الخبر المتواتر
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله
أحبابَنا الكرام، إنَّ دينَ الإسلامِ هو الدِّينُ الذي رضِيَهُ اللهُ تعالى لِعبادِهِ وأوْحَى به إلى أنبيائِهِ عليهمُالصلاةُ والسلامُ، وهو الأصلُ الذي يُرْجَعُ إليه في معرِفةِ الحلالِ والحرامِ والقبيحِ والحسَن. ولأنّهُ الدِّينُالحقُّ فلَمْ يأتِ إلّا بما تَقْبَلُهُ وتُقِرُّهُ العقولُ السليمة. بلْ إنَّ القرآنَ الكريم دعانا في كثيرٍ منْ آياتِهِ إلىالتّفكُّرِ والتّدَبُّرِ والتّعَقُّلِ.
يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}.
قال الإمامُ القُرطبيُّ في تفسيرِهِ {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} الذين يستَعْمِلونَ عقولَهُمْ في تأمُّلِ الدّلائلِ. منْهنا أدرَكَ علماءُ الأمّةِ المُحَمّديةِ أهمّيةَ العقلِ في الإسلامِ وإثباتِ حقِّيتِهِ، فشيَّدوا للمسلمينَ حِصْنًا علميًّامُتَماسِكًا عِمادُهُ الأدِلّة والحُجَج والبراهين القاطِعة، غيرَ مُخْتَصِرينَ على أدلّةِ الكتابِ والسُّنّةِ المُسَمّاةِبالأدلّةِ النّقلية، بلْ أيّدوها بالأدلّةِ العقليةِ التي يُدافَعُ بها عنْ هذا الدِّينِ العظيمِ في وَجْهِ الشُّبَهِوالافْتِراءات.
وإنَّ منَ الشُّبَهِ التي تنتشرُ منْ حينٍ إلى آخر والتي يزعُمُ أصحابُها اتِّباعَهُمْ للمَنْهَجِ العقلي هي التشْكِيكُفي صحّةِ مُعجِزاتِ نبيِّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، زاعِمينَ أنَّ هذه المُعجزاتِ المَذكورةَ في كتُبِ الحديثِوغيرِها كَمُعجزةِ انْشِقاقِ القمرِ وغيرِها الكثيرَ الكثيرَ هي أمورٌ غيرُ مُشاهَدة وغيرُ مَحْسوسة ولا يُتَوَصَّلُلها بِمُجَرَّدِ الاسْتِدلالِ العقليِّ، لِذا قالوا ليسَ لنا أنْ نَقْطَعَ بِصِحَّتِها وثُبوتِها، ويريدونَ منْ وراءِ ذلك الطّعنَفي صِدقِ نبُوّةِ سيِّدِنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وفي رسالتِه. وكذلك يريدونَ التشكيكَ بِمِصْداقيّةِ كتبِالحديثِ وصِحَّتِهِا لأنّها تَنْقُلُ قِصصًا ورواياتٍ لا دليلَ عقليَّ على أنّها حصلتْ حقًّا على ما يَزْعُمون.
وأمّا الردُّ على هذا الزّعمِ الباطلِ فيكونُ ببَيانِ أنَّ السُّبُلَ المعرفةِ للإنسانِ غيرُ مَحْصورةٍ بالحَواسِّ الخمسِوالاسْتِدلالِ العقليّ، بلْ هناكَ سبيلٌ آخَر للوصولِ للمعرفةِ اليَقينيّةِ ولا يَسَعُ أحدًا إبْطالُهُ أوْ نَفْيُهُ ألا وهوالخبرُ المُتواتِرُ.
وما هو الخبرُ المُتواترُ يا أحبابَنا؟ الخبرُ المُتواترُ هو الخبرُ الثابِت الذي نقلَهُ جَمعٌ كثيرٌ عنْ جَمعٍ كثيرٍبحيثُ يستحيلُ بِحَسَبِ العادةِ تواطُؤُهم على الكذب، بل يتَحَتّمُ مُوافقَتُهُ للواقعِ فيُوجِبُ العِلمَ اليقينيَّ الذيلا شكَّ فيه.
ولِنُعْطي مثالًا يُوَضِّحُ معنى الخبرِ المُتواتر، فنقولُ لوْ جاءَ شخصٌ لِيُقْنِعَكَ أنّهُ لا وجودَ لبَلَدٍ تُدْعى المَغرِب،فبالتأكيد لنْ تُصَدِّقهُ مهما تكلَّمَ وأطْنَبَ معَ أنّكَ قدْ تكونُ ما زُرْتَ المَغرِب ولمْ تطأْ أرضَها، ولْنَقُلْ كذلك أنّكَلمْ ترَ صورَتَها على شاشاتِ التّلفاز، ولكنّكَ معَ ذلك مُتَيَقِّنٌ وجازِمٌ بوجودِ هذا البلدِ بِلا شكّ، فما مصْدرُهذا العِلمِ بالنسبةِ لك؟ إنّهُ الخبرُ المُتواترُ، عددٌ كبيرٌ منَ الناسِ لا يُتَصوَّرُ عادةً أنّهم اجتَمَعوا على الكذبِنقلوا لكَ العِلمَ بوجودِ هذا البلد، وهم نقلوا هذا الكلامَ عنْ جَمْعٍ مثلِهِمْ وهمْ عنْ مِثْلِهِمْ إلى أنْ يصلَ الخبرُإلى الجَمْعِ الكبيرِ الذي رأوْا البلدَ وأخبَروا عنْ مُشاهدة.
