باب صلاة الكسوف
هو صادق بكسوف الشمس وكسوف القمر ويقال في كل منهما خسوف أيضا كما قاله في شرح المهذب: إن الأصح المشهور في كتب اللغة أنهما يستعملان فيهما والأشهر في ألسنة الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر
(وهي سنة مؤكدة) لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بها كما رواه الشيخان، ورويا أنه صلى لكسوف الشمس وذكر ابن حبان في سيرته أنه صلى لخسوف القمر.
(ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي فإن فاتت) بالانجلاء (لم تقض) كسائر الصلوات ذوات السبب.
(والسنة أن يغتسل لها) قياسا على الجمعة والعيد ويدخل وقته بأول الكسوف والسنة (أن تقام في جماعة) وأن تصلى (حيث تصلى الجمعة) أي في المسجد الجامع (ينادى لها الصلاة جامعة) للاتباع في ذلك كله رواه الشيخان. وتجوز فرادى وفي موضع من البلد وفيهما وجه شاذ (وهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان. والمستحب أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة) وما يتقدمها من دعاء الاستفتاح والتعوذ (سورة طويلة كالبقرة ثم يركع ويدعو) أي يسبح (بقدر مائة ءاية) من البقرة (ثم يرفع) قائلا سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد إلى ءاخره ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة (ويقرأ بعد الفاتحة بقدر سورة ءال عمران ثم يركع ويدعو) أي يسبح (بقدر سبعين ءاية) بالباقي كما ضبطه النووي في شرح المهذب وقال الجمهور بقدر ثمانين وصححه الشيخان. (ثم يسجد كما يسجد في غيرها) أي من غير تطويل (ثم يقوم في الثانية فيقرأ) فيها (بعد الفاتحة نحوا من مائة وخمسين ءاية) من البقرة، (ثم يركع ويدعو بقدر سبعين ءاية ثم يرفع) قائلا سمع الله لمن حمده إلى ءاخره (فيقرأ بعد الفاتحة) المسبوقة بالتعوذ (نحوا من مائة ءاية) من البقرة (ثم يركع ويدعو بقدر خمسين ءاية ثم يسجد كما يسجد في غيرها) أي من غير تطويل كما في الاعتدال والجلوس بين السجدتين، روى الشيخان عن ابن عباس أنه قال: »انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة البقرة ثم ركع طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس» وفي رواية لمسلم: «أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات»، وفي أخرى «أربع ركوعات» وفي رواية لأبي داود «خمس ركوعات» أجاب الأئمة عنها بأن رواية الركوعين أشهر وأصح فقدمت، وما في رواية أبي داود أنه صلاها ركعتين من غير تكرير الركوع أجاب عنه الأصحاب بأنه لبيان الجواز وأحاديث التكرير محمولة على الاستحباب. قال في شرح المهذب: ففيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها صحت الكسوف وكان تاركا للأفضل. انتهى.
ولا ينافي هذا ما صححه هو والرافعي من أنه لا يجوز نقص ركوع للانجلاء ولا زيادة ثالث لتمادي الكسوف لأن ذلك بالنسبة لمن قصد فعلها بالركوعين. وما ذكره المصنف من أنه لا يطول السجود هو الراجح عند جماهير الأصحاب كما قال في شرح المهذب، وصحح النووي في زوائد الروضة والمنهاج استحباب تطويله لثبوته في أحاديث الصحيحين منها حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري في الركعة الأولى فسجد سجودا طويلا وفي الثانية سجد وهو دون السجود الأول، قال في الروضة: والمختار في قدره ما ذكره البغوي أن السجود الأول كالركوع الأول والسجود الثاني كالركوع الثاني ونص في البويطي أنه نحو الركوع الذي قبله. وما تقدم من أنه يقول في كل رفع: سمع الله لمن حمده إلى ءاخره هو المذكور في كلام الشيخين نقلا عن الأصحاب والثاني في الصحيحين وصرح باختصاصه بالرفع من الركوع الثاني وأنه يرفع من الأول مكبرا. ولو سلم من الصلاة والكسوف باق فهل له استفتاح الصلاة مرة أخرى وجهان أصحهما المنع، نعم في شرح المهذب عن الأم أنه من صلى الكسوف وحده وأدركها مع الإمام صلاها معه.
(فإن كان في كسوف الشمس أسر وإن كان في خسوف القمر جهر) لأن الأولى في النهار والثانية في الليل وقد روى الترمذي وصححه عن سمرة: «صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف لا نسمع له صوتا» وروى الشيخان عن عائشة: «أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته».
قال في شرح المهذب: فيحمل الأول على كسوف الشمس والآخر على خسوف القمر. ويؤيده حديث البيهقي عن ابن عباس قال: «كسفت الشمس على عهد رسول صلى الله عليه وسلم فقام فصلى فقمت إلى جنبه فلم أسمع له قراءة».
(ثم يخطب) الإمام بعد الصلاة للاتباع رواه الشيخان فلا يخطب من صلاها منفردا ويخطب إمام المسافرين (خطبتين) ندبا وتكفي واحدة كما حكاه في الكفاية عن النص (يخوفهم فيهما بالله عز وجل) ويحضهم على التوبة والخير والعتق والصدقة وإكثار الدعاء والاستغفار للاتباع رواه الشيخان. (فإن لم يصل حتى تجلت الشمس لم يصل) لأن المقصود بالصلاة الانجلاء وقد حصل، ولو انجلى بعضها شرع في الصلاة للباقي كما لو لم ينكسف إلا ذلك القدر ولو حال سحاب وشك في الانجلاء صلى لأن الأصل بقاء الكسوف. ولو كانت تحت غمام وشك هل كسفت لم يصل لأن الأصل عدمه، (وإن لم يصل لكسوف الشمس حتى غابت كاسفة لم يصل) لأن سلطان الشمس بالنهار وقد ذهب لعدم الانتفاع بها بعد الغروب (وإن لم يصل لخسوف القمر حتى غاب خاسفا قبل طلوع الشمس) ولو بعد طلوع الفجر (صلى) لبقاء سلطانه كما لو استتر بغمام فإن طلعت الشمس لم يصل لعدم الانتفاع به بعد طلوعها كما لو ابتدأ خسوفه بعد طلوعها ولو شرع في الصلاة وطلعت الشمس أو طلعت في أثنائها لم تبطل كما لو انجلى الكسوف في الأثناء.
(وإن اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتا ثم يصلي الأخرى ثم يخطب كالمكتوبة والكسوف في أول الوقت) أي وقت المكتوبة (يبدأ بالكسوف) لخوف فوته بالانجلاء (ثم يصلي المكتوبة ثم يخطب) للكسوف فإن كان في ءاخر وقت المكتوبة بدأ بها لأنها أهم ولو كانت المكتوبة في الصورة الأولى جمعة خطب لها بعد الكسوف ثم صلاها، ويتعرض في الخطبة لذكر الكسوف، ولا يجوز أن يقصده والجمعة بالخطبتين لأنه تشريك بين فرض ونفل.
(فإن استويا في) خوف (الفوت بدأ بآكدهما كالوتر) والتراويح (والكسوف يبدأ بالكسوف) لأنه ءاكد، ولو اجتمع جنازة وكسوف أو وعيد قدمت الجنازة لما يخاف من تغير الميت بتأخيره أو وجمعة فكذلك إن اتسع الوقت وإن ضاق قدمت الجمعة. ولو اجتمع كسوف وعيد صلاهما ثم خطب لهما خطبتين يذكر فيهما العيد والكسوف وحيث بدأ بالكسوف خففه فيقرأ في كل قيام بالفاتحة والإخلاص وما أشبهها. وفي البويطي لو اجتمع عيد وكسوف واستسقاء وجنازة يعني والوقت متسع بدأ بالجنازة ثم الكسوف ثم العيد ثم الاستسقاء فإن خطب للجميع خطبة واحدة أجزأه