التزوّدُ بالأعمال الصّالحة للآخرة الباقية
إن حُبّ الخيرات والطاعات فقط من غير فعلها لا يكفي للنّجاة في الآخرة، بل لا بد من حبّها من السعي للآخرة بالتّقوى والأعمال الصالحة امتثالاً لأمر الله تعالى وطاعة لرسول الله المصطفى ﷺ، قال الله تعالى في محكم كتابه يحث عباده إلى المبادرة والمسارعة إلى الخيرات والطاعات: {فاسْتَبَقُوا الخَيْرَاتِ} [سورة البقرة /148].
وقال سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران/133]. وقال عزّ وجل: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [سورة المزمل/20]. وقال تعالى: {وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الحج /77].
إنّ فلاح النفس وفوزها في الاخرة يكون بطاعة الله ورسوله والأعمال الصالحة، قال الله تعالى في محكم كتابه مبيناً لعباده كيف يكون فلاح النفس ونجاتها في الآخرة {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [سورة الشمس/9] أي قد أفلح من زكّى بنفسه بطاعة الله تعالى وصالح الأعمال، أي طهرها بالعمل الصالح.
فاعلموا يقيناً- يا إخوتي في الله– أنه لا تزكية للنّفس ولا طهارة لها إلا بطاعة الله والأعمال الصالحة. {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} [سورة التوبة /105].
إن الوصولَ إلى محبّة الله تعالى يكون بأتباع الرسول الأعظم ﷺ اتباعاً كاملاً وطاعته فيما جاء به من عند الله لأن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)} [سورة آل عمران/31].
يقول النبي الأعظم ﷺ: “إنَّ أوْلَى الناسِ بي يوم القيامة المتّقون مَنْ كانوا وحيث كانوا” رواه الإمام أحمد.
ويقول الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه وكان سيد الطائفة الصُّوفية في زمانه: “الطريقٌ إلى الله مسدودٌ على خلق الله عزّ وجل إلا على المقتفين([1]) آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسُنّته” (أي لشريعته).
لقد بيّن الحبيب المصطفى نبينا محمد ﷺ لأمته أبواب الخير الكثيرة ودلّهم على الطاعات والخيرات المختلفة التي تعمل أو تُقال في الصباح والمساء وفي الليل والنهار، ولقد حضَّ النبي الأعظم ﷺ أمته على المبادرة والمسارعة إلى هذه الخيرات والطاعات في أحاديث كثيرة ليرغبهم بها وليكون لهم الخير العميم والثواب العظيم في الآخرة الباقية، لذلك يقول ﷺ: “لا يشبعُ مؤمنٌ من خير حتى يكونَ منتهاه الجنّة” رواه الترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام يأمر أمته بالمبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصالحة واغتنام فعلها قبل فواتها: “بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيعُ دينَه بعرض من الدنيا” رواه مسلم.
وكان الصّحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: “إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصّباحَ وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخُذْ من صحتك لمرضك ومن حياتِكَ لموتك” رواه البخاري.
إننا نحن المؤمنين نحب حبيبنا ﷺ محمداً لأنه بيّن لنا طريق الصواب والصراط المستقيم، ودلنا على أبواب الخيرات والطاعات الكثيرة التي يكون للمؤمن إذا سلكها وسار على أنوارها وسارع إليها ذخراً كبيراً في الآخرة.
لقد دلنا وحثنا حبيبنا النبي الأعظم ﷺ من خلال تعليم وإرشاد بعض الصحابة وهو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه على أبواب الخير، فقال له ﷺ: “الصّوم جُنة (أي وقاية) والصّدقةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاةُ الرجل في جوف الليل (أي صلاة التهجد في الليل)…” الحديث رواه الترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام: “الطُّهُور شطرُ الإيمان والحمدُ لله تملأ الميزان وسُبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصّلاة نور والصدقةُ برهان والصبرُ ضياء…” الحديث رواه مسلم.
