الأربعاء فبراير 18, 2026

باب استقبال القبلة

أي الكعبة

   (واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة) قال الله تعالى ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي نحوه ويعتبر بالصدر لا بالوجه لأن الالتفات به لا يبطل (إلا في شدة الخوف) فلا يشترط الاستقبال فيها كما سيأتي في بابه للضرورة وسواء فيه الفرض والنفل (وإلا في النافلة في السفر) راتبه كانت أو غيرها (فإنه يصليها حيث توجه) راكبا كان أو ماشيا طويلا كان السفر أو قصيرا شرط إباحته بخلاف العاصي بسفره روى الشيخان عن ابن عمر قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته للسفر حيث ما توجهت به». وفي رواية لهما «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» وللبخاري «فإذا أراد الفريضة نزل واستقبل القبلة». وألحق الماشي بالراكب بخلاف راكب السفينة فليس له ذلك لتيسير الاستقبال عليه إلا الملاح الذي يسيرها كما صححه في زوائد الروضة والتحقيق وخرج بالسفر الحضر فلا يجوز فيه ذلك على الصحيح وبقوله حيث توجه من لا مقصد له وهو الهائم ومن انحرف عن جهة مقصده فإن صلاته تبطل إلا إذا كان انحرافه إلى القبلة لأنه عاد إلى الأصل فلا يضره ولو انحرف ناسيا وعاد عن قرب أو جمحت به الدابة لم تبطل. (فإن كان ماشيا أو على دابة يمكنه توجيهها إلى القبلة) لسهولتها، وزمامها بيده (لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود) لسهولة ذلك عليه، روى أبو داود عن أنس: «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة وكبر وصلى حيث وجه ركابه» والمعنى فيه وقوع أول الصلاة بالشروط ثم يجعل ما بعده تابعا له فإن لم يمكنه توجيه الدابة بأن كانت سائرة وهي مقطورة أو جموح لم يجب ذلك لما فيه من المشقة. وما ذكره المصنف من الوجوب في الركوع والسجود أيضا صحيح في الماشي ممنوع في الراكب كما استدركه النووي في تصحيحه معبرا بالصواب أنه لا يلزمه فيهما نافيا فيه الخلاف وتعقبه الإسنوي بأن فيه وجهين في شرح المهذب وغيره ورد بأنه لما حكاه قال إنه باطل لا أصل له ثم الراكب يومئ لهما والسجود أخفض من الركوع والماشي يتمهما ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده ويمشي في اعتداله دون جلوسه بين السجدتين كما نقله في الكفاية عن البغوي وغيره، ولو أمكنه الاستقبال والإتمام على الدابة كأن كان في مرقد لزمه ذلك، إذ لا مشقة فيه كراكب السفينة، وفي قول لا لأن الحركة تضر بالدابة. وقيل يلزمه الاستقبال دون الإتمام أما الفرض فلا يجوز للماشي بحال ولا للراكب ما لم يتم الأركان والاستقبال وهي واقفة، فإن لم يتم أو كانت سائرة فلا، لأن سيرها منسوب إليه وقيل يجوز كالسفينة. وفرق الأول بأن العدول إلى البر في أوقات الصلاة يبعد أو يتعسر بخلاف الدابة، والمنذورة كالفرض في الأظهر وكذا الجنازة كما في شرح المهذب.

