فائدة جليلة لإثبات حدوث العالم بإثبات الجوهر الفرد
ذكر الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع» [(106)] في مسألة إثبات الجوهر الفرد الذي لا ينقسم أنه لو كان لا ينتهي إلى حد لا يقبل القسمة وكان يقبل الانقسام لأدى ذلك إلى وجود اتصالات لا نهاية لها ويؤدي إلى أن تكون أجزاء الخردلة مساوية لأجزاء الجبل لأن كل واحد منهما لا يتناهى ويؤدي إلى أن ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له وذلك محال. وقول الفلاسفة إن المدرِك له الوهم لا يعقل فإن الوهم لا يدرك الأشياء التي لا تُدرك بالحواس على ما هي عليه والجوهر يُدرَك بدليل العقل دون الحس لأنه بلغ من صغره إلى أن فات الحسَّ فلهذا لا يحكم عليه الوهم إلا بحكم ما يشاهده من المحسوسات، وذلك كحكمه على الواحد الحق الذي لا جهة له ولا بعضَ في قضية العقل بأنه لا بدّ أن يكون له حركة وسكون واجتماع وافتراق ومقدار ومكان قريب وبُعْدٌ وَوَضْعٌ إلى ما سوى ذلك من سائر عوارض الأجسام التي أَلِفَها وأنس بها فيحكم على ما لم يشاهده بحكم ما شاهده فيها، والتخلص من غلط الوهم عزيز يختص به الآحاد فهذا وجه الغلط في هذه المسألة وهو أن الوهم يحكم على الجوهر الفرد بحُكم الجسم في قبول القسمة ويقضي بأنه قابل للانقسام إلى غير نهاية والعقل يحكم بإحالته لقيام الدليل على ذلك.
فإن قيل ما الفائدة في إثبات الجوهر الفرد وما القصد بهذه المسئلة فالجواب أنه من مقدمات حَدَث العالم فإن الجسم إذا ثبت أنه مركب من أجزاء مفردة استحال خلوه عن الأكوان [(107)] التي هي عبارة عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهي معان حادثة فيترتب عليه أن ما لا يخلو عن الأكوان الحادثة لا يسبقها، وما لا يسبق الحادث فهو حادث لئلا يؤدي إلى إثبات ما لا أول له من الحوادث وهذه طريقة أئمتنا في إثبات حَدَث العالم إذا بسطت وحققت والقصد بذلك حصر العالم في الجواهر والأعراض» اهـ.
وزيادة في الفائدة تقول انه قد ثبت وجود الحوادث بالعِيان فهي جائزة الوجود إذ يجوز عقلًا أن تستمر في العدم ولا توجد كما جاز وجودها بعد أن كانت معدومة وجودًا حادثًا. فإذا اختصت بالوجود الممكن افتقرت إلى مخصِّص ثم يستحيل أن يكون المخصِّص طبيعة لا اختيار لها ولا إرادة، فلا يتأتى منها تخصيص الجائز بالوجود بدل العدم وبوقت دون وقت أو بصفة دون صفة كتخصيص الإنسان بالمشي على رجليه بدل المشي على البطن كالحيَّة.
فإن قال الملحدون كالشيوعيين إنها قديمة أزليَّة قلنا: لا تصح الأزلية إلا لموجود ذي حياةٍ وعلم وإرادة وقدرة والطبيعة ليست كذلك. وإن قالوا حادثةٌ قلنا: الحادث محتاج لمحدِث فهي تحتاج في وجودها لمحدِث أزلي فاعل بالإرادة والاختيار وإلا لَزِمَ احتياج ذلك المُحدِث إلى مُحدِثٍ ومُحدِثه إلى مُحدِث إلى غير نهاية وذلك قولٌ بوجود حوادث لا أوَّل لها وقد تبين بطلان ذلك بالدليل العقلي فوضح أنّ مُخَصِّص الحوادث فاعل مختار موصوف بالإرادة والقدرة فثبت أن صانع العالم لا يجوز عقلاً أن يكون فاعلاً بالإيجاب كقول الفلاسفة إن وجود الله الأزلي اقتضى وجود العالم كاقتضاء وجود الشمس وجود ضوئها وسموه علة للعالم أو أن يكون طبيعة.
ولا يصحُّ أن يكون وجود العالم بالصدفة لأنَّ العقل يحيل وجود شىء ما بدون فاعل لأنه يلزم على ذلك محال هو ترجح وجود الجائز على عدمه بدون مرجّح وذلك لأن وجود الممكن وعدمه متساويان عقلًا فلا يترجَّح أحدهما على مقابله إلا بمرجّح كما أنه تبين بما تقدم استحالة استناد وجود الممكن العقلي إلى ممكن حادث قبله بالتسلسل إلى غير نهاية واستحالة استناد وجوده إلى ممكن حادث يستند وجوده إليه فالملحد يقول إن وجود المحدثات الجزئية يتوقف على وجود أصولها ووجود أصولها يتوقف على وجود أصولها حتى تنتهي إلى المادة الأولى قالوا فينتهي إليها وجود ما دونها، فيُنقَضُ عليه بأن يقال تلك المادة على زعمك قد تطورت وما تطور يجب عقلًا أن يكون له مطوّرٌ والمتطوّر حادثٌ والحادث لا بد له من مُحدِثٍ فلا بد للمادة من مُحدِثٍ غير حادثٍ، فإذًا مُحدِث المادة هو مُحدِثُ جميع ما انحلَّ منها مهما كثرت الوسائط. فإذا قال الملحد: الإنسان خلقته النطفةُ والنطفة خلقتها الأغذية النباتيّة من حبوب وغيرها، قلنا: الأغذية من جملة الحوادث والحوادث لا يصح عقلًا استغناؤها عن فاعلٍ بالإرادة والاقتدار فلا يجوز عقلًا أن تَخلُق.
ـ[106] وهناك دليل ءاخر وهو أن نقول لو وجدت حوادث لا أول لها للزم إما أسبقية الأزلي على الأزلي أو صيرورة ما يتناهى لا يتناهى بزيادة واحد لكن صيرورة ما يتناهى لا يتناهى باطل فبطل وجود حوادث لا أول لها انتهى مؤلفه.
ـ[107] تشنيف المسامع (4/ 881 – 882).