طولُ الأملِ ونسيانُ الموت
يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… يا أحبابَ اللهِ ورسوله
إن العاقل الفطن هو الذي لا تغره الحياة الدنيا بزينتها وزخارفها ومتاعها ولكن يجعل قلبه متعلقاً بأعمال الآخرة فيسارع في فعل الخيرات والطاعات ويقصر أمله في دنياه، ويجعل الموت نصب عينيه فينتظره في كل وقت وأوان، ويترك الغفلة عن فعل الطاعات خوف اني فاجئه هاذم اللذات الموت، ويسارع إلى الخيرات والطاعات امتثالاً لقوله تعالى: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)} [سورة البقرة].
وقوله سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} [سورة آل عمران].
يا أحباب اللهِ ورسوله
إنَّ الموت حقّ والله تبارك وتعالى قهر عباده بالموت وجعل سيف الموت على رقبة كل واحد من عباده، ولا يدري الواحد منّا متى وفي أي ساعة ينزل عليه سيف الموت ويقطع، قال الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [سورة آل عمران/185].
فإياكم- يا إخوتي وأحبابي- وطول الأمل ونسيانَ الموت وشغل القلب بحب الدنيا فإن هذا يجلب لكم الغفلة عن طاعة الله تعالى والانشغال بالدنيا عن المسارعة إلى الخيرات والطاعات، لذلك يقول النبيّ الأعظم ﷺ: “أكثروا من ذكر هاذم اللذّات الموت فإنه ما ذُكر في كثير إلا قلّله ولا في قليل إلا كثَّره”. ويقول عليه الصلاة والسلام: “أكيسُ الناس (أي أعقلهم وأذكاهم) أكثرهم ذكراً للموت وأكثرهم ذكراً أكثرهم له استعداداً”.
وقد قال بعضهم: “من أكثر ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء، تعجيل التوبة وقناعة القلب والنشاط في العبادة، ومن نسيه عُوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة (أي تأخيرها) وترك الرضا بالكفاف (وهو ما يكون بقدر الحاجة) والتكاسل في العبادة”.
يا عُشّاق الحبيبَ مُحمّد… يا أحبابَ اللهِ ورسوله
إنّ الموت آت قريب وإنّ مدة بقائنا في الدنيا أيام قليلة فانصبوا أجلكم بين أعينكم واستعدوا للموت وقد روا نزوله بكم في كل وقت وتذكروا قول الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } [سورة النساء /78].
بادروا وأسرعوا إلى فعل الطاعات والخيرات امتثالاً لأمر الله تعالى بلا تأخير ولا تسويف، فإذا أصبحتم فلا تنتظروا المساء، وإذا أمسيتم فلا تنتظروا الصباح فتتهاملوا وتتكاسلوا عن فعل الطاعات، بل أسرعوا وبادروا بفعلها في الحال فربما يكون تأخيرها سبباً لفواتها وعدم استدراكها لعلة الموت مثلاً، أو لغيرها من شواغل الدنيا.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: “كُنْ في الدنيا كأنّك غريبٌ أو عابر سبيل” رواه البخاري.
ومعناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق فيها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله.
فافهموا رحمكم الله وصية رسولكم المصطفى ﷺ لابن عمر رضي الله عنهما.
واعلموا- يا إخوتي وأحبابي في الله- أن العبد العاقل الفطن الذكي المقبل على الآخرة ينبغي ألا يتخذ الدنيا له وطناً ومسكناً فيطمئن ويركن إليها ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر. وقد اتفقت على ذلك وصايا لأنبياء وأتباعهم من عباد الله الصالحين. وقد كان سيدنا محمد ﷺ وهو أشرف الأنبياء والمرسلين يقول: “مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلُ الدنيا كمثل راكب قال (أي أخذ قيلولة) في ظلّ شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها” رواه الإمام أحمد بن حنبل.
ومن وصايا المسيح عليه السلام لأتباعه قوله لهم: “الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها”.
ورُوي عنه عليه السلام أنه قال لهم: “مَنْ ذا الذي يبني على البحر داراً؟! تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً”.
وقال أحد الأكابر العارفين: “الوقتُ أغلى من الذهب، إن لم تصرفه في طاعة الله ذهب”.
أحباب رسولِ الله… النبيّ المصطفى والرسول المجتبى
اعرفوا شرف وقتكم واعلموا أنه غال وثمين جداً واصرفوه في الطاعات والخيرات لترضوا ربكم. وقد قال أحد الصالحين: “الوقت أعزّ الأشياء عليك، فاشغله بأعز الأشياء الله رب العالمين”. وهذا معناه أن الوقت عزيز وغال وثمين جداً فاشغله بطاعة الله عز وجل. واعلموا- يا إخوتي في الله- أن الفراغ إن لم تشغلوه بما ينفع ويفيد شغلكم بما لا ينفع ويفيد… حاسبوا أنفسكم كل ساعة وأوان، وانظروا كل ساعة من ساعاتكم بما تذهب، فلا تودعوها إلا أشرف ما يمكن من الطاعات والخيرات، ولا تهملوا أنفسكم وعودوها أشرف ما يكون من الأعمال وأحسنها وابعثوا بها إلى صناديق قبوركم ما يسركم يوم الوصول إليه، وإياكم وطول الأمل فكم من مُستقبلٍ يوماً لا يستكمله، وتفكروا وتدبّروا ما قال أحدهم:
يا مَنْ بدنياه اشتغل
|
| وغَرَّهُ طول الأمل
|
الموتُ يأتي بغتة
|
| والقبرُ صندوقُ العمل
|
دعاء: اللهُمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك… اللهُمَّ آتِ نفوسنا تقواها وزكها أنت خيرُ من زكاها… أنت وليّها ومولاها.
فائدة: إن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف فقوله: {فثم وجه الله} أي فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فوجه الله في الآية معناه قبلة الله التي رضيها لعباده في السفر لمن هو راكب دابة يريد النفل وهذه الرخصة خاصة براكب الدابة يريد النفل فلا يدخل في هذا الحكم راكبو السيارات.