وعن الصحابي الجليل أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه أن أناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثُور (أي أصحاب الأموال وهم الأغنياء) بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال ﷺ: “أوليس قد جعل الله لكم ما تصَّدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكُلّ تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة” قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال ﷺ: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر” رواه مسلم.
قوله ﷺ: “وفي بُضعِ أحدكم” هو كناية عن الجماع إذا نوى به العبادة وهو قضاء حق الزوجة، وطلب ولد صالح، وإعفاف النفس وكفّها عن الحرام.
إن الله تبارك وتعالى يقول: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } [سورة المزمل/20].
ويقول سبحانه: {وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الحج/77].
ويقول الإمام علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه: “اليوم العملُ وغداً الحساب”.
حقّاً – يا إخوتي وأحبابي- إن الدنيا مزرعة الآخرة فمن زرع في الدنيا خيراً يحصده في الآخرة، فمن كان في هذه الدنيا مسلماً مؤمناً… عرف الله تعالى أي عرف ما يليق بالله تعالى ونزه الله تعالى عن الشبيه والمثيل وصفات المخلوقات وآمن برسوله المصطفى ﷺ والتزم التقوى بأن أدى الواجبات واجتنب المحرّمات، فهذا فاز في الآخرة فوزاً عظيماً، ويكون قد أخذ من دنياه زاداً عظيماً لآخرته، لأن الله تعالى قال في محكم كتابه: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [سورة البقرة/197].
وانظروا يا إخوتي وأحبابي ماذا يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الذي هو عبد صالح كما وصفه الرسول العظيم ﷺ: “إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخُذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك” رواه البخاري.
ومعنى قول هذا الصحابي الجليل: اغتنم الأعمال الصالحة من فروض ونوافل في صبحك ومسائك، فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح فتتهامل وتتكاسل عن فعل الخيرات والطاعات، بل بادر وأسرع في فعلها في الحال والوقت، فربما يكون تأخيرها سبباً لفواتها وعدم استدراكها لعلة الموت مثلاً أو لغيرها من شواغل الدنيا الكثيرة. وكذلك اغتنم الأعمال الصالحة في دنياك وسارع إليها قبل أن تمرض فتعجز عنها وتندم على ما فاتك منها، وكذلك اغتنم هذه الأعمال الصالحة في أيام حياتك قبل أن يحول بينك وبينها الموت فيفوتك فعل هذه الطاعات التي هي خير زاد للآخرة كما قال الله تبارك وتعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [سورة البقرة/197].
اعلموا أن العمل بالطاعات والأعمال الصالحة سواء كانت من الفروض والواجبات أو كانت نوافل ومستحبات خير وفلاح في الدنيا وفي الآخرة، ولكن اعلموا- يا إخوتي وأحبابي- أن العمل بالفرض يقرب إلى الله تعالى أكثر من العمل بالنوافل غير الفروض، والدليل على ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في الحديث القدسي: “وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُ عليه” رواه البخاري.
ولذلك يقول أحد العلماء الأكابر: “من شغلهُ الفرضُ عن النفل فهو معذور، ومن شغلَهُ النفلُ عن الفرض فهو مغرور”.
فعليكم – يا إخوتي وأحبابي- بتقديم عمل الطاعة الذي هو فرض على عمل الطاعة الذي هو نفل غير فرض عملاً بهذه القاعدة المذكورة التي نص عليها العلماء الأفاضل.
وأما من جمع في عمل الطاعات بين أداء الفرائض وأداء النوافل، واجتنب المحرمات فهذا له خير كبير، ويكون قد تزود من دنياه لآخرته زاداً عظيماً وفاز في الآخرة فوزاً عظيماً. قال الله تبارك وتعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ (52)} [سورة النور/52].
([1] ) معنى “المقتفين” آثار رسول الله r أي التابعين له فيما جاء به من عند الله.