الأربعاء فبراير 18, 2026

باب صلاة الاستسقاء

   أي طلب السقيا. (إذا أجدبت الأرض وانقطع الغيث أو انقطع ماء العين) المحتاج إليها (وعظ الإمام الناس وأمرهم بالخروج من المظالم) المتعلقة بالعباد (والتوبة من المعاصي) المتعلقة بالله تعالى (ومصالحة الأعداء والصدقة) والإقبال على الطاعات (وصيام ثلاثة أيام) لأن لكل ما ذكرنا أثرا في إجابة الدعاء كما وردت به الأحاديث (ثم يخرج بهم إلى المصلى) في الصحراء لأنها أوسع وأرفق لمن يحضر قال الخفاف: إلا أهل مكة فإنهم يستسقون في المسجد الحرام (في اليوم الرابع) ويكونون فيه صائمين (بعد غسل وتنظيف) بإزالة الشعر والظفر وقطع رائحة كريهة وسواك كما تقدم لا متطيبين ولا في زينة بل (في ثياب البدلة) بكسر الموحدة وسكون المعجمة أي المهنة. قال في شرح المهذب وهي التي تلبس في حال الشغل ومباشرة الخدمة وتصرف الإنسان في بيته لحديث الترمذي عن ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء متبذلا متخشعا متضرعا (ويخرج معه الشيوخ والعجائز والصبيان) لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة (وإن أخرجوا البهائم لم يكره) بل يستحب لحديث الحاكم وغيره: «خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل النملة» (وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا) لأنهم مسترزقة وفضل الله واسع (ولكن لا يختلطون بالمسلمين) لئلا يحل بهم عذاب بسبب كفرهم فيصيبنا معهم. (ويصلي بهم ركعتين كصلاة العيد) في التكبير سبعا في الأولى وخمسا في الثانية والجهر بالقراءة لحديث الترمذي: «أنه صلى الله عليه وسلم صلى الاستسقاء ركعتين كما يصلي العيد» (ويستحب أن يقرأ فيها [في الهامش: فيهما] أي في الثانية (سورة نوح) لاشتمالها على اللائق بالحال من ءاية الاستغفار وهذا وجه والأصح أنه يقرأ ﴿اقتربت﴾ كما يقرأ في الأولى ﴿ق﴾ كالعيد وجزم بترجيحه في المهذب.

   تتمة: في وقت صلاة الاستسقاء أوجه أحدها من طلوع الشمس إلى الزوال كالعيد والثاني منه إلى أن يصلي العصر وأصحها لا تختص بوقت بل تجوز في الليل والنهار حتى في أوقات الكراهة في الأصح.

