اللهُ خالقُ تقلبات القلوب وخالقُ كُل شيء
يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… يا أحباب اللهِ ورسولهِ
اعلموا أن من أصول العقيدة الإسلامية اعتقاد أن الله تعالى هو المنفرد بخلق الأشياء التي دخلت في الوجود كلها أي إبرازها من العدم إلى الوجود، سواء منها الأشياء التي لها أحجام صلبة كالإنسان والأرض والنبات،.. أو الأشياء التي ليست أجساماً صلبة كالنور والظلام، كل ذلك الله تعالى هو خالقه، والله تبارك وتعالى هو خالق لأجسامنا وهو خالق لأعمالنا… حركاتنا وسكناتنا… وهو سبحانه وتعالى خالق لحركات الإنسان وسكناته وتفكيراته ونواياه القلبية أي اعماله القلبية، فما يحدث في قلب الإنسان من خير أو شر، محبة أو كراهية… اهتداء وإيمان أو كفر وغواية وضلالة كل ذلك بخلق الله تبارك وتعالى وحده إذ العباد لا يخلقون شيئاً من أعمالهم وإنما يكتسبونها اكتساباً، فكل أفعال العباد وحركاتهم وسكنتاهم التي يفعلونها بإرادة والتي تحصل منهم من غير إرادة كل ذلك بخلق الله تعالى، لا خالق لها سواه سبحانه وتعالى.
فكل أعمال الإنسان الباطنية التي هي أعمال القلوب، وكذلك كل أعماله الظاهرية من حركاته وسكناته لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى وخلقه قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الزمر /62].
فقد تمدح الله تعالى بذلك ومدح نفسه بذلك لأنه شيء يختص به سبحانه، وذلك يقتضي العموم والشمول لجميع الأجسام والأحجام والأعيان، وكذلك الأعمال والحركات والسكنات والأسباب والمُسبّبات، فالله تعالى تمدح بأنه خالق كل شيء، فهو تبارك وتعالى خالق لأجسامنا وحركاتنا وسكناتنا وغيرها من كل فعل ظاهري، وكذلك كل صفة باطنية كالمحبة والكراهية القلبية وكذلك التفكير والخواطر التي تخطر ببال العبد وقلبه ولا يستطيع أن يدفعها، وكذلك كل كائن دخل في هذا الوجود، كل ذلك الله تعالى هو خالقه ولا خالق سواه سبحانه وتعالى. ولو لم يكن الله تبارك وتعالى خالق ذلك كله بل كان خالق الأجسام فقط ولم يكن خالقاً لأعمال العباد لم يكن في ذلك تمدح له ولكان معنى ذلك أن ما يخلقه العباد من أعمالهم حركاتهم وسكناتهم أكثر مما يخقه الله تعالى.
قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (62)} [سورة الزمر] وقال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [سورة الصافات] وقال عزّ وجل: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } [سورة فاطر /3].
وقال الرسول الأعظم ﷺ: “إن الله صانع كل صانع وصنعته” رواه الحاكم والبيهقي.
ومعنى “الصنعة” في هذا الحديث العمل الذي يعمله العبد أي حركاته وسكناته، ويكون معنى الحديث أن الله تعالى هو خالق كل عامل وعمله.
يا عُشّاق الحبيب محمد… يا أحباب الله ورسوله
إن من التوحيد الذي جاء به كل الأنبياء والرسل عليهم السلام توحيد الله في الفعل واعتقاد أن الله تبارك وتعالى هو المنفرد بخلق الأشياء كلها أي إبرازها من العدم إلى الوجود.
والله تبارك وتعالى فعله بالإيجاد والخلق، وأما فعل المخلوقين فليس بطريق الإيجاد الحقيقي والخلق، أي أن الله تبارك وتعالى هو وحده المنفرد بخلق الأشياء كلها أي هو الذي يبرزها من العدم إلى الوجود. فالجسام بأنواعها المختلفة هو الذي يبرزها من العدم إلى الوجود. والإنسان إن تكلم بكلام باختياره وقصده وعمده، فليس هذا بخلق الإنسان وإنما هو بخلق الله تعالى، وهكذا كل تفكيراته ونواياه وإدراكاته وعلومه الله سبحانه وتعالى يخلقها فيه، فلا خالق إلا الله، ولا أحد يخلق شيئاً من الحركات والسكنات إلا الله.
ولا خالق ولا مُكوّن لشيء من الأشياء من الأجسام والأعمال إلا الله تعالى. قال الله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [سورة فاطر/3].
