فائدة ترجع إلى مسئلة الكلام
قال البيهقي [(430)] في ردّ قول من يقول إن الله متكلم بمعنى خالق الكلام في غيره كالشجرة التي كان موسى عندها: «ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائمًا بغيره ثم يكون هو به متكلمًا مكلمًا دون ذلك الغير. كما لا يجوز ذلك في العلم والسمع والبصر وقال ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ … *﴾ [سورة الشورى] فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقًا في شىءٍ مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنًى لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقًا في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذ زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملكٍ أو من نبيّ أتاه به من عند الله أفضلَ مرتبة في سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى عليه السلام من الله وإنما سمعه من شجرةٍ، وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبةً في هذا المعنى من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء وموسى صلوات الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقًا في شجرة، ولو كان مخلوقًا في شجرة لم يكن الله عزَّ وجلَّ مكلمًا لموسى من وراء حجاب ولأن كلام الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلام لو كان مخلوقًا في شجرة كما زعموا للزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمةً ووجب عليهم أنّ مخلوقًا من المخلوقين كلَّم موسى وقال له ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي … *﴾ [سورة طه] وهذا ظاهر الفساد» اهـ.
والحاصل أنه يجب اعتقاد أن اللفظ المنزّل حادث مخلوقٌ لله لكنه ليس من تأليف جبريل ولا سيدنا محمد إنّما هو شىء تلقَّفَه جبريل من اللوح المحفوظ فتلاه على النبي، لكن لا يجوز أن يقال عن هذا اللفظ إنه مخلوق إلا في مقام التعليم فيجوز حذرًا من اعتقاد الحادث قديمًا قائمًا بذات الله، وعلى هذا التفصيل يحمل كلام الشافعي أي قوله لحفص لما ناظره في هذه المسئلة فقطعه بالحجّة وأصرّ حفص على معتقده وقوله القرءان مخلوق: «لقد كفرتَ بالله العظيم». ويعني الشافعي بهذه العبارة أن ذلك كفر من حفصٍ حقيقيٌّ ولا يعني الشافعي بذلك كفرانَ النِّعمة كما زعَم بعضُ الشّافعيّة ودلَّ على ذلك قولُ حفصٍ لما قام من مجلس الشّافعي للرّبيع المُرادي: «أراد الشافعي قتلي [(431)]». ويدُلّ لذلك أيضًا روايةُ الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الرَّبيع أنَّ الشّافعيَّ كفّرَهُ [(432)].
قال ابن أبي بكر السعدي الحنبلي في كتابه الجوهر المحصل [(433)]: «وصح عن الإمام أحمد أنه كان يبدّع من يقول بأن اللفظ بالقرءان غير مخلوق. قال العلامة ابن رجب في الطبقات [(434)]: «والصحيح الصريح عن أحمد أنه كان يبدّع قائل ذلك» اهـ. وقد روى ابن الجوزي [(435)] عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه غضب غضبًا شديدًا على من نسب إليه رضي الله عنه أنه قال: لفظي بالقرءان غير مخلوق وأمره بأن يمحوه أشدَّ المحو. ومثله نقل الإمام البيهقي في الأسماء والصفات [(436)] أن الإمام أحمد كان ينكر هذه العبارة، وقال البخاري في كتابه خلق أفعال العباد [(437)]: «المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام والخوضَ والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ـ[430] خلق أفعال العباد (ص43).
ـ[431] أي المعتزلة.
ـ[432] إتحاف السادة المتقين (2/ 135).
ـ[433] شرح العقائد (ص/94).
ـ[434] شُهِرَ ذلك عند الماتريدية ووافقهم بعض الأشاعرة بأن الكلام الذاتي لا يُسمع وإنما يسمع دليله لامتناع سماع ما ليس بصوت، ولكن المعتمد أنه يصح أن يُسمع إذا أزال الله من العبد المانع فإنه يسمع ولا يلزم حدوثه لحدوث السامع فالكلام الأزلي الذي ليس حروفًا متعاقبةً العبدُ يسمعه ويسمَعُهُ الله، كما أنه يرى الذات المقدس المنزه عن الاقتران بالزمان والمكان والشكل والهيئة، وذلك الذات المقدس ربنا تبارك وتعالى يجوز عقلاً أن يُرى للعباد.
ـ[435] انظر الكتاب (ص/51).
ـ[436] انظر المنهاج (1/ 221).
ـ[437] انظر الموافقة (2/ 143).