جواب عن تمويه للمعتزلة
ربما احتجوا بقول الله تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ *﴾ [سورة الذاريات].
فالجواب أن المعنى: ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة، وليس في الآية أنه لم يشأ أن يشركوا ويعصوا بدليل قوله تعالى ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *﴾ [سورة ءال عمران].
فقوله صريح في أنَّ الله شاء أن يعصوا. أليس هذا في منتهى الصراحة في إثبات مشيئة الله لمعاصي العباد؟ وقوله تعالى ﴿ … أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ … *﴾ [سورة المائدة] من أصرح الصريح لإثبات مذهب أهل الحق أن الله شاء ضلالة الكفار ولم يشأ هدايتهم. واحتجت المعتزلة أيضًا بقوله تعالى ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ *قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ [سورة الأنعام].
قالوا: فقد رد الله على المشركين قولهم ﴿ … لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا … *﴾ [سورة الأنعام]. فقد وبخهم الله على هذا القول لإثباتهم مشيئته لإشراكهم ولو كان حقًّا لما وبخهم عليه.
والجواب: أن الله لم يوبخهم على اعتقادهم أن إشراكهم بمشيئة الله وإنما وبَّخهم لظنهم أن الله رضي لهم إشراكهم وأمرهم به كما قال تعالى في سورة الأعراف ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *﴾ وقد أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا ﴿ … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى … *﴾ [سورة الزمر].
واحتجت المعتزلة أيضًا بقوله تعالى ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ … *﴾ [سورة النساء]، قلنا: الجواب أن المراد بالحسنة هنا النعمة لا الطاعة وبالسيئة المصيبة لا المعصية بدليل قوله ﴿ … وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ … *﴾ [سورة النساء] أي فليست الآية في محل النزاع بيننا وبينهم بل الآية في شأن الكفار الذين كانوا إذا رأوا خصبًا وسَعة عيشٍ قالوا هذا من عند الله وإذا رأوا جَدبًا وقحطًا قالوا هذا بشؤم دين محمد فردَّ الله عليهم وقال ﴿ … قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلآءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا *﴾ [سورة النساء].
ونظيره قوله في قوم موسى ﴿ … وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *﴾ [سورة الأعراف].
ومعنى قوله ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ … *﴾ [سورة النساء] أي ما أصابك [(520)] من نعمةٍ فمن فضل الله. ﴿ … وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ … *﴾ [سورة النساء] أي ما أصابك من مصيبةٍ فمن جزاء ذنبك عاقبك الله بها كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ *﴾ [سورة الشورى].
ـ[519] التوحيد (ص/303).
ـ[520] التوحيد (ص/304).