الخميس يناير 29, 2026

معجزات سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
اعلم أنه صلى الله عليه وسلم ادعى النبوة مقرونة بالمعجزة فهو رسول الله قطعًا. أما أنه ادعى الرسالة فبالمشاهدة للمعاصر، ولغيره بالتواتر اللفظي والمعنوي. ثم معجزاته قسمان:
باقية دائمة يشاهدها من كان في عصره ومن سيكون بعده وذلك هو القرءان العظيم.

وغير دائمة وهو ما صدر عنه من الخوارق الفعلية. فمنها ما رواه عبد الله بن عمر قال «كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريد؟ قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير؟ قال ما هو؟ قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله قال هل من شاهد على ما تقول؟ قال صلى الله عليه وسلم هذه الشجرة، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في شاطئ الوادي فأقبلت تخُدُّ الأرض خدًّا حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى منبتها فرجع الأعرابي إلى قومه وقال إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك» رواه ابن حبان والبيهقي وغيرهما [(579)].
وروى ابن حبان والبيهقي أيضًا [(580)] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يُداوي ويُعالج فقال يا محمّد إنك تقول أشياء هل لك أن أُداويَك؟ قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله، ثم قال له «هل لك أن أُريك ءايةً» وعنده نخل وشجر فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذقًا [(581)] منها فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع رأسه ويسجد ويرفع رأسه حتى انتهى إليه صلى الله عليه وسلم فقام بين يديه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ارجع إلى مكانك» فرجع إلى مكانه. فقال الأعرابي والله لا أكذبك بشىء تقوله أبدًا، ثم قال يا لَعَامر ابن صَعْصَاعٍ والله لا أكذبه بشىء يقوله.
وكلا الحديثين صحيح مشهور بين علماء الحديث.

وروى البخاري ومسلم [(582)] من حديث جابر رضي الله عنه من طريق سالم [(583)] عنه قال «عطِش الناس يوم الحديبية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها وجُهِشَ الناسُ حولهُ فقال «ما لكم» فقالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضَّأ به ولا ما نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة وجعل الماءُ يفورُ من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة».
وأخرج البيهقي في «دلائل النبوة» [(584)] أن قتادة بن النعمان خرجت حدقة عينه فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت أحسن من عينه الأخرى. فمعجزته صلى الله عليه وسلم في نبع الماء من بين أصابعه الذي كفى هذا الجيش الكثير أعجب من تفجير موسى الماء من الحجر حين ضربه موسى بعصاه لأن خروج الماء من الحجر معهود بخلاف نبع الماء الزلال من بين الأصابع.
وفي هاتين المعجزتين قال بعض المادحين:
    إن كانَ موسى سَقَى الأسباطَ من حَجَرٍ     فإنَّ في الكفِّ معنًى لَيْسَ في الحَجَرِ


    إن كانَ عيسى بَرَا الأعمى بدعوَتِهِ        
  فَكَمْ بِرَاحَتِهِ قَدْ رَدَّ مِنْ بَصَرِ

وأمّا معجزة حنين الجذع إليه صلى الله عليه وسلم فهي متواترة تفيد العلم فقد رواها البخاري والبيهقي [(585)] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذعٍ فلما اتخذ المنبر تحوَّل إليه فحنَّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه».
وعند أبي عوانة في مستخرجه وابن خزيمة [(586)] من حديث أنس وأبي نعيم عن جابر وغيره [(587)] «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حزنًا على رسول الله ثم أمر به فدفن» [(588)].

ورواها البخاري [(589)] عن أبي نعيم عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلة وقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال «إن شئتم». فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصّبي، ثم نزل النبي فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يُسَكَّن. وروي أيضًا من حديث أبيّ بن كعب وابن عباس [(590)].
قال البيهقي [(591)]: «وأمر الحنانةأي الجذع الذي حَنَّمن الأمور الظاهرة والأعلام النيرة التي أخذها الخلف عن السلف ورواية الأحاديث فيه كالتكليف» اهـ.
قال الحافظ [(592)]: «وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان. وفيه تأييد لقول من يحمل  ﴿ … وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ … *﴾ [سورة الإسراء] على ظاهره.
وقد نقل ابن أبي حاتم في كتاب «مناقب الشافعي» [(593)] عن أبيه عن عمرو بن سَوَّاد عن الشافعي قال «ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا»، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى. قال «أعطى محمدًا حنين الجذع حتى سُمع صوتُهُ، فهذا أكبر من ذلك» اهـ.

ـ[579] رواه ابن خزيمة في صحيحه (3/ 140).
ـ[580] رواه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص/399).
ـ[581] وفي حديث الحسن عن أنس، كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث يقول: «يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إلى لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه».
ـ[582] تخريج البخاري في حاشية رقم (1).
ـ[583] رواه الدارمي من حديث أبيّ بن كعب (1/ 17)، ومن حديث ابن عباس (1/ 19).
ـ[584] دلائل النبوة (2/ 563).
ـ[585] فتح الباري (6/ 603).
ـ[586] ءاداب الشافعي ومناقبه (ص/83).
ـ[587] الجزالة ضد الركاكة. ـ[588] رواه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.
ـ[589] أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 57).
ـ[590] إشارات المرام (ص/311).
ـ[591] إشارات المرام (ص/333).
ـ[592] تأويلات أهل السنة (1/ 483).
ـ[593] جؤنة العطار (ص40 – 41).