جواب ءاخر عن تمويههم
قالت المعتزلة: إنكم قلتم إن الله أراد الظلم من العبد ثم يعاقبه عليه في الآخرة وذلك ظلم. نقول في الجواب: إن مشيئته لما يقع من العباد من ظلم بعضهم بعضًا ثم عقابَهم على ذلك في الآخرة لا يكون ذلك منه ظلمًا، بخلاف العباد فإن مشيئتهم الظلم يكون منهم قبيحًا لأنهم منهيُّون عنه مأمورون بتركه ولا يُتصور في فعله تعالى ما هو منهي عنه إذ لا يُتصوَّرُ له ناهٍ وليس له ءامرٌ ولأن العالَمَ خلقه وملكه والمتصرف في مِلكه الذي هو خلقه يستحيل وصفه بالظلم وأيضًا فلا يُتصوَّر الظلم إلا ممَّن يُتصوَّر في حقه الجهل لأنه وضع الشىء في غير موضعه. وأما من أحاط علمه بالأشياء ومواقعها فلا. والمخالف في هذه المسألة القدرية أي المعتزلة قالوا: إن القديم يصح منه الظلم لكن لا يظلم لكونه قبيحًا.
وحاصل الجواب في هذه المسألة أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للعباد فلذلك له عليهم الأمر والنهي فيتصوَّر منهم الظلم فظلمهم مخالفة أمره ونهيه، وأما هو فلا أحد يستحق عليه الأمر والنهي فلا يتصور منه الظلم إذا عاقبهم على مخالفة أمره ونهيه. ولا يقاس الله الذي هو مالك كل شىء بالعبد الذي إنما يملك ما ملّكه الله وحَدَّد له التصرف على حسب ما أذن له به فإذا جاوز ذلك الحد استحق العقوبة. كيف يقاس المالك الحقيقي على عبد هو وما يملكه مِلك لخالقه فهيهات هيهات.