تمهيد لموضوع كتاب “الحبّ الأسمى”
يا أحباب الله، ويا أحباب رسول الله لقد كثُر الكلام قديماً وحديثاً عند الشعراء والأدباء والمفكرين عن الحب والمحبة وعن العشق والغرام وعن الشوق والهُيام، باعتبار أن كل حبيب يحب محبوبه ويحن إلى لقائه، ويبكي على فراقه وتثور فيه حرارة الشوق ولهيبه وشدة الحنين إليه إذا ما مرّ على أطلاله ورأى آثاره أو ذكر أمامه، ولسان حاله يقول:
أمرُّ على الديار ديار ليلى
|
| أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
|
وما حُبُّ الديارِ شغفن قلبي
|
| ولكن حُبّث من سكن الديارا
|
وقد قال أحدهم:
إذا ذُكر المحبوب عند حبيبه
|
| تَرَنحَ نشوان وحنَّ طروب
|
يا أحباب الله ويا أحباب رسول الله، كثيراً ما نسمع المغنين والمغنيّات يغنون بأصواتهم الحسنة العذبة الشجية وبنشوة وطرب أغاني العشق والغرام والحب والهيام، يثيرون ويحركون بذلك العواطف وحرارة ولهيب الشوق والحنين لدى المحبين والعاشقين.
ولقد كثُر حديث الناس عن تعريف الحبّ وأنواعه المختلفة، وعن تعريف المحبة بأشكالها العديدة، فمنهم بل أكثرهم من يتحدث عن العشق والحب والغرام في العلاقة بين الرجل والمرأة، ومنهم من يتحدث عن حب جمال الطبيعة وحب صورها ومناظرها الجذابة الجميلة المختلفة التي خلقها الله تعالى فيها بما في ذلك الأشجار المخضوضرة والأزهار الزاهية والورود الجميلة والأنهار العذبة الرقراقة والجبال الشاهقة المتنوعة والألوان والوديان والسهول الفسيحة الغنّاء المختلفة والأشكال والألوان.
ومنهم من يتحدث عن الحب والمحبة بين الناس سواء على صعيد الأسرة الواحدة أو على صعيد افراد المجتمع ككل، ويطالب هؤلاء وينادي بأن يحبّ الإنسان اخاه في المجتمعات الإنسانية، وينادي هؤلاء أيضاً ويقولون إن المحبة بين الناس هي من أنجح الوسائل لاقتلاع الشرور من النفوس، ويقولون لو تمت المحبة بين الناس لبات كل إنسان بين أسرته وفي مجتمعه على اتم ما يكون من الصفاء والسعادة، وإنه لو تمت هذ المحبة بين الناس لما رأيناه دماً يُراق ويُسفك ولا عِرضاً يُهتك ولا مالاً يُسرق.
ويقول هؤلاء أيضاً إن راحة الإنسان وسرور نفسه وبهجة روحه لا تكون إلا بذكر الحب والعشق والغرام والهُيام، وشرح الهوى الكامن في الفؤاد المثير لعواطف المحبين العاشقين، ويضيف هؤلاء أنه لولا الحب لم يتم لمتنعم نعيم في هذه الحياة الدنيا، وكيف ينعم الإنسان بغير الحب وما يحبّ؟!
ولذا نرى كثيراً من المغنين والمغنيات تكاد لا تخلو أغنياتهم إلا بما فيه ذكر للحب والمحبين، والعشق والعاشقين والغرام والمغرمين، وكذلك نرى كثرة الأفلام على شاشات السينما والتلفاز يقوم أكثرها على العشق والغرام بين الرجل والمرأة، وبين لقاء الحبيب مع محبوبته والعاشق مع معشوقته، ثم يدعون أن الإنسان في حياته ودنياه لن يجد سلوة لنفسه ولا نعيماً بقلبه ولا راحة لروحه وفؤاده إلا بتلك الذكريات والأوقات السالفة السعيدة التي قضاها ويقضيها في ما يحب ومع من يحب، لأن كل حبيب يحب لقاء محبوبه ورؤيته ويحن طروباً إليه وسلو ويحن ويئن لفراقه وفقده وغيابه.