وقد روي عن الجنيد البغدادي إمام الصوفية العارفين في زمانه عندما سئل عن التوحيد أنه قال: “اليقين” ثم استفسر عن معناه فقال رضي الله عنه: “إنه لا مكون لشيء من الأشياء من الأعيان (أي الأحجام والأجسام) والأعمال خالق لها إلا الله تعالى”.
قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [سورة الصافات].
أي خلق الله ذواتكم وأجسامكم وخلق حركاتهم وسكناتهم، وكذلك نياتنا واعمال قلوبنا الله تبارك وتعالى هو خالقها كلها.
يا أحباب الله ورسوله… يا عاشقي الحبيب مُحمّد
إنّ مما يُهوَّن على العبد مصائب الدنيا والخوف من العباد ومن شرورهم هو شهود العبد بقلبه أن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، وهذا هو اليقين، لذلك فليجعل العبد المؤمن هذا الأمر عقد قلبه أي يعقد عليه قلبه، وليكثر من شهود هذا المعنى في قلبه حتى يكون موحداً لله عز وجل توحيداً شهودياً في جميع أفعاله وفي جميع حالاته، فبذلك تهون عليه مصائب الدنيا والخوف من العباد، فمن جعل هذا المعنى ذكره القلبي أي جعل قلبه يستشعر بذلك دائماً هانت عليه مصائب الدنيا وسهل عليه ما يتوقعه أن يحدث هو من قبل الناس وهان عليه أمره فلا يستفزه ذلك على نسيان أنه تبارك وتعالى هو المتصرف في كل شيء، وهو خالق كل شيء، وهذا يُقال له “التوحيد الشهودي”.
يا عُشّاق الحبيب محمّد… ويا أتباعَ النبيّ مُحمّد
إن الله تبارك وتعالى هو المنفرد بخلق الأشياء كلها، فالله عز وجل هو الأزلي الخالق لكل ما سواه، وما سواه من المخلوقات حادث مخلوق وجد بعد أن لم يكن، قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الزمر/62].
أحباب رسول الله النبيّ الأعظم لقد جاء يهودي إلى سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال له: متى كان الله؟ فقال له سيدنا علي مصباحُ التوحيد رضي الله عنه: “لا يقال عن الله تعالى “متى كان” إنما يقال “متى كان” عما لم يكن ثم كان، أما الله تعالى هو قبل القبل وبعد البعد”. فما كان من هذا اليهودي الذي جاء ليمتحن سيدنا علي رضي الله عنه إلا أن أسلم وتشهد في المجلس شهادة الحق حيث عرف أن دين سيدنا علي وهو الإسلام هو الدين الحقُّ الصحيح، وهو دينُ جميع الأنبياء.
يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أتباعَ الحبيب مُحمّد
إن الله تبارك وتعالى هو المنفرد بخلق الأشياء كلها أي إبرازها من العدم إلى الوجود وهو خالق أعمال وأفعال العباد الظاهرية والباطنية، فكل أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وتفكيرهم ونواياهم القلبية كل ذلك من خلق الله تعالى، وأما العباد فلا يخلقون شيئاً، والله تبارك وتعالى هو خلق القلوب وهو الذي يحركها ويصرفها كيف يشاء، قال الله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [سورة الأنعام/110].
فتقليب الله تعالى أفئدة العباد فيه دلالة ظاهرة على أن الله تبارك وتعالى هو الخالق لأعمال القلوب، وتقليب الله تعالى أبصار العباد فيه دلالة ظاهرة على أن الله تبارك وتعالى هو الخالق لأعمال الجوارح.
يقول الرسول الأعظم ﷺ في دعائه معلّماً أمّته العقيدة الصحيحة وأن يفوضوا أمورهم إلى الله تعالى: “اللهم مُصرّف القلوبِ صرّف قلوبنا على طاعتك”. وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من هذا الدعاء: “يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك”.
وقال عليه الصلاة والسلام مُبيّناً حال القلب وسرعة تقلباته: “إنّ القلب أشدّ تقلّباً من القدر إذا استجمعت غلياناً” أي أن تقلبات القلوب أسرع من غليان الماء في القدر. فإذا كانت تقلبات القلوب التي هي سريعة سرعة عظيمة الله تعالى هو خالقها، فكيف بحركات الرجل واليد واللسان، فكل ذلك بخلق الله تعالى كما قال الله تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [سورة الصافات/96].
أي خلق الله تعالى ذواتكم وخلق أعمالكم حركاتهم وسكناتهم.
