عُمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أشَجُّ بني أمَيّة
الأشَجُّ هوَ مَنْ فيهِ شَجٌّ أو في جَبينِهِ أثرُ الشَّجّة. وأشَجُّ بَني أُمَيّةَ كانَ لَقَبًا للخَليفةِ الرّاشِدِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنهُ. حيثُ روَى السّيوطِيُّ في كتابِهِ تاريخِ الخُلَفاء أنَّ سيِّدَنا عمرَ بنَ الخَطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ جَدُّ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لِأُمِّهِ كانَ يُبَشِّرُ بِإِمامٍ عادِلٍ مِنْ نَسْلِهِ، فيقول “مِنْ وَلَدي رجلٌ بوَجْهِهِ شَجَّةٌ يَمْلَأُ الأرضَ عَدْلًا”.
وحصلَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ عِنْدَما كانَ صَبِيًّا صغيرًا دخلَ إلى إسْطَبلِ الخَيْلِ فضَرَبَتْهُ فرَسٌ فَشَجَّتْهُ، فصارَ أبوهُ يَمْسَحُ عنهُ الدَّمَ ويقولُ “إنْ كُنْتَ أشَجَّ بَني أُمَيّةَ إنَّكَ إذًا لَسَعيد”. وقَدْ تَحَقَّقَتْ تِلْكَ البِشارةُ العَظيمة فكانَتْ خِلافَتُهُ رضيَ اللهُ عنهُ خِلافةً راشِدةً عَمَّ فيها العَدْلُ والرَّخاءُ حتّى قيل: لمْ يَمُتْ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ حتّى صارَ الرّجلُ يأتي بالمالِ الكَثيرِ لِيَتَصَدَّقَ بهِ على الفُقراء فلا يجِدُ أحدًا يأخُذُه.
وقالوا لقدْ أغْنَى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ النّاس. وحصلَ على يَدَيْهِ كلُّ هذا الخيرِ العظيمِ، معَ أنَّ مُدَّةَ خِلافَتِهِ لمْ تَتَجاوز الثلاثَ سنَوات، واجَهَ فيها العَديدَ منَ الصُّعوباتِ والمِحَنِ معَ قِلّةِ مَنْ يُعِينُهُ ويُناصِرُهُ على الحقِّ ولكنّهُ حَمَلَ تِلْكَ الأمانةَ العَظيمةَ التي أوكِلَتْ له، وأدّاها بِعوْنِ اللهِ ووفّى ما عليه.
فالحاصلُ يا أحْبابَنا أنَّ في سيرةِ هذا الرّجلِ العظيمِ حُجَّةً بالِغَةً على كلِّ مَنْ يَتَخاذَل ويَتَنَصَّل مِنَ القِيامِ بِمَسْؤوليّاتِهِ التي ألْزَمَهُ بها الشرْعُ الحَنيفُ مُـتَعَذِّرًا بِظُروفِ الزّمَنِ وضَعْفِ الحِيلَةِ وعَدَمِ وُجودِ المُعينِ والنّاصِرِ.
هذا هوَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الإمامُ العادِلُ الذي سَيَبْقَى عَلَمًا مُنِيرًا مِنْ أعْلامِ هذه الأمّة رَغْمَ ما قدْ يُحاوِلُهُ البَعْضُ منَ الطّعْنِ في سيرَتِهِ والتَّشْكِيكِ بِمَآثِرِهِ.
ونَخْتِمُ بِذِكْرِ إحْدَى مَواعِظِهِ رضيَ اللهُ عنه حيثُ قال:
مَنْ كانَ حينَ تُصيبُ الشَّمسُ جَبْهَتَهُ أو الغُبارُ يخَافُ الشَّيْنَ (أي العيْبَ) والشَعَثا (أي تلَبُّد الشَّعر)
ويَألَفُ الظِّلَّ كيْ تَبْقَى بَشاشَتُهُ (أي طلاقَةُ الوجهِ وإشْراقُهُ)
فسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا راغِمًا جَدَثا (أي قبرًا)
في قَعْر مُظْلِمَةٍ غَبْراءَ مُوحِشَةٍ
يُطيلُ في قَعْرِها تَحْتَ الثّرى اللَّبَثا (أي المُكثُ والإقامةُ)
تَجَهَّزي بِجِهازٍ تَبْلُغينَ بهِ
يا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لمْ تُخْلَقِي عَبَثا.
رحِمَ اللهُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وجزاهُ اللهُ عن الإسلامِ والمسلِمينَ خيرًا