يا أحبابي وإخوتي في الله
إننا نرى أن أكثر أسباب المحبة والألفة والمودة الواقعة بين الأصدقاء والمحبين في الدنيا تقوم على الحاجات والأغراض الدنيوية، والمنافع والمآرب الشخصية، وإن الحقيقة والواقع ليشهدان أن أصحاب هذه المحبة الدنيوية لا تدوم محبتهم في ما بينهم، وأن محبتهم هذه مؤقتة لا تدوم، وضعيفة واهنة كضعف بيت العنكبوت وهي كثيرة التقلبات والتغيرات، وأنت يا أخي إذا ما ظفرت في دنياك بواحد من هؤلاء الذين وصفناهم لك رأيتهم من أكثر الناس تودداً إليك وتردداً عليك، ومسارعة إلى امتثال أوامرك ما دامت إليك حاجاتهم ولديك غاياتهم، فإذا ما ظفروا بما أرادوا منك من دنياهم الفانية، ولم يتوهموا لديك شيئاً يعود عليهم انصرفوا عنك وطاروا من حولك طيران الذباب إلى غيرك ممن يتبغون عنده حاجتهم الدنيوية حتى إذا ما نالوا منهم بغيتهم فعلوا معه ما فعلوه معك سعياً وراء الدنيا ومتاعها الزائل الغرار.
وقد قال أحدهم:
رأيتُ النّاسَ قد مالوا
|
| إلى مَنْ عنده مالُ
|
ومَنْ لا عنده مال
|
| فعَنْهُ الناس قد مالوا
|
رأيتُ الناسَ قد ذهبُوا
|
| إلى مَنْ عنده ذَهَبُ
|
وَمَنْ لا عنده ذَهَبُ
|
| فعنه الناس قد ذهبوا
|
يا أحباب رسول الله، يا عُشّاق الحبيب محمد
تعالوا الآن لنتحدث معاً عن حُب خاص وعن عشق وحب آخر، حُبّ يرضاه الله ورسوله، ألا وهو: “الحبُ الأسمى”… إنه الحُبّ الذي لا يقوم على المنافعا لشخصية ولا على المآرب والأغراض الدنيوية ولا على الصداقات المتقلبة لأجل الدنيا ومُتعها الرخيصة الفانية.
إنه حُبّ أسمى وأطهر من كل هذا وأجل!… حُبٌّ لا علاقة له بزخارف الدنيا الفانية وبهارجها، ولا بمتاعها الغرار الزائل، ولذاتها الفانية.
إنه حب الله ورسوله المصطفى ﷺ … حبّ الطاعات والخيرات والمسارعة إليها… حبّ قراءة القرآن وسماع آياته البينات والعمل بها… حبّ سنن النبي الأعظم ﷺ المباركة وتتبعها والمسارعة إليها والمواظبة عليها… حبّ الصلاة والصيام وسائر الطاعات والعبادات والتلذذ بأدائها… حبّ الأنبياء وأولياء الله وعباد الله الصالحين… حبّ آل بيت النبيﷺ … وحبّ أزواجه الطاهرات البارات… حبّ العلماء العاملين… حبّ المسلم لأخيه المسلم لما فيه طاعة الله… حبّ التحابب في الله، والمتحابين لله ولأجل الله… حبّ الدعوة والدعاة إلى دين الله… حبّ وعشق أخلاق النبي المصطفى ﷺ وحبّ التخلق بأخلاقه وخصاله والاقتداء به ﷺ في أفعاله وأقواله وأوامره وسننه.
إنه “الحب الأسمى” الذي قال فيه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما سأله حبيبه وصفيه النبي المصطفى ﷺ: “ماذا تركت لأهلك”؟ (أي من المال)، فقال له كلمته المشهورة: “تركتُ لهم الله ورسوله” أي طاعة الله ورسوله وحبّ الله ورسولهﷺ.
