(31) روى مسلم فى صحيحه والبيهقى فى كتاب القدر من حديث عقيل بن يعمر عن يحيى بن يعمر عن أبى الأسود الدؤلى قال قال لى عمران بن الحصين رضى الله عنه «أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أى يسعون إليه أشىء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم» قال فقلت «بل شىء قضى عليهم ومضى عليهم» قال «أفلا يكون ظلما» أراد أن يزيد فى امتحانه فقال «أفلا يكون ظلما» المعنى إن كان الإنسان يعمل فيما قدر الله تعالى يعمل على حسب مشيئة الله وعلمه ثم حاسبه فى الآخرة على هذا العمل فعاقبه ألا يكون ظلما» قال «ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شىء خلقه وملك يده أى ملكه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». الله ألهم أبا الأسود الصواب فأجاب ما معناه أن الله لا يحكمه أحد هو فعال لما يريد جعل الأعمال أمارات أى علامات ووفق بعض الناس بأن يختاروا الهدى والصالحات من الأعمال وينساقوا إليها باختيارهم على حسب مشيئته وعلمه فيكونوا من أهل النعيم المقيم وأن ينساق قسم منهم باختيارهم إلى ما نهى الله عنه من غير أن يخرجوا عن تقدير الله وعلمه فإذا حاسب العصاة وعاقبهم لا يكون ظالما لأنه هو الحاكم ليس له حاكم هو الآمر ليس له ءامر تصرف فيما له ولم يتصرف فيما ليس له. وأما الظلم فى لغة العرب فهو أن يتصرف بما ليس له والله تعالى كل شىء خلقه وملكه. قال يرحمك الله فلما وفق للجواب الصحيح دعا له وصوب جوابه إنى لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك أى أردت أن أمتحن فهمك للدين إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أى يسعون إليه أى أعمالهم حركاتهم أو سكناتهم أشىء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم معناه هل هو شىء قدره الله تعالى أنه سيحصل منهم أى باختيارهم ومشيئتهم الحادثة بعد مشيئة الله الأزلية وعلمه الأزلى الأبدى أم شىء جديد لم يسبق به قدر ولم يعلم الله فى الأزل أنه يحصل منهم إنما هم من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون لله تصرف فيه يعملون أو هل هم ليس لهم اختيار بل هم مسلوبو الاختيار بالمرة وأما قولهما «مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم» معناه ما جاءهم به النبى نريد منك النصوص الشرعية التى جئت بها وبها تثبت الحجة عليهم. وإنما قالوا «مما أتاهم به نبيهم» لأن الرسول نبى الناس لذلك لم يقولوا مما أتيت به، قال «بل شىء قضى عليهم أى شاء الله تعالى أن يفعلوه باختيارهم ومضى عليهم» ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾. المعنى أن كل ما يعمل العباد من حركات وسكون حتى النوايا والقصود على حسب مشيئة الله الأزلية وعلمه وتقديره ثم رتب على ذلك جزاء لهم الحسنات بالثواب والسيئات بالعقاب. والرسول صلى الله عليه وسلم استدل بالآية المذكورة وأيد جوابه لهما لأن الله أقسم بالنفس وما سواها على أن الله تبارك وتعالى هو الذى يلهم النفوس فجورها وتقواها أى أنه لا يكون شىء من أعمال العباد خيرها وشرها إلا بخلق الله تعالى فيهم ذلك.
فيعلم من ذلك أن أعمال العباد كلها خلق لله تعالى وكسب للعباد أى نحن نوجه إليها القصد والإرادة والقدرة التى هى حادثة وأما حصول ذلك الشىء فهو بخلق الله قال الله تعالى ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [سورة البقرة/ ٢٨]. المعنى أن العباد يثابون على كسبهم للحسنات ويعاقبون على كسبهم للسيئات. فإن قال قائل «إذا كان الله شاء لنا أن نفعل كذا من الكفر والمعاصى فماذا نفعل» فالجواب أن يقال «المستقبل غيب عنا ما بعد هذه اللحظة غيب عنا فالذى علينا أن نسعى لأن نكون قائمين بحقوق الله تعالى وحقوق عباده التى أمرنا بها ونعتقد فى الوقت نفسه أنه إن كان الله علم وشاء أننا نسعى للخيرات كان ذلك علامة على أننا من الذين شاء الله لهم أن يكونوا من أهل النعيم المقيم فى الآخرة وإن لم يتيسر لنا ذلك فلا نكون من أولئك فلا نستحق ذلك بل نخشى أن نكون من الذين أراد الله بهم أن يكونوا من أهل العذاب المقيم كما أن الإنسان يبذر البذر وهو لا يعلم علم يقين أنه يدرك محصول هذا الزرع فإما أن يموت قبله وإما أن تحدث ءافة عاهة لهذا البذر فتتلفه فتفسده فلا يدرك الانتفاع بهذا الزرع إنما نشرع فيه على الأمل أى على احتمال أننا نعيش حتى يدرك [ينضج] هذا البذر فيصير حبا قوتا أو ثمارا ينتفع بها كذلك أحدنا إذا أصيب بمرض يتداوى على الأمل لا يقطع بأنه يتعافى بهذا الدواء بل يقول يحتمل أن أتعافى بهذا الدواء ويحتمل أن لا أتعافى به وهذه أمور الآخرة كذلك العواقب عنا مستورة محجوبة إنما نعلم ما حصل قبل هذا فنقول هذا حصل بمشيئة الله أما ما لم يقع بعد فإنه غيب عنا وكما لا يجوز للإنسان أن يقعد ويقول ما قدر الله تعالى لا بد أن يصل إلى جوفى ولا يسعى بوجه من الوجوه بل يعرض نفسه للتلف بالجوع كذلك لا يجوز أن يقول الإنسان أنا إن كان الله كتب أنى سعيد لا بد أن أكون سعيدا وإن كان كتب لى غير ذلك لا أكون سعيدا ثم يقعد من غير أن يسعى لأن يكون من أهل النجاة. ثم يقال فعل الله لا يقاس على فعل المخلوق. أمامنا أمر يوافق عليه المؤمن والملحد وذلك الانتفاع بهذه البهائم هذه البهائم خلق كما أننا خلق هى تحس باللذة والألم كما أننا نحس باللذة والألم فهل يعترض أحد منا على ذبح هذه الذبائح للانتفاع بها هل هو محل اعتراض هل يقول أحد منا أو منكم «هذه البهائم لها أرواح كما أن لنا أرواحا وتحس بألم كما أننا نحس بألم فإذا لا يجوز لنا أن نقضى عليها للوصول إلى لذاتنا» فيقال لهم «كما أن لا اعتراض لكم فى هذه ليس لكم اعتراض على أن الله تبارك وتعالى يوفق من يشاء ويخذل من يشاء فيكون الذين وفقهم من أهل النعيم المقيم فى الآخرة ويكون الذين لم يوفقهم بل خذلهم من أهل العذاب المقيم. أمر الدين لا يتم إلا بالتسليم لله أما أن يقاس الخالق على المخلوق فهذا ضلال وخسران.