الخميس فبراير 19, 2026

(10) روى ابن حبان والحاكم والبيهقى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبى مجاب أى مجاب الدعوة وكل الأنبياء دعواتهم مجابة الزائد فى كتاب الله والمكذب بقدر الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عترتى ما حرم الله والمتسلط بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله والتارك لسنتي».

   اللعن هو الإبعاد من الخير. المعنى أن هؤلاء الستة مبعدون من الخير أولهم «الزائد فى كتاب الله» والزيادة أنواع منها أن يزيد الشخص بنية أن يوهم الناس أن هذا قرءان وهو ليس من القرءان فهذا أشدهم إثما فمن زاد شيئا فى القرءان على أنه منه فقد كفر. والثانى هو من يزيد حرفا من أجل تحسين الصوت عمدا ليس على اعتقاد أنه من القرءان فهذا أقل إثما وهو من جملة عصاة المسلمين. والثالث هو الذى يزيد حرفا من دون تعمد إنما جهلا منه بالتلاوة التى أنزلت على النبى فهذا أقل إثما من الأولين كمن يولد حرفا بين الهمزة والنون المشددة فيقول إينا بدل إنا وكذلك ما يفعله بعض العجم من زيادة واو أمام حرف الغنة إذا سبقه ضمة يقولون ما هون لأنه ليس فى لغتهم غنة وإنما هى من خصائص لغة العرب. وكذلك يزيدون ألفا جوفية ويقال لها الألف اللينة بين الحرف الذى قبل النون المشددة وبين النون المشددة يقولون ءان لهم النار وكل هذا حرام. قال العلماء «القراءة سنة متبعة» فلا يجوز للمرء أن يتفنن فيها بزيادة حرف أو تغيير حرف ولو أتى بالمعنى الذى يوافق معنى الآية.

   أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز روايته بالمعنى وهذا أمر شائع بين المسلمين حتى الصحابة ما كانوا ملتزمين أن يرووا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ الذى خرج من فمه بل كانوا يستجيزون أن يرووا بالمعنى إنما الضرر هو تغيير المعنى وعلى هذا كان أكثر المحدثين ومن هنا منشأ رواية الحديث بعدة ألفاظ.

   أما القرءان أنزل لتحدى المعارضين أى لإعجاز الكفار الذين كانوا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله ولا بمثل سورة منه مع أنه كان عصرا بلغت فيه البلاغة والفصاحة القمة ومع أن القرءان أنزل بلسان عربى فلذلك لا يجوز تلاوة القرءان بحسب المعنى مع ترك اللفظ المتلقى عن رسول الله. أما إذا كان الشخص لا يحفظ الآية يقول ورد فى القرءان ما معناه فهذا جائز ولا نقول قال الله تعالى كذا وكذا ونورد ألفاظا ليست من ألفاظ القرءان.

   وأما قوله صلى الله عليه وسلم «والمكذب بقدر الله» فالمراد به المعتزلة ويقال لهم القدرية ومن سلك مسلكهم فهؤلاء ضلوا بقولهم الله تعالى خالق الأجسام فقط دون الحركات والسكنات والإدراكات والعلوم وقالوا إنما هو يخلق فيهم الحركات التى ليست اختيارية لهم كحركات العروق النابضة. وقالوا إن المعاصى التى يفعلها العباد ليست بتقدير الله تحصل إنما العباد أدخلوها فى الوجود، على زعمهم ينزهون الله عن الجور. قالوا فإن خلق العباد الحسنات استحقوا على الله أن يثيبهم قالوا واجب عليه ذلك إن لم يفعل ذلك يكون ظالما وإن أساء العباد بكفر أو بما دونه استحقوا العذاب لأنهم هم خلقوا ذلك أما إن لم يكونوا هم خالقيها لا يستحقون العقوبة. ومن الدليل على أن الله خالق الشر وقدر حصوله قوله تعالى ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾.

   وأما قوله صلى الله عليه وسلم «والمستحل لحرم الله» معناه أن الذى يسترسل فى المعاصى الكبيرة فى حرم الله أى حرم مكة وحرم المدينة ملعون. والحرم هو ما حدده إبراهيم عليه السلام بوحى من الله نصب أعلاما حتى تعرف بالنسبة لمن يكون فى عصره وبالنسبة لمن يأتى بعد ذلك. فالذى يعصى الله تعالى ببعض أنواع المعاصى والظلم فى الحرم يضاعف ذنبه وليس هذا عاما لكل المعاصى التى يفعلها الإنسان هناك.

   وأما ما اشتهر عند بعض الناس أن حسنة الحرم بمائة ألف وسيئة الحرم بمائة ألف فهو غير صحيح إنما الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصلاة فى المسجد الأقصى تضاعف إلى خمسمائة بالنسبة لغيره من المساجد وأن الصلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بألف صلاة فى غيره أى المسجد الأقصى وأن الصلاة بمكة بمائة ألف صلاة فى غيره أى مسجد الرسول. المعنى أن الصلاة فى المدينة بخمسمائة ألف صلاة وفى المسجد الحرام مع ضربها بمائة ألف فتكون المضاعفة بلغت خمسين ألف مليون. ومضاعفة الثواب تحصل لمن صلى فى المسجد الحرام فى القدر الذى يصح الطواف فيه مع الزيادة التى أضيفت من زمن النبي إلى أيامنا للصلاة فيها وعند كثير من الفقهاء تحصل المضاعفة فى كل الحرم الذى حدده إبراهيم عليه السلام وهو مساحة واسعة (أكثر من عشرين كيلو مترا).

   وأما السيئات فلا يضاعف شىء منها فى المسجد الحرام أو مسجد الرسول إلا من عمل ظلما كبيرا مثلا كقتل نفس مؤمنة بغير حق أو قطع الطرف ظلما وعدوانا أو فقء عين ظلما وعدوانا وما أشبه ذلك وهذا الذى قال الله فيه ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ يعنى أن الذى يجنى جناية أى يظلم ظلما كبيرا فى المسجد الحرام حتى لو لم ينفذ لكنه أراد الله تبارك وتعالى جعل جزاءه عذابا أليما.

   وإنما سمى بالمسجد الحرام لأنه لا يجوز صيد المأكول البرى فيه ولا قطع شجره النابت فيه [أما لأكلها أو للتداوى أو لإطعام البهيمة يجوز] بخلاف المستنبت المجلوب من خارج ويزرع فيها. ومن جملة أحكام الحرم وخصائصه أنه لا يجوز القتال فيه إلا أن يبدأ المشركون المسلمين بالقتال هناك عندئذ من باب الدفاع يجوز.

   وأما قوله صلى الله عليه وسلم «والمستحل من عترتى ما حرم الله» فمعناه أن الذى يعتدى على عترة الرسول أى أهل بيته ملعون والعترة هم كالحسن والحسين ومن كان فى معناهما وقد جعل الله لهم هذا الفضل دون غيرهم ببركته صلى الله عليه وسلم.

   وأما قوله صلى الله عليه وسلم «والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله» فهم هؤلاء المتجبرون الذين يقهرون الناس ويظلمونهم ويعتدون عليهم إن كانوا مسلمين وإن كانوا غير مسلمين.

   وأما قوله صلى الله عليه وسلم «والتارك لسنتى» فمعناه من خالف الصحابة وخرج عنهم فى المعتقد وليس معناه كل من لم يعمل ما كان الرسول يفعله من الفرائض والنوافل يكون ملعونا. فمن خرج فى الاعتقاد عن معتقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التى هى سنة رسول الله أى طريقته فهذا عرض نفسه لتلك اللعنة الكبيرة.