الخميس يناير 29, 2026

تنبيه

 يتلخص مما ذُكر أن الذين قالوا القرءان مخلوق من غير أن يعتقدوا أنه ليس لله كلامٌ إلا ما يخلقُه في غيره كالمأمون وأخيه وابن أخيه الواثق فإنهم لم يساعدوا المعتزلة إلا على هذه العبارة «القرءان مخلوق» ولم يعتقدوا أنه ليس لله كلام إلا ما يخلقه في غيره كما هو معتقدُ المعتزلة، فلا يتناول هؤلاء الخلفاء حكم الأئمة بالتكفير على من قال هذه العبارة، فبطل ما زعمه بعض الناس من الاحتجاج لترك تكفير المعتزلة بما حصل للخليفة المأمون ومن تبعه من الخلفاء العبّاسيين من موافقة المعتزلة على هذه العبارة، فتبين أن قول الأئمة منصَبٌّ على المعتزلة القائلين بأنه ليس لله كلامٌ إلا ما يخلقُه في غيرِه وإطلاقُهم [(438)] القولَ بأن القرءان مخلوق على هذا الوجه.
والمعتزلي الذي يقول هذه المقالة والذي يقول بأن العباد يخلقون أفعالهم الاختيارية مستقلين بإيجادها وإن الله كان قادرًا على أن يخلق أفعال العباد قبل أن يعطيهم القدرة عليها وبعد أن أعطاهم القدرة عليها صار عاجزًا عن خلقها كفّارٌ قطعًا، لكن لا يُكفَّر الواحد من المعتزلة لمجرد انتسابه إليهم إلا أن تثبت عليه قضية معيَّنَةٌ يكفر معتقدُها لأن منهم من ينتسب إليهم انتسابًا ولا يوافقهم إلا في بعض مقالاتهم التي هي غيرُ كفر.
وأما إطلاق القول بأن المعتزلة ضلال غير كفار فبعيدٌ من الصواب، فكيف يتردد في تكفير من يقول إن الله لا يقدر أن يخلق مقدورات العباد بعد أن أعطاهم القدْرةَ عليها، هكذا حقّقَ القولَ في أمر المعتزلة الحافظ الفقيه شيخ الإسلام سراجُ الدّين عُمَرُ بن رَسلان البُلقينيّ، وقال الحافظ اللغوي الفقيه الحنفي محمد مرتضى الزبيدي [(439)] في شرح إحياء علوم الدين ما نصه: «ولذلك لم يتوقف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان» اهـ أي التأثير الحقيقي الذي هو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود.

وللمعتزلة مقالات أخرى فاسدة منها قولهم إن لم يفعل الله غاية مقدوره يكون بخيلًا فيقولون ترك الأصلح بخل وسفه وكلامهم هذا في غاية السخافة.

تنبيه ذكر التفتازاني [(440)] في شرحه على العقيدة النسفية أن قولنا لموسى كليمُ الله ليس لأنه سمع الكلام الذاتي إنما معناه سمع صوتًا دالا على كلام الله تعالى بغير واسطة ملك أو غيره لذلك سمي كليم الله، وهذا غير مستحسن. وذكر أنه لا يجوز أن يُسمع ما ليس بصوت وينقل هذا عن الماتريدي وينسُبه إليه [(441)]، لكن الماتريدي لا يقول إن الكلام الذاتي الذي هو غير صوت لا يصح أن يُسمع أما فيما يتعلق بموسى فيحتمل أنه وُجِد ذلك في بعض عبارات الماتريدي فشهروا عنه هذا القول، ونحن نقول سماع ما ليس بحرف ولا صوت جائز ممكن فكما أنه يصح أن يُسمع الحرف والصوت كذلك يصح سماع الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت إذا أزال الله المانع من العبد.

ـ[438] انظر الموافقة (2/ 151).
ـ[439] انظر الموافقة (4/ 107).
ـ[440] مجموع فتاوى (6/ 160).
ـ[441] مجموع فتاوى (6/ 234).