دفع شبهة للمعتزلة
قالت المعتزلة: مآل مذهبكم أنَّ العبد حيث إنه لا يخلق فعله فهو مظهر لظهور أثر قدرة الله فكيف يكون مكلفًا؟ قلنا: وأنتم إن سلمتم أنه لا فعل للعبد إلا أن علم الله في الأزل أنه يكون منه وإلا فلا فقد رجعتم إلى القول إلى أنه لا اختيار للعبد محض بل العبد له اختيار ممزوج بجبر كما نقول. وإن لم تسلموا ذلك فقلتم إن العبد يفعل ما علم الله أنه لا يكون أو لا يفعل ما علم الله أنه يكون منه فقد نسبتم الله إلى الجهل، وذلك كفر ظاهر.
وإن سلمتم أنه كان عالمًا في الأزل ما سيفعل العبد أنه يفعله وأنه كان عالمًا بما لا يفعل العبدُ أنه لا يكون منه كان ذلك اعترافًا منكم بصحة التكليف للعبد من غير أن يكون للعبد استقلال بالفعل فماذا تعيبون على أهل السنة؟
وقولُ المعتزلة إن الله خلق الأجسام وإنه لا يخلق شيئًا من الأعمال بل الأعمال بخلق العباد حتى أفعال البهائم قالوا إنها تقع بخلق البهائم لها مؤداه أنهم جعلوا مخلوق العباد وكلّ ذي روح أكثر من مخلوقات الله باعتبار ذواتهم ولا شك أن أعمالهم أكثر من أعيانهم أي أجسامهم وهم خالفوا بذلك قول الله تعالى ﴿ … اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ … *﴾ [سورة الرعد] وقوله ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ … *﴾ [سورة النحل] وقوله في سورة فاطر ﴿… هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ … *﴾ وقوله ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ … *﴾ [سورة الإنسان]. وخالفوا قول الأمة قاطبة سلفها وخلفها «ما شَاءَ الله كانَ وَمَا لَم يَشَأ لم يَكُنْ». فالمعتزلي يقول «ما شِئْتُ كان وما شَاءَ الله لم يكن» لأن المعتزلي يعتقد أن الله تعالى لم يشأ من أعمالنا إلا الخير أما الحرام والمكروه فواقعان بغير مشيئته وقد ثبت عقلًا عموم مشيئة الله تعالى لكل ممكن عقلي. وخالفوا أيضًا قول الله تعالى ﴿ … أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا … *﴾ [سورة الرعد] فيحصل من ذلك دليل على أن العباد شاؤوا المعاصي عندنا وعندهم وأن مشيئتهم المعاصي كانت بمشيئة الله تعالى بهذا النص النافي لأن يشاؤوا شيئًا إلا أن يشاء الله سبحانه. وفيه دليل على أنه لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب وإنما الخلق أي الإحداث من العدم بمشيئة الله وتقديره. وكذلك قوله تعالى ﴿ … فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ [سورة الأنعام] وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً … *﴾ [سورة هود] وفي هذه الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير المشيئة وأنه تعالى لم يُرد الإيمان لكل أحد وأن ما أراده يجب وقوعه.
وقوله تعالى ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ … *﴾ [سورة الأنعام] وفيه تصريح بتعلق مشيئته تعالى بهداهم وضلالهم. وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا … *﴾ [سورة يونس] فيه دليل على كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم ولم يكن فيها إلا المؤمن الموحد ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به، وشاء أن لا يؤمن به من علم أنّه يختار الكفر ولا يؤمن به فقال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ … *﴾ [سورة الأنعام] وفيه دليل على أنّ الآية [(524)] وإن عظمت لا تضطر إلى الإيمان بل من علم الله منه اختيار الإيمان شاء له ذلك ومن علم منه اختيار الكفر والإصرار عليه شاء له ذلك كما في التأويلات الماتريدية [(525)].
ومن أصرح دليل على أن الهدى والضلال بخلق الله تعالى قوله ﴿ … فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة فاطر] أي من يشاء الله، فالضمير في يشاء عائد إلى الله لا إلى العبد بدليل قوله تعالى إخبارًا عن موسى ﴿ … إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَآءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَآءُ … *﴾ [سورة الأعراف] والقرءان يفسر بعضه بعضًا ولا يناقض بعضه بعضًا، فمن جعل الضمير عائدًا إلى العبد فقد حرَّف القرءان لأنه على ما ذهب إليه يلزم التناقض في القرءان، ويرد على هؤلاء بقوله تعالى ﴿ … مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَآ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾ [سورة الأنعام] وقوله تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ … *﴾ [سورة القصص] وقوله تعالى ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ … *﴾ [سورة هود] وقوله تعالى ﴿ … كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ … *﴾ [سورة يوسف] ففيه دليل على أن الأعمال بخلق الله تعالى وقضائه وقدره وأن يوسف لو لم يصرف الله السوء عنه لم يَسلم فسبحان من لا حول ولا قوة إلا به فبمجموع هذه الآيات ونحوها تمسك أهل الحق.
وللمعتزلة تأويلات فاسدة يتعجب منها الناظر فقالوا في الجواب عن قول الله تعالى في سورة الأنعام ﴿… فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ إن المشيئة تُحمل على مشيئة القسر والإلجاء والإرغام. فحين سُئلوا عن معنى مشيئة القسر تحيروا فقال العلاّف منهم «معناها خلقُ الإيمان والهداية فيهم بلا اختيار منهم» ورُدَّ بأن المؤمن حينئذ يكون اللَّهَ لا العبدَ على ما زعمتم من إلزامنا لمّا قلنا بأنَّ الخالق هو الله تعالى مع قدرتنا واختيارنا وكسبنا فكيف بدون ذلك.
وقال الجُبَّائي: «معناه خلق العلم الضروري لصحة الإيمان وإقامةُ الدلائل المثبتة لذلك العلم الضروري» ورُدَّ بأن هذا لا يكون إيمانًا على قولكم إن الإيمان المكلف به ما يكون بخلق العبد. والكلام في الإيمان الاختياري على أن في بعض الآيات دلالة على أنهم لو رأوا كل ءاية أو دليل لا يؤمنون ألبتّة.
وقال ابن الجبائي «أن يخلق لهم العلم بأنهم لو لم يؤمنوا لعذبوا عذابًا شديدًا». وهذا أيضًا فاسد لأن كثيرًا من الكفار يعلمون ذلك ولا يؤمنون على أنَّ قوله تعالى ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأِمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *﴾ [سورة السجدة] يشهد بفساد تأويلاتهم لدلالته على أنه إنما لم يهد الكل لسبق الحكم بملء جهنم. ولا خفاء بأن الإيمان والهداية بطريق الجبر لا يخرجهم عن استحقاق جهنم عندهم فوضح بذلك أنهم محتارون ومتهورون.
ـ[524] تشنيف المسامع (4/ 162 – 163).
ـ[525] في نسخة: «خاليًا».