الخميس يناير 29, 2026

فائدة
قال الإمام أبو منصور الماتريدي [(526)] «وقال أبو حنيفة رحمه الله: بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين أن نسألهم هل علم الله ما يكون أبدًا على ما يكون؟ فإن قالوا لا كفروا لأنهم جهَّلوا ربَّهم. وإن قالوا نعم، قيل شاء أن يَنفُذَ علمُهُ كما علم أو لا؟ فإن قالوا لا، قالوا بأن الله شاء أن يكون جاهلًا ومن شاء ذلك فليس بحكيم. وإن قالوا نعم، أقروا بأنه شاء أن يكون كل شىء كما علم أن يكون».

ثم قال [(527)] «فإن قال قائل إذا قَبُحَ الأمر بالمعاصي لم لا يقبح إرادة كونها. قيل لأوجهٍ أحدها التناقض في الأمر وليس ذلك في الإرادة لأن الفعل ربما يصير للأمر فمحال الأمر بالمعصية لأنه يصير بالأمر طاعة فيبطل معنى المعصية بهذا الأمر، وليست الإرادة كذلك ألا يُرى أن كل فاعلٍ مختار مريدٌ لفعله ومحال أن يقال أمر نفسه بفعله فثبت أنهما مختلفان ولا قوة إلا بالله. وأيضًا إن الله يوصف بالإرادة في فعله ومحال أن يكون عليه أمر فيه فثبت أن أحد الوجهين ليس هو دليل الآخر» اهـ.
وكتب الحسن البصري [(528)] إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب فيه الحسن بن علي رضي الله عنهما «من لم يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر وإنَّ الله تعالى لا يُطاع استكراهًا ولا يُعصى بغلبةٍ لأنه تعالى مالك لما ملَّكهم وقادر على ما أقدرهم. فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا وإن عملوا بمعصيته فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك. ولو جبر الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العذاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزًا في القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيَّبها عنهم فإن عملوا بالطاعة كان له المنّة عليهم وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم» اهـ.

وهو بمعنى ما نقله أبو حنيفة [(529)] عن محمد الباقر بن علي رضي الله عنهما مما معناه «لا جبر على العباد فيما يصدر منهم من الأفعال قصدًا كما قال الجبرية ولا تفويض إليهم فيه، فيكونوا مستقلين كما قالت المعتزلة ولا تسليط لهم حتى يوجبوا بدواعيهم بالإيجاب بالذات كما قالت الفلاسفة». وذلك لأن بعض أفعال العبد مما له قصد إلى صدوره، وصحة الصدور غير القصد إذ ربما يصح صدور فعل لا يقصده، وربما يقصد ما لا يصدر أو لا يصح صدوره. فصحة الصدور واللاصدور أي التمكنُ من الفعل والترك هو المسمى بالقدرة والترجيحُ بالقصد والإرادة. ثم حصول قدرته لا بد من أن يستند إلى ما لا يكون بقدرته دفعًا للتسلسل، وحصول مقدوره أيضًا لا بد أن يستند إلى ما لا يكون منه لأنه قد يتخلف عنه بعد حصول قدرته وإرادته وسلامة أسبابه وءالاته ولشمول قدرة الخالق الواجب الوجود تعالى لجميع الممكنات التي منها فعله.
وقد روى الإمام الشافعي والحافظ ابن عساكر [(530)] عن عبد الله بن جعفر عن علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر «سر الله فلا تتكلف» فلما ألح عليه قال له «أمَّا إذ أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبرٌ ولا تفويضٌ» اهـ.

ـ[526] شعب الإيمان (1/ 208).
ـ[527] تشنيف المسامع (4/ 101 – 102).
ـ[528] اختلف الأشاعرة والماتريدية في تعريف الشقي والسعيد فالسعيد عند الأشاعرة هو من سبق في علم الله أنه يموت على الإيمان والشقي عندهم هو من سبق في علم الله أنه يموت على الكفر نظروا إلى الخاتمة. أما الماتريدية فقد نظروا إلى حاله الآن وليس إلى ما يختم له به فقالوا من حاله الآن حسنة يقال له سعيد فإن تغيّر حاله إلى الكفر يقال له شقي لذلك قالوا والسعيد قد يشقى بأن يرتد بعد الإيمان والشقي قد يسعد بأن يؤمن بعد الكفر.

قال التفتازاني والحق أنه لا خلاف في المعنى لأنه إن أريد بالإيمان والسعادة مجرد حصول المعنى فهو حاصل في الحال وإن أريد به ما يترتب عليه النجاة والثمرات فهو في مشيئة الله تعالى لا قطع بحصوله في الحال فمن قطع بالحصول أراد الأول ومن فوض إلى المشيئة أراد الثاني.
ـ[529] رواه الطبراني في المعجم الأوسط (9/ 292)، قال السيوطي في الدر المنثور (4/ 660): «سنده ضعيف».
ـ[530] رواه الترمذي في سننه: كتاب القدرك باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح».