الصَّبرُ على البلاء
الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسّلامُ على رسولِ الله
روى الإمامُ البيْهقيُّ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم قال: “ما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوْسَعَ مِنَ الصَّبرِ”، وإنَّ مِنْ أنْواعِ الصَّبرِ التي يجبُ على كلِّ مسلمٍ الْتِزامُها الصّبرُ على تَحَمُّلِ ما ابْتَلاكَ اللهُ بهِ، بِمَعنى عدَمِ الاعْتِراضِ على الله أو الدخول فيمَا حرَّمَهُ اللهُ بسَبَبِ المُصيبةِ.
فلا يجوزُ للمسلمِ مَهْما اشْتَدَّ عليه البلاء وتعاظَمَتْ عليه المصائب أنْ يَعْتَرِضَ على قضاءِ اللهِ وقدَرِهِ، أوْ أنْ يَسُبَّ اللهَ أو دينَ الإسلامِ أو الأنبياءَ أو الملائكةَ، فهذا مُخْرِجٌ عنْ دينِ الإسلامِ، ويجبُ على مَنْ وقعَ في مِثلِ هذا تَرْكُهُ والنُّطقُ بالشّهادَتَيْنِ للعَوْدِ للإسلام.
ولأنَّ السّعيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ نَذْكُرُ لكمْ قِصّةً تُبَيِّنُ شُؤْمَ الاعْتِراضِ على اللهِ وتَركِ الصّبرِ على البلاءِ.
فقدْ روَى الحافظُ الزَّبيدِيُّ في كتابِهِ تاج العروس أنَّ رجلًا مِنْ قبيلةِ عاد كانَ مَلِكًا على وادٍ عظيمٍ كثيرِ الشّجَرِ والثِّمارِ في الجزيرة العرَبيّة يُسَمّى الجَوْف. وقدْ كانَ هذا الرّجل مسلمًا مُوَحِّدًا وعاشَ على ذلك أرْبَعينَ سنة. وقدْ أَنْعَمَ اللهُ عليه كذلكَ بِأولادٍ عشَرة. فخَرَجَ بَنوهُ يوْمًا للصَّيدِ فأصابَتْهُمْ صاعقة فماتوا جميعًا، فلَمْ يصْبِرْ هذا الرّجل وتَناسَى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هوَ خالِقُ أولادِهِ ومالِكُهُمْ، وأنَّ لهُ ما أعْطَى ولهُ ما أخَذ، فكفَرَ كفرًا عظيمًا والعِياذُ باللهِ، وقالَ مَقالةً بَشِعةً، قال لا أعبُدُ مَنْ فعلَ بأبْنائي هذا. وكانَ لا يَمُرُّ بِأرضِهِ أحدٌ إلّا أمرَهُ بالكفرِ فإنْ رفضَ قَتَلَهُ. فانْتَقَمَ اللهُ منهُ فأهْلَكَهُ وأرسَلَ نارًا مِنْ أسْفَلِ الوادي فأحْرَقَتْهُ بِما فيه.
هذا الرَّجُل لوْ ثبَتَ على إسلامِهِ ولمْ يَعْتَرِضْ على ربِّهِ لنَالَ منَ اللهِ أجْرًا عظيمًا.
نسألُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنا مِنْ عِبادِهِ الصّابِرين المُحْتَسِبين الرّاضِينَ بِقَضائِهِ وقدَرِهِ إنّهُ سبْحانَهُ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِير. والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.