   (والفرض في القبلة إصابة العين) لقوله صلى الله عليه وسلم «هذه القبلة» أخرجه الشيخان (فمن قرب منها) بأن كان في المسجد أو على جبل أبي قبيس أو سطح وشك فيها لظلمة أو غيرها (لزمه ذلك بيقين قطعا) فليس له الاجتهاد ولا التقليد قطعا ولا الأخذ بإخبار غيره إلا أن يحول بينه وبينها جبل أو بناء فله الاجتهاد والأخذ بقول الغير للمشقة في تكلف المعاينة (ومن بعد منها لزمه ذلك بالظن في أحد القولين) وهو الأظهر كالمكي. (وفي القول الآخر الفرض لمن بعد الجهة) لا العين وإلا لما صحت صلاة الصف الطويل ولأن فيهم من يخرج عن العين وأجيب بأن المسامتة تصدق مع البعد. (ومن صلى في الكعبة أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة) بها كعتبتها وخشبة مسمرة أو مثبتة بها وشجرة نابتة بها وقدرها ثلثا ذراع فأكثر بذراع الآدمي (جازت صلاته) فرضا كانت أو نفلا، روى الشيخان «أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين». بخلاف ما لو لم تكن سترة لأنه صلى فيها أو عليها لا إليها ولا عبرة بسترة دون ثلثي ذراع ولا بغير المتصلة كمتاعه الموضوع والزرع والخشبة المغروزة. (ومن غاب عنها) أي عن معاينتها ولو كان بمكة (فأخبره ثقة) في الرواية حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى بخلاف الفاسق والصبي (عن علم صلى بقوله ولم يجتهد) كما لا يجتهد الحاكم إذا أخبره ثقة بالنص وإن أخبره عن اجتهاد لم يقلده بل يجتهد ويعمل على الأغلب عنده (وكذلك إن رأى محاريب المسلمين) المنصوبة (في بلد) أو قرية يكثر مرور المسلمين بها (صلى إليها ولم يجتهد) بالإجماع كما في شرح المهذب عن نقل ابن الصباغ قال واحتج له الأصحاب بأنها لا تنصب إلا بحضرة جماعة من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلة فجرى ذلك مجرى الخبر نعم يجوز له الاجتهاد في التيامن والتياسر في الأصح إلا في محراب المدينة وكل بقعة ضبطت صلاته صلى الله عليه وسلم إليها فلا يجوز فيها بحال. أما المنصوبة حيث يندر مرور الناس به أو في بلد خراب لا يدري بناها المسلمون أو الكفار فلا عبرة بها. والطريق كالبلد فيما ذكر فيفرق بين ما يكثر مرور المسلمين به وما يقل.

   (وإن كان في برية واشتبهت عليه القبلة اجتهد في طلبها بالدلائل) من الشمس والقمر والنجوم والريح، ولا يقلد، فإن تحير صلى كيف كان في الأظهر ويقضي وكذا لو ضاق الوقت عن الاجتهاد. (فإن لم يعرف الدلائل) ولم يمكن تعلمها (أو كان أعمى) لا يراها لأن معظمها بصرية (قلد بصيرا يعرفه) يعرف الدلائل ثقة ولو كان عبدا أو امرأة بخلاف الفاسق والمميز ولا يقضي ما يصليه بالتقليد فإن اختلف عليه مجتهدان قلد الأوثق والأعلم ندبا وقيل وجوبا فإن استويا تخير وقيل يصلي مرتين. (فإن لم يجد من يقلده صلى على حسب حاله) لحرمة الوقت (وأعاد) لندور هذا العذر. أما من أمكنه تعلم الدلائل فيحرم عليه التقليد بناء على أن تعلمها فرض عين كالصلاة وكالوضوء وغيره من شرائطها وهو ما صححه الرافعي ووافقه النووي في المنهاج وعلى هذا إن ضاق الوقت عن التعلم صلى كيف كان وأعاد. وقيل إنه فرض كفاية كسائر الأحكام الفروعية وعلى هذا له التقليد ولا إعادة. وقيل إن أراد سفرا ففرض عين لكثرة الاشتباه وإلا ففرض كفاية، وصححه في شرح المهذب والوسيط وفي زوائد الروضة أنه المختار. (ومن صلى بالاجتهاد أعاد الاجتهاد للصلاة الأخرى) وجوبا أداء كانت أو قضاء إذ لا ثقة ببقاء الظن الأول. وقيل لا يجب لأن الأصل بقاء الظن ولا يجب لنافلة قطعا ولا إن كان ذاكرا للدليل الأول قطعا والمقلد يعيد السؤال أيضا على الخلاف المذكور كما ذكره في الكفاية وحيث أعاد الاجتهاد (فإن تغير اجتهاده) فظهر له أن القبلة في جهة غير الأولى (عمل بالاجتهاد الثاني فيما يستقبل ولا يعيد ما صلى بالاجتهاد الأول) لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد فلو كان التغير في أثناء الصلاة انحرف ولم يستأنف (فإن تيقن الخطأ) في الأول بأن رأى الكعبة أو أخبره ثقة برؤيتها وأنه صلى لغيرها (لزمته الإعادة في أصح القولين) كما لو وجد الحاكم النص بخلاف حكمه فإنه ينقضه والثاني لا يلزمه لعذره بالاجتهاد والقولان كما صرح ابن القاص جاريان في التيقن في أول الوقت وبعده.

   وشملها تعبير المصنف بالإعادة خلاف تعبير غيره بالقضاء ولو تيقن المقلد الخطأ بإخبار مقلده أو ثالث أعلم منه أو تغير اجتهاد مقلده كما لو وقع ذلك للمجتهد. وشملت العبارة الخطأ في التيامن أو التياسر فإن تيقن لزمته الإعادة أو ظنه بالاجتهاد فلا.