   (ويخطب) بعد الصلاة ويجوز قبلها لثبوت الأمرين الأول في حديث ابن ماجه والثاني في حديث أبي داود (خطبتين) ندبا (يستغفر الله عند افتتاح الأولة تسعا وفي الثانية سبعا) فيقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه بدل التكبير في العيد. (ويكثر فيهما من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها من أعظم الأسباب في إجابة الدعاء ورفع البلاء ومن الاستغفار ويقرأ فيهما) قوله تعالى ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ الآيات لما رواه البيهقي «أن عمر استسقى فلم يزد على الاستغفار وقرأ الآية المذكورة ثم قال لقد طلبت الغيث بمحادج السماء التي يستنزل بها القطر» (ويرفع يديه) مشيرا بظهر كفيه إلى السماء للاتباع رواه الشيخان. (ويدعو بدعاء رسول الله) [كتب فوقها: النبي] صلى الله عليه وسلم فيقول (اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق) رواه البيهقي من حديث أبي وجنة السعدي (اللهم على الظراب والآكام ومنابت الشجر وبطون الأودية اللهم حوالينا ولا علينا) والمعروف أن هذا مما يدعى به عند كثرة الأمطار وضررها رواه الشيخان من حديث أنس والظراب بكسر المعجمة المشالة جمع ظرب بكسر الراء الرابية الصغيرة (اللهم اسقنا غيثا) هو المطر (مغيثا) بضم الميم أي مرويا مشبعا (هنيئا) هو الطيب الذي لا ينغصه شىء (مريئا) بالهمز وهو المحمود العاقبة (مريعا) بفتح الميم وكسر الراء أي ذا ريع أي نماء وفي شرح الترمذي: والمريع بميم مضمومة الذي يأتي بالريع. (غدقا) – بفتح الغين المعجمة والدال المهملة أي كثير الخير (سحا) بالمهملتين أي شديد الوقع على الأرض (عاما طبقا) بفتح الطاء والموحدة أي يطبق الأرض فيصير كالطبق عليها وذكر بعد العام لأنه صفة زيادة فيه فقد يكون عاما وهو طل يسير (مجللا) بفتح الجيم وكسر اللام يجلل الأرض أي يعمها كجل الفرس (دائما) إلى انتهاء الحاجة إليه (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي الآيسين بتأخيره، (اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء) بالهمز والمد هي شدة المجاعة (والجهد) بفتح الجيم وهو قلة الخير وسوء الحال (والضنك) أي الضيق (ما لا نشكو) بالنون (إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء) أي المطر (علينا مدرارا) أي كثيرا رواه الشافعي من حديث ابن عمر. (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية) بعد نحو ثلثها (ويحول رداءه) عند استقباله (من يمينه إلى شماله ومن شماله إلى يمينه ويجعل أعلاه أسفله) وأسفله أعلاه (ويتركه) محولا (إلى أن ينزعه مع ثيابه ويفعل الناس مثل ذلك) ويبالغ الإمام حينئذ بالدعاء سرا وجهرا فإذا أسر دعا الناس وإذا جهر أمنوا. وروى الشيخان عن عبد الله بن زيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في استسقائه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه» زاد أبو داود: «فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن» زاد أحمد في مسنده: «وحول الناس معه» وروى أبو داود والحاكم عنه أيضا «استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه»، والحكمة في ذلك التفاؤل بتغير الحال إلى الخصب والسعة. وروى الدار قطني عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وحول رداءه ليتحول القحط» وإذا فرغ الإمام من الدعاء مستقبلا أقبل على الناس بوجهه وحثهم على طاعة الله وصلى على رسول صلى الله عليه وسلم ودعى للمؤمنين والمؤمنات وقرأ ءاية أو ءايتين وقال استغفر الله لي ولكم (فإن لم يسقوا أعادوا) الصلاة (ثانيا وثالثا) زاد في شرح المهذب وأكثروا حتى يسقوا. وهل يخرجون من الغد أو يتهيئون بالصيام وغيره مرة أخرى قولان أصحهما الأول.

   (وإن تأهبوا للصلاة فسقوا قبل الصلاة صلوا) صلاة الاستسقاء المعروفة (وشكروا الله تعالى وسألوه الزيادة) وقيل لا يصلونها بل يقتصرون على الوعظ والدعاء والشكر.

   (ويستحب الاستسقاء خلف الصلوات) المفروضة وفي خطبة الجمعة (بالدعاء) لحديث الشيخين: «أنه صلى الله عليه وسلم استسقى يوم الجمعة على المنبر بالدعاء من غير صلاة الاستسقاء ويستحب أيضا بمطلق الدعاء بلا صلاة خلف صلاة فرادى أو جماعة وهو أدنى المراتب وما قبله أوسطها والسابق أكملها.

   (ويستحب لأهل الخصب) بكسر أوله (أن يدعوا لأهل الجدب) قال في شرح المهذب ولم يتعرضوا للصلاة وظاهر كلامهم أنها لا تشرع وصرح الشيخ زكريا في شرح الروض أنهم يستسقون لغيرهم بالصلاة وغيرها (ويستحب أن يقف في أول المطر) يقع في السنة (ليصيبه) لحديث مسلم «أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر ثيابه حتى أصابه المطر فقلنا لم صنعت هذا؟ قال: إنه حديث عهد بربه» أي بتكوينه وتنزيله. ورواه الحاكم بلفظ: «كان إذا مطرت السماء حسر ثوبه عن ظهره حتى يصيبه المطر».

   ويستحب (أن يغتسل) أو يتوضأ (في الوادي إذا سال) روى الشافعي: «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه».

   ويستحب أن (يسبح للرعد والبرق) روى مالك عن ابن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته».