حُبُّ الدنيا واتباع الهوى
اعلموا يقيناً أن هذه الحياة الدنيا متاع الغرور وهي تزول ولا تدوم لأحد، وهي خائنة كذابة غرارة تضحك على أهلها، أيامها سريعة الزوال وساعاتها تمضي كالخيال، غوائلها خطيرة وآفاتها وعيوبها كثيرة وحبّها رأس كل خطيئة، وهي غرارة مكّارة تعرض عن المقبل فتزيد إقباله، وتقبل على المعرض وتريد إذلاله، لها قيود وأغلال وأخطار وأهوال تخفى على محبها المفتون والمغرور بها، وقد ذمها الله تعالى في كتابه وحذر عباده منها، وأن لا ينفتنوا ويغتروا بها وأن يقبلوا على الآخرة بالتقوى والأعمال الصالحة لأنها هي الباقية، قال الله تعالى: { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [سورة النساء/77].
وقال تبارك وتعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ} [سورة لقمان/33].
وقال سبحانه وتعالى: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [سورة التوبة /38].
وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)} [سورة آل عمران].
قيل لنبي الله نوح عليه السلام: يا أطول الأنبياء عمراً… كيف وجدت الدنيا؟ فقال: “كدار لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر”.
فهذه الدنيا- يا إخوتي في الإسلام- دار ممر وليست دار مقر والآخرة هي دار المقر والعاقل الفطن هو الذي يبني لآخرته، ويتزود من ممره في الدنيا إلى مقره في الآخرة بالتقوى والأعمال الصالحة، وهذه الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمر وهي لا تدوم ولا تصفو لأحد، والعاقل الفطن فيها من يترك الدنيا قبل أن تتركه ويبني قبره قبل أن يدخله، ويرضي خالقه قبل أن يلقاه فيحاسبه على ما قدم في دنياه، يقول النبي الأعظم ﷺ: “الدنيا دارُ مَنْ لا دار له ومالُ من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له” رواه أحمد.
ويقول عليه الصلاة والسلام: “من أحبَّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى” رواه الحاكم. وقال أيضاً ﷺ: “يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبستَ فأبليتَ أو تصدَّقتَ فأمضيتُ” رواه مسلم.
ويقول المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: “الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها”. ورُوي عنه عليه السلام أنه قال: “ويلٌ لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها وما فيها، وتغره ويأمنها، ويثق بها وتخذله”.
ومن وصايا سيدنا لقمان الحكيم عليه السلام لابنه: “يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عزّ وجل لعلك تنجو”.
يا عُشّاقَ الحبيبِ مُحمّد… ويا أحبابَ النبيّ الأعظم
هذه هي الدنيا تغر وتضر وتمر، فهي متاع الغرور، فكم من أناس بسبب حب الدنيا سقروا وقتلوا وقُتلوا، وكم من أناس بسبب حب الدنيا ضيعوا الفرائض وارتكبوا المعاصي وعصوا خالقهم، وكم من أناس بسبب حب الدنيا أكلوا الحرام، وكم من أناس بسبب حب الدنيا أمضوا عمرهم في السجون، وكم من أناس بسبب حب الدنيا وقعوا في أكبر الذنوب وهو الكفر والعياذ بالله.
إنَّ حال الدنيا يا إخوتي ويا أحبابي في الله هو كما قال أحدهم:
إذا متحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ |
| له عن عدو في ثيابِ صديق |
هذه هي الدنيا… إذا كَستْ أَوْكَسَتْ، وإذا حَلَتْ أَوْحلتْ، وإذا جَلتْ أوْجَلَت، وإذا غَلتْ أوْغَلتْ.
يا عاشقاً للنبيّ الأعظم محمّد…
إذا علمت حال هذه الدنيا كما وصفتُ له وبينتُ… فأكثر من عملك الصالح، وأقصر من أملك، ولا تعلق قلبك بحب الدنيا الفانية، ولا تنشغل بنعم الله عليك عن طاعة ربّك، ولا تغرّنك هذه الحياة فإنها للزّوال وهي محطُّ رحال وترحال، فهذه الدنيا كساعة فاجعل الأعمال فيها طاعة زاداً لآخرتك، وانظر كل ساعة من ساعاتك بما تذهب فلا تودِعها إلا أشرف ما يمكن، ولا تهمل نفسك وعوّدها أشرف ما يكون من العمل وأحسنه وابعث به إلى صندوق قبرك ما يسرك يوم الوصول إليه، وقد قال أحدهم:
يا مَنْ بدنياه اشتغل |
| وَغَرَّهُ طولُ الأمل |
الموتُ يأتي بغتةً |
| والقبرُ صندوقُ العمل |
تفكر- يا عاشق الحبيب محمّدٍ- في عواقب الأمور يهُن عليك الصبر عن كل ما تشتهي وما تركه وإن وجدت من نفسك غفلة، وفتوراً في عمل الطاعات فاحملها إلى المقابر وذكرها قرب الرحيل، هذه الدنيا ظاهرها حلو جميل، وحقيقتها غم طويل فهي تتجمل بجواهر الشهوات ولآلئ الملذات، وخيوط عقودها حيات حيات.
يا مَنْ يعانقُ دنيا لا بَقَاءَ لها |
| يُمسي ويُصبحُ مَغرُوراً وغَرَّارا |
إن كنتَ تبغي جِنانَ الخلدِ تسكنها |
| فينبغي لك أنْ لا تأمنَ النارا |
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أصبحَ أحد من الناس إلا وهو ضيف، وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة أي مردودة، والمعنى أننا كلنا عن هذه الدنيا مرتحلون ولأموالنا تاركون وإلى القبور صائرون وإلى أرض القيامة سائرون.
ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه: “ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت وهي مقبلة فكونوا من أبناء اخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، اليوم العمل ولا حساب وغداً الحساب ولا عمل”.
ومعنى قول عليه السلام: “ارتحلت الدنيا” أي سارت الدنيا، ومعنى “مدبرة” أي الدنيا سائرة إلى الانقطاع والآخرة سارت مقبلة. والدنيا دار العمل، والآخرة هي دار الجزاء على العمل فهي دار الحساب وليست دار العمل.