمرده على علي لأنّ طاعة الخليفة واجبة. وسيّدُنا علي لا يأخذون عليه معصية والرسول قال ولاة الأمور لا يُخرج عليهم إلا أن يكفرَ الخليفة لا يُخرج عليه لا يُقام عليه لخلعه ولا يُقاتل ولا تُنكرُ خلافتُه إلا أن يكفر هكذا قال الرسول. هذه الفرقة لمّا خالفت، جماعة معاوية لما خالفت عليًا أولئك كانوا يقاتلون معه قالوا كيف يترك علي القتال والحق معنا؟ لماذا يتوقف؟ كيف يرضى بالتحكيم؟ تحكيمَ المخلوق والعياذُ بالله قتلوا فصاروا يؤذون الناس، قتلوا بعض الناس فعندئذ سيدنا علي حاربهم وأبادهم. قال لا يُقتَل منا عشَرةٌ ولا يَسلمُ منهم عشَرة في تلك المعركة وكان الأمر كما قال. ما سَلم منهم عشرة ولا قُتل من جيش علي عشَرة، رضي الله عن عليّ وسائر الخلفاء الراشدين.

        أمّا أولئك الذين قالوا العبدُ يخلق أفعالَه كفروا، أشركوا بالله ولو صلوا وصاموا فهم كفار لأنهم أشركوا بالله، هؤلاء يقال لهم المعتزلة اليوم انقرضوا لا وجود لهم إلا أفرادٌ يعتقدون اعتقادَهم. فيما مضى كانت لهم شوكة آذوا المسلمين. ثم ظهرت فرقة أخرى شذت يقولون الله جسم قاعد على العرش، يقولون الله يسكن السماء، وأحيانا يقولون الله يسكن العرش، جالس على العرش. هؤلاء ضلوا لأنهم شبهوه بخلقه. الجلوس صفة البشر والجن والملائكة والبهائم وحتى الحشرات تجلس لأنّ الجلوس لا يكون إلا من جسم مركّب من نصفين نصف أعلى ونصف أسفل والمركب يحتاج الى من ركّبه. الله ركَّبنا على نصفين فكيف يكونُ الله مركَّبا مثلنا؟ لذلك قال علماء أهل السنة من قال اللهُ قاعد على العرش كافر. هؤلاء الوهابية اعلموا أنهم كفار لأنهم يعتقدون أنّ الله جالس على العرش.

        الإمام الشافعي رضي الله عنه مات سنةَ مائتين وأربع من الهجرة قال: “من اعتقد أن الله جالس على العرش كافر” وكذلك مالك وكذلك الإمام أحمد قال: “من قال أن الله جسم كافر ولو قال جسم لا كالأجسام كافر”. لمجرد قوله الله جسم كفر. هذا كلام الإمام أحمد ابن حنبل ومالك كذلك وأبو حنيفة كذلك. الذي يعتقد أنّ الله جسم ويسكن السماء أو العرش أو يتجول ما عرف الله. فالواجب هو ملازمةُ مذهب أهل السنة الذي كان عليه الصحابة ومن خرج عنه يٌحَذرُ منه فمن ترك التحذير فهو آثم. التحذير من هؤلاء أهم من التحذير من قطاع الطريق الذين يكمَنون في الطريق للمسافرين ليسلُبوا أموالهم ويقتلوهم. التحذيرُ من الوهابية وأمثالِهم أشدّ فرضيةً من التحذير من قاطع الطريق. قاطعُ الطريق ماذا يفعل بالمسلم؟ يقتله ويسلب مالَه فيصير شهيدًا هذا المسلم ما خسِر عقيدتَه بل استفاد. الله تعالى لا يعذبه لا في قبره ولا في الآخرة. المؤمن المقتول ظلمًا ليس عليه نكد لا في القبر ولا في الآخرة، هذا استفاد. أما هذا الوهابي يكون إذا جرّ إنسان الى فكرتِه إلى عقيدته أخرجه من الإسلام وصار من أهل النار الخالدين فيها.

        لذلك يجب علينا السعيُ بكل جدٍ، واجتهادنا لإحياء عقيدةِ أهل السنة التي كان عليها الصحابةُ والخلفاءُ الذين جاؤوا بعد الصحابة والسلاطين كالسلطان صلاح الدين الأيوبي. السلطان صلاح الدين الأيوبي كان قرر في زمانِه تدريس كتاب فيه الله موجود بلا مكان لأنه كان قبل المكان بلا مكان فهو موجود بعد أن خلق المكان بلا مكان كما كان قبل العالم

        وفي هذا الكتاب الذي قرره السلطان صلاح الدين  أنّ الله تعالى كلامُه الذي هو يتكلمُ به ليس حرفًا ولا صوتًا إنما كلامُه كلامٌ ليس من جنس الأصواتِ والحروف لأنّ الأصوات والحروف من كلامنا كيف يشبهنا؟ وله كلام ليس حرفًا ولا صوتًا وليس هو ككلامِنا متقطع يحصل شىء منه ثم يعقُبه سكوت ثم نعود إلى الكلام ثم يعود إلى السكوت ليس هكذا. الأن لا أحد يعرف حقيقة كلامِه ولكنْ في الآخرة اللهُ تعالى يُسمِعُ ذلك الكلام الجنَّ والانس فيحاسبُهم بذلك الكلام. لمَ فعلت كذا؟ أليس أعطيتكم كذا؟ يحاسبُ الجن والإنس وينتهي منهم في وقت قصير في ساعة ينتهي من حساب هذا العالم الإنس والجن في ساعة. لو كان كلامُه حرفًا وصوتًا كان حسابُه للجن والإنسِ يأخذ مائة ألف وأكثر من مائة ألف. لذلك أهلُ الحق الذين سبقونا السلطان صلاح الدين الأيوبي على ما كان عليه الصحابة أنَّ اللهَ لا يُشبهُ شيئًا لا في ذاته لا في حقيقته ولا في أفعالِه ولا في صفاته. لا يشبه شيئًا.

        ثم هؤلاء الضالّون الوهابية لمّا علموا أنّ السلطان صلاح الدين كان على هذه العقيدة أي أنّ اللهَ موجود بلا مكان وأنّ كلامَه ليس حرفًا ولا صوتًا قالوا كافر، لعنهم الله. وقال بعضهم هو نفع الناسَ  نقول اللهُ يرحمه ومع هذا كافر. هؤلاء الأنجاس يُكفرُون هذا السلطان العالم التقي النقي الغازي الناصر. لذلك يجب علينا الاهتمام بتأييدِ نشرِ عقيدة أهل السنة وذلك بطرقٍ تعدّدِ الذين يُعلّمون هذا المذهب مذهب أهل السنة عقيدة التوحيد. أعانكم الله، أيّدكم الله، يسّرَ اللهُ لكم القيامَ بما فرض عليكم. اللهم أعنّا على ما ترضى ووفِّقْنا للعملِ بسنّةِ نبيِّك صلى الله عليه وسلم.