الخميس فبراير 12, 2026

فصل في معنى العظمة والعلو والكبرياء والفوقية

أجمع المسلمون على أن الله تعالى عظيم وأعظم من كل عظيم، ومعنى العظمة والعلو والعزة والرفعة والفوقية واحد وهو استحقاق نعوت الجلال وصفات التعالي على وصف الكمال وذلك تقدسه عن مشابهة المخلوقين وتنزهه عن سمات المحدثين وعن الحاجة والنقص، واتصافُهُ بصفات الإلهية كالقدرة الشاملة للمقدورات والإرادةِ النافذة في المراداتِ والعلمِ المحيط بجميع المعلومات والجودِ البسيط والرحمة الواسعة والنعمة السابغة والسمع والبصر والقول القديم والطَّوْل العميم والوجه واليد والبقاء والمجد» اهـ.
تنبيه ليحذر من كلمة في أبيات منسوبةٍ للغزالي وليست له وهي هذا الشطر: «وهو في كلّ النواحي لا يزول» فإنها مرادفة لقول المعتزلة «الله بكل مكانٍ».
قال علي الخواص: «لا يجوز القول إنه تعالى بكل مكان» اهـ فلا يجوز قوله سواء أريد به أنه حال بذاته في الأماكن كلها أو أريد به عموم علمه وهذه المقالة من كلام المعتزلة كما ذكر الإمام أبو منصور التميمي البغدادي [(379)].
ولا عبرة بقول بعض جهلة المتصوفة الذين يكثرون من قولها مستحسنين لها. وكذلك قولهم «الله موجود في كلّ الوجود» وهذه الكلمة نشأت من أهل الحلول الذين يقولون إن الله حالّ في الأشياء. ومنهم من يقول إنه يحلّ في الصور الحسان ولذلك يقولون إذا رأوا إنسانًا جميلاً إن الله جميل ولا يدرون أنّ الجميل إذا أطلق على الله معناه المُجْمِلُ أي المُحْسِن وأنه يستحيل عليه جمال الشكل.

فائدة قال الإمام أبو منصور البغدادي رحمه الله في كتابه «تفسير الأسماء والصفات» [(380)]: «وأما أصحابنا فإن شيخنا أبا الحسن الأشعري وأكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة والجماعة قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفرًا أو أدته إلى كفر كقول من يزعم أن معبوده صورة أو له حد أو نهاية أو يجوز عليه الحركة أو السكون أو أنه روح ينتقل في الأجساد وأنه يجوز عليه الفناء أو على بعضه أو قال إنه ذو أبعاض وأجزاء كقول المعتزلة بنفي علم الله عز وجل وقدرته وحياته وسمعه وبصره ورؤيته وقولهم بحدوث إرادته وكلامه وإثباتهم خالقين كثيرين غير الله عز وجل لأن نفي علمه وقدرته يوجب إحالة كونه قادرًا عالمًا ولا ينفعهم قولهم إنه عالم إنه قادر لأن نفيهم العلم يسبب نفي العالمية وقولهم نحن لا نقول لله قدرة بل نقول قادر يؤدي إلى نفي كونه قادرًا فهو لازم بيّن. فاللازم البيّن لا محيص عنه. واللازم البيّن مذهب لقائله. وإحالة الرؤية عليه يوجب إبطال وجوده والقول بحدوث كلامه يوجب أن يكون كلامه من جنس كلام الناس وأن يكون الناس قادرين على معارضة القرءان بمثله وذلك يبطل إعجاز القرءان وكونه دليلًا على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم وأن من أثبت خالقًا للخير والشر غير الله عز وجل فهو القدري الذي أخبر الرسول عليه السلام بأنهم مجوس هذه الأمة ونهى عن مناكحته والصلاة عليه وذلك أن قول القدري يضاهي قول المجوس بل يزيد عليه كفرًا لأن المجوس إنما قالت بخالقَين أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر وقالت القدرية بخالقِين كثيرين وزعموا أن العباد يقدرون على ما لا يقدر الله عليه وأن الله يريد كون الشىء فلا يكون ويكره كون الشىء فيكون وهذه صفة المقهور العاجز» انتهى بحروفه.

ـ[379] اعتقاد الإمام أحمد (ص/54 – 55).
ـ[380] اعتقاد الإمام أحمد (ص/58).