يا أحباب الله ورسوله… يا عُشّاق النبيّ الأعظم مُحمّد
يقول حبيبنا ونبينا الأعظم ﷺ مُعلّماً أمّته العقيدة الحقة وهي أن الله تبارك وتعالى هو المتصرف في قلوب بني آدم وهو الذي يقلبها كيف يشاء، ويخلق فيها ما يشاء: “إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد. رواه مسلم.
وهذا الحديث معناه أن الله تبارك وتعالى هو المتصرف في قلوب بني آدم وهو الذي يقلبها ويخلق فيها ما يشاء.
وقول الرسول الأعظم ﷺ: “بين إصبعين من أصابع الرحمن” ليس معناه أن الله تبارك وتعالى له شكل أصابع كالأصابع التي نعهدها من أنفسنا والتي هي جسم وجسد، لأن الجسم والجسد مستحيل على الله، والله سبحانه وتعالى لا يشبه مخلوقاته لا في ذاته ولا في صفاته، فهو عز وجل ليس جسداً ولا جرماً ولا جوهراً ولا عرضاً، فهو سبحانه وتعالى لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء كما قال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى/11].
وتعبير الرسول عليه السلام بقوله: “بين إصبعين من أصابع الرحمن” فإن هذا أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة العربية ومعناه تحت تصرف الله، وقوله ﷺ: “يقلبها كيف يشاء” معناه تقليب قلوب البشر سهل على الله تعالى.
يا أحباب الله ورسوله… يا عُشّاق الحبيب الأعظم مُحمّد
لقد بيّن النبيّ المصطفى عليه الصلاة والسلام لأمّته أن الله تبارك وتعالى هو خالق قلوب بني آدم جميعها وهو خالق أعمال هذه القلوب وتقلباتها، وبين أيضاً ﷺ أن القلوب تحت تصرف الله يقلبها ويخلق فيها ما يشاء، ثم زيادة في البيان والتوضيح وتفويضاً للأمور إلى الله تعالى، كان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه مُعلّماً أمّته “اللهمّ مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك” أي وجّه قلوبنا يا الله إلى طاعتك، أي أنت مالك الأمر كله، فوجه قلوبنا إلى طاعتك.
وهذا – يا إخواني- من أصرح الدليل على أن الله تبارك وتعالى هو خالق أفعال وأعمال العباد حتى الأعمال القلبية.
يا عشّاق الحبيب مُحمّد… يا أحبابَ اللهِ ورسولهِ
لقد بيّن لنا الحبيب المصطفى ﷺ في حديثه أن الإنسان لا يملك من دون الله تعالى قلبه، فكيف يملك جوارحه؟ عينه ويده ورجله ولسانه وسمعه!؟
فالعبد لا يملك من دون الله تعالى شيئاً. فالعبد وأعضاؤه وجوارحه خلق وملك لله تعالى، ولا يحدث شيء في هذا العالم إلا بخلق الله تعالى وعلمه وتقديره، فالعباد كلهم تحت مجاري اقدار الله تعالى، ولا يتجاوز أحد منهم ما قدّر الله تعالى له. فالخير والشر مقدّران على العباد، وكل شيء في هذا العالم يجري بمشيئة الله تبارك وتعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الجيل كلها قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2)} [سورة الفرقان].
يا أحبابَ اللهِ ورسوله…
إن الله تبارك وتعالى هو المالك والمتملك على الإنسان قلبه وسمعه وبصره ويده ولسانه وسائر ما فيه من الأجزاء، فكل أجزاء العبد هي ملك لله تعالى لأنه سبحانه وتعالى هو الذي خلقها وأنشأها وأبرزها من العدم إلى الوجود، وكذلك كل ما يحدث في العبد من المعاني من نظر ومن سمع ومن المشي ومن البطش كل ذلك الله تبارك وتعالى هو متملكه ومالكه على الحقيقة لا يخرج من ملك الله تعالى.
قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ (26)} [سورة آل عمران].
وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [سورة الملك/1].
وقال عزّ وجل: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (23)} [سورة الملك/23].
وقد قال أحدهم:
ربّ إنّ الهُدى هُداكَ وآيا
|
| تك نورٌ تهدي بها من تشاء
|
ومعناه أن الآيات (أي المعجزات) لا تهدي بذاتها إنما يهتدي بها من شاء الله تعالى لهم الهداية، وأما الذين لهم يشأ الله تعالى لهم الهداية وشاء لهم الضلالة فلا المعجزات تُؤثّر فيهم ولا العبر التي حصلت قبلهم ممن كذّبوا الأنبياء.