الصَّدَقَـةُ بُرْهانٌ
الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ الله.
نصيحَتانِ نُذَكِّرُ بهِما أنْفُسَنا وجميعَ الإخوةِ عندَ إنْفاقِ المالِ في الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ:
أوّلًا أنْ يجعَلَ كلُّ واحِدٍ منّا همَّهُ وقَصْدَهُ عندَ إنْفاقِ المالِ نَيْلَ رِضى اللهِ عزَّ وجلَّ لا رضى النّاس، فَرِضَى النّاسِ وهو حالةٌ قلبيَّةٌ شعورٌ وانْفِعالٌ يَخْلُقُهُ اللهُ في القلوبِ. أمرٌ لا يَنْبَغي لنا أنْ نَتَسابَقَ عليهِ ونَلْهَثَ وراءَهُ، لأنَّ نَيْلَ رِضَى جَميعِ النّاسِ غايةٌ لا تُدْرَك، أمّا نيْلُ رِضى اللهِ عزَّ وجلَّ فَغايةٌ لا تُتْرَك.
ولْيُتَنَبَّه إلى أنَّ رِضَى اللهِ ليسَ انْفِعالًا وشعورًا كالذي يَحْصُلُ في قلوبِنا، حاشَا لله، فاللهُ ليسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ وهوَ السَّميعُ البَصيرُ، لا يُشْبِهُ خَلْقَهُ بِأيِّ وَجْهٍ منَ الوُجوهِ. بلْ إنَّ مَعْنى “نيْلِ رِضَى الله” نيْلُ إنْعامِهِ عليْنا بالثّوابِ الجَزيلِ والعَفْوِ والرَّحْمَةِ والمَغْفِرةِ. فَيا لها مِنْ غايةٍ نَبيلةٍ عظيمَةٍ.
النَّصيحةُ الثانيةُ التي نُذَكِّرُ فيها إخْوانَنا الكِرام بأنَّ أعْظَمَ ما تَتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ هوَ أداءُ ما افْتَرَضَهُ عليكَ ما أوْجَبَهُ عليك. فَقَبْلَ أنْ تُنْفِقَ مالَكَ في النّوافِلِ والمُسْتَحَبّاتِ مِنَ الصّدَقاتِ اطْمَئِن إلى أنّكَ قدْ أدَّيْتَ حقَّ اللهِ الواجِبَ عليكَ في مالِك. وإنَّ مِنْ أهَمِّ أنْواعِ الإنْفاقِ الواجِبةِ على كلِّ مسلِمٍ هيَ دفعَ الزَّكاةِ الواجِبةِ والتي لها أثرٌ عظيمٌ في سَدِّ حاجاتِ الفقراءِ والمساكينِ ومصَالِحِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ.
وقدْ بيَّنَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أهَمِّيَّتَها وسَمّاها الصّدَقَةَ في بعْضِ الأحاديثِ. ومنْها قولُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم “والصَّدَقةُ بُرْهان” أي دليلٌ على إيمانِ صاحِبِها لِأنَّ مَنْ يَدْفَعُ الزّكاةَ يُقَدِّمُ هذا المالَ إيمانًا منهُ أنّهُ سَيُسْألُ عنهُ يوْمَ الحِسابِ وهوَ مَأجورٌ على هذا الإنْفاقِ بإذْنِ الله.
وقدْ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ في صِفةِ المُؤمِنين {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}.
نسألُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنا رِزْقًا حَلالًا طيِّبًا مُبارَكًا فيه وأنْ يُوَفِّقَنا لِإنْفاقِهِ فِيمَا يُحِبُّهُ ويَرْضَاهُ وأنْ يُسْبِغَ عليْنا مِنْ إِنْعامِهِ وفَضْلِهِ وكَرَمِه، إنّهُ وَلِيُّ ذلكَ والقادِرُ عليه.