الثلاثاء مارس 10, 2026

باب غسل الميت

   (وغسل الميت) المسلم (فرض على الكفاية) بالإجماع فإن فعله واحد سقط الحرج عن الباقين وإلا أثموا كلهم. أما الكافر فلا يجب غسله حربيا كان أو ذميا لكن يجوز كما سيأتي.

   (والأولى أن يتولاه) في الرجل (أبوه ثم جده ثم ابنه ثم ابن ابنه ثم عصابته الأخ) فابن الأخ فالعم فابن العم فالمولى كالصلاة (ثم ذوو الأرحام أي الرجال) الأقارب ثم الرجال (الأجانب ثم الزوجة ثم النساء الأقارب) وقدمت الزوجة عليهن لأنها كانت تنظر منه إلى ما لا ينظرن إليه ولهذا قيل بتقديمها على الرجال الأقارب وإلى متى تغسله أوجه أصحها: أبدا، وإن انقضت عدتها بالوضع وتزوجت لأنه حق ثبت لها فلا يسقط كالميراث، والثاني ما لم تنقض العدة والثالث ما لم تتزوج. ولو كان له زوجتان فأكثر وتنازعن أقرع بينهن وسواء المسلمة والذمية لكن يكره غسل الذمية لزوجها المسلم ولا تغسل المعتدة زوجها بلا خلاف وكذا الأمة لا تغسل سيدها لانتقالها إلى ملك الورثة.

   (وإن كانت امرأة غسلها النساء الأقارب) وأولاهن ذات رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم تقدم منهن القربى فالقربى ثم ذات الولاء كما في شرح المهذب (ثم النساء الأجانب ثم الزوج ثم الرجال الأقارب) على قياس ما تقدم لكن يستثنى ابن العم فلا يغسل ابنة عمه والعكس بلا خلاف، ولا يغسل الزوج زوجته المعتدة ويغسل أمته ولو مكاتبة لارتفاع كتابتها بموتها بخلاف المزوجة والمعتدة، قال في زوائد الروضة: والمستبرأة (وذوو المحارم أحق من غيرهم) وكل من قدم شرطة الإسلام وأن لا يكون قاتلا للميت.

   (وإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي يمما) إلحاقا لفقد الغاسل بفقد الماء.

   (وإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق) بغسله (من أقاربه المسلمين) ولو غسله الآخرون جاز. روى أبو داود وغيره أن عليا غسل أباه.

   (ويستر الميت في الغسل عن العيون) ندبا بأن يجعل في موضع خال لا يدخله إلا الغاسل ومن يعينه والولي لأنه كان يستتر عند الاغتسال حيا فيستر بعد موته وقد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره. (ولا ينظر الغاسل) من بدنه (إلا إلى ما لا بد له منه) من غير العورة بأن يريد معرفة المغسول من غيره أي يكره نظر الزائد على ذلك ويحرم نظر العورة فنظر المعين مكروه إلا لضرورة (والأولى أن يغسل في قميص) يلبس عند غسله لأنه أستر له «وقد غسل صلى الله عليه وسلم في قميص» رواه أبو داود وغيره وليكن باليا ويدخل الغاسل يده في كمه إن كان واسعا ويغسله من تحته وإن كان ضيقا فتح رؤس الدخاريص وأدخل يده في موضع العنق، فإن لم يجد قميصا أو لم يتأت غسله فيه ستر منه ما بين السرة والركبة (وغير المسخن من الماء أولى) منه لأن البارد يشد البدن والمسخن يرخيه (إلا أن يحتاج إلى المسخن) لوسخ أو برد (وينوي غسله) أي غسل الميت أو الغسل الواجب وذلك لأن النية في غسل الميت فرض عند المصنف كما سيذكره بعد وفي وجه صححه الشيخان أنها ليست بفرض، على ما ذكره الشارح رحمه الله فيما بعد أيضا.

   عند إفاضة الماء القراح (وينجيه) بعد إمرار يده على بطنه الآتي ذكره بعد أن يلف على يده اليسرى خرقة ويغسل بها وهو مستلق لقفاه دبره وقبله كما يستنجي الحي (ولا يجوز أن يمس عورته) بغير حائل. (ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة ويوضئه وضوءه للصلاة) بسواك واستنثار بأن يدخل اصبعه وعليها خرقة فمه ويمرها على أسنانه ويزيل ما في منخريه من أذى بإصبعه مع شىء من الماء.

   (ثم يغسل رأسه بماء وسدر ويسرح شعره) بمشط واسع الأسنان برفق ثم لحيته كذلك، وإن انتتف شعر جعل في كفنه إكراما له (ويغسل) بماء وسدر أيضا (شقه الأيمن ثم الأيسر) بدءا بما أقبل من عنقه إلى قدمه ثم بما أدبر من قفاه إلى قدمه ثم بعد إزالة السدر (يفيض الماء) القراح (على جميع بدنه ويفعل ذلك ثلاثا يتعاهد في كل مرة إمرار اليد) اليسرى (على البطن) بعد إجلاسه على المغتسل مائلا إلى ورائه مسندا ظهره إلى ركبة الغاسل اليمنى ليخرج ما فيه من الفضلات ويكون هناك مجمرة فائحة بالطيب والمعين يصب ماء كثيرا لئلا يظهر رائحة ما يخرج (فإن احتاج إلى الزيادة على ذلك غسل) أكثر من ثلاث حتى تحصل (وتكون وترا) أي يستحب الايتار إن حصلت بشفع وإنما يحسب غسله ما كان بماء قراح بعد زوال السدر (ويجعل في الغسلة الأخيرة) من كل مرة من الثلاث وهي التي بالماء القراح بعد زوال السدر (كافورا) يسيرا بحيث لا يغير الماء لأن رائحته تطرد الهوام. روى الشيخان أنه عليه الصلاة والسلام قال لغاسلات ابنته زينب: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها واغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور».

   (ويقلم أظفاره ويقص شاربه ويحلق عانته) وإبطه ندبا على الجديد والقديم أن ذلك لا يندب بل يكره وصححه النووي لأن مصيره إلى البلى ولأن أجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بهذا ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيه شىء معتمد وفي ثالث لا يكره ولا يستحب وصححه الرافعي وعلى الأول يفعل هذه الأمور قبل الغسل وتجعل معه في الكفن أما المحرم فيمتنع فيه ذلك جزما (والفرض من ذلك) المذكور شيئان (النية) قياسا على غسل الجنابة وفي وجه أنها ليست بفرض لأن القصد بغسل الميت النظافة وهي تتوقف على نية وصححه الشيخان. (والغسل) أي تعميم البدن (مرة) بالماء القراح (ثم) بعد تمام الغسل (ينشف في ثوب) تنشيفا بليغا ندبا لئلا تبتل أكفانه فيسرع إليه الفساد (فإن خرج منه بعد الغسل) من الفرج (شىء أعيد غسله) ليختم أمره بالأكمل (وقيل يوضأ) قياسا على الحي إذا تطهر ثم أحدث (وقيل يكفيه غسل المحل) كما لو خرج من غير الفرج لسقوط الفرض بما وجد وهذا ما صححه الشيخان.

   (ومن تعذر غسله) كأن احترق ولو غسل لتهرى (يمم) ولا يغسل محافظة على جثته لتدفن بحالها بخلاف من عليه قروح وخيف من غسله تسارع البلى إليه بعد الدفن فإنه يغسل ولا مبالاة بما يكون بعده فالكل صائرون إلى البلى.