والفرقُ بينَ الخبرِ المُتواتِرِ والإشاعةِ أنَّ الخبرَ المُتواترَ يكونُ فيه نقلُ الخبرِ عنْ جَمعٍ كبيرٍ لا يُتَصَوَّرُتواطُؤُهمْ على الكذبِ في كلِّ طبَقةٍ تَروي الخبرَ ابْتِداءً منْ أصلِ الخبرِ.
أمّا الإشاعة فإنْ دقَّقْتَ بأصلِها تجد أنّهمْ في الأصلِ قِلّةٌ يُتصَوَّرُ اجْتِماعُهمْ على الكذب.
وبِناءً على ما سبقَ يا أحبابَنا نقول إنَّ كثيرًا منْ مُعجزاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي لمْ نرَهابأعْيُنِنا قدْ شاهَدَها الآلافُ منَ الصحابةِ الذين لا يُقبَلُ الادِّعاءُ بأنّهم اجتَمَعوا كلُّهم على الكذبِ، وهمْنقَلوها لِمئاتِ الآلافِ ليَصِلَ هذا الخبرُ اليوم إلى الملايينِ منَ المسلمينَ المُصَدِّقينَ بهذه المُعجزاتِوبِحَقيقَتِها.
فقدْ روى الإمامُ البخاريّ أنّهُ يومَ الحُديْبية عطِشَ النّاسُ فجاءوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمفقالَ: ما لكم؟ قالوا يا رسولَ اللهِ ليسَ عندَنا ماءٌ نتوَضّأُ بهِ ولا نشربُ إلّا ما في ركْوَتِكَ، وكانَ بينَ يديْهِ عليهالسلام ركْوة، وِعاءٌ صغيرٌ، فيها ماء، فوضعَ يدَهُ الشريفةَ صلى الله عليه وسلم في تلكَ الرّكوة فتفَجّرَ الماءُالزُّلالُ الصافي منْ بينِ أصابعِهِ كأمثالِ العيون، فشرِبَ الجيشُ وتوضَّأوا منْ هذا الماء الذي خرجَ منْ بينِأصابِعِه، فسُئلَ جابرٌ وكانَ حاضرًا كمْ كنتمْ؟ قالَ لو كنّا مائة ألفٍ لكَفانا كنّا خمسَ عشرةَ مائة. ألفٌوخمسُمائة شخصٍ استعمَلوا هذا الماء فشرِبوا وتوضّأوا وخبَرُهمْ هذا خبرٌ مُتواترٌ يُفيدُ العِلمَ اليَقينيَّالقاطعَ الجازِم، ألفٌ وخمسُمائةِ شخصٍ لا يجتمعون بحسَبِ العادةِ على الكذب.
لذلك نُصَدِّقُ بهذا كما لوْ أنّنا رأيْناهُ بأعْيُنِنا ولَمَسْناهُ بأيدِينا ولا نشكُّ فيه.
ومنَ المُعجزاتِ التي بلَغَتْ حدَّ التواترِ كذلك مُعجزةُ حنينِ الجذع. فقدْ روى الإمامُ البخاريُّ رضيَ اللهُ عنهُأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يقومُ يومَ الجمعةِ إلى شجرةٍ أو نخلة، فقالت امرأةٌ منَ الأنصارِ: يارسولَ الله ألا نجعلُ لكَ مِنبرًا؟ قال عليه الصلاةُ والسلام: “إنْ شئْتُمْ”، فجعلوا لهُ مِنبر. فلمّا كانَ يومُالجُمُعة دفعَ إلى المِنبرِ فصاحَتُ النّخلةُ صِياحَ الصبيِّ، ثمَّ نزلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فضمّهُ إليهيئِنُّ أنينَ الصبيِّ الذي يُسَكَّن. قال عليه الصلاةُ والسلامُ: “كانتْ تبكي على ما كانت تسمَعُ منَ الذِّكرِ”. قال القاضي عياضٌ المالِكيّ في كتابِه الشِّفا عن هذا الحديث: أمرُهُ مشهورٌ مُنتَشرٌ والخبرُ بهِ مُتواتِرٌأخرَجَهُ أهلُ الصحيحِ ورواهُ منَ الصحابةِ بِضْعَةَ عشَر.
ونقل ابنُ حجر في أمالِيِّهِ أنَّ الإمامَ البيهقيَّ قال عنْ هذا الحديث: أمرُهُ ظاهرٌ نقلَهُ الخَلَفُ عنِ السّلَفِ،حتى قال: إيرادُ الأحاديثِ فيه كالتّكلُّفِ (يعني لِشِدّةِ شُهْرَتِهِ).
كانَ هذا غيْضًا منْ فيضِ ما تواتَرَتْ بهِ الأخبار منْ معجزاتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهذهالمُعجزات الباهِرات كما أنّنا نُصَدِّقُ بوُجودِ البُلدانِ البَعيدة ولوْ لمْ نرَها إلى غيرِ ذلك منَ الأمورِ التي عُلِمَتْ بالتواتُر، كذلك المُعجزاتُ فقدْ وصلَتْنا بالتواتر.
فإذًا سيِّدُنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم صادقٌ في جميعِ ما أخبرَ بهِ وبلَّغَهُ عنِ الله، لأنَّ المُعجزاتِ دليلٌعلى صِدقِ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسّلامُ.
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِه وأصحابِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.