يا حبيب يا رسول اللهِ يا محمّد يا سيّد العالمين.
يا حبيبي يا رسول اللهِ يا محمّد يا حبيب ربّ العالمين.
يا حبيبي يا رسول اللهِ يا محمّد يا أشرف الأنبياء والمرسلين.
يا حبيبي يا رسول اللهِ يا سيد ولدِ آدم يوم القيامة أجمعين.
سيّدي يا رسول الله… يا بحر الكمالِ والجمال والعطاء… يا خير خلق الله يا أشرف الأنبياء والمرسلين.
كيف ترْقى رُقيّك الأنبياءُ
|
| يا سماءُ ما طاولتها سماءُ
|
لم يُدانوكَ في عُلاكَ وقد
|
| حال سنا منك دونهم وسناءُ
|
الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله… يا محمد يا أجمل وأكمل وأحسن وأعظم رسول أرسله الله تعالى رحمة للعالمين.
يا أحباب الله ورسوله، يا عشّاق الحبيب محمد دعونا نتحدث معكم في هذه الصفحات المشرقة عن “الحب الأسمى” في أسمى معانيه… دعونا نتحدث معكم عن مظاهر هذا الحب العظيمة، دعونا نتحدث عن معاني ومظاهر حب الله تبارك وتعالى… وقد قال الله عزّ وجل: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ لِّلَّهِ } [سورة البقرة 165] دعونا نتحدث معاً عن معاني ومظاهر حب رسول الله ﷺ خير مولود وقائد عرفه هذا العالم، وقد قال نبينا الأعظمﷺ: “من أحبني كان معي في الجنة”([1]).
دعونا نتحدث معكم عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (69)} [سورة النساء].
دعونا نتحدث معكم عن الذين لا يحبهم الله ورسوله ﷺ وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ (32)} [سورة آل عمران/32]
وقال سبحانه: {والله لا يحبّ المُفسدين} [سورة المائدة 64]
دعونا نتحدث معكم عن “الحب الأسمى”… عن حبّ المتحابين في الله والمتجالسين في الله والمُتزاورين في الله وقد قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: “وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ”([2]).
يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب النبي الأعظم محمد ﷺ … إن هؤلاء الأتقياء الأنقياء الذين يتحابون ويتجالسون ويتزاورون ويتناصحون لأجل طاعة الله، هم ملوك الآخرة، وهم القدوة الحسنة للناس، والدواء الناجح النافع لكثير من الأوبئة والأمراض الأخلاقية والاجتماعية التي تقتحم العقول والبيوت خاصة هذه الأيام، وهم ركيزة المجتمع الإسلامي ودعامته، وبهم يقوى ويقوم المجتمع المثالي الأسمى الذي يحبه الله ورسوله محمد ﷺ.
يقول الرسول الأعظم ﷺ: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً” وشبّك ﷺ بين أصابعه” رواه أبو داود وأحمد في مسنديهما.
دُعاء ومناجاة….
“اللهمّ إنا نسألك حبّك وحُبّ من يُحبّك والعمل الذي يبلغنا حبّك، اللهمّ اجعل حبّك أحبّ إلينا من أنفسنا وأهالينا ومن الماء البارد”.
اللهم اجعل قلوبنا مستغرقة في بحر محبتك ومحبة رسولك وحبيبك المصطفى محمد ﷺ سيد العالمين وأشرف الأنبياء والمرسلين. اللهم اجعل قلوبنا مشغولة بحبك وبحبّ نبيك الأعظم ﷺ.
([1] ) الأصبهاني في الترغيب أخرجه الترمذي في الزهد في كتاب مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا (1/139).
([2] ) كتاب موطأ مالك ت الأعطمي باب ما جاء في المتحابين في الله عز وجل الخردة 5 (ص 1390).