الأربعاء فبراير 18, 2026

باب طهارة البدن والثوب وموضع الصلاة

   (واجتناب النجاسة) في الثوب والبدن والمكان (شرط في صحة الصلاة) قال الله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ وفي الصحيحين «فاغسلي عنك الدم وصلي». (فإن حمل نجاسة في صلاته أو لاقاها ببدنه أو ثيابه) وهي غير معفو عنها (لم تصح صلاته) سواء علم بها أم لا لفوات شرطها كالوضوء.

   (وقال في القديم إن صلى ثم رأى في ثوبه أو بدنه) أو مكانه (نجاسة كانت في الصلاة) بأن لم يجوز حدوثها بعدها (لم يعلم بها قبل الدخول) فيها في الصلاة (أجزأته صلاته) لعذره بالجهل. وعلى هذا لو علم بها في أثنائها أزالها وبنى وعلى الأول يستأنف ولو احتمل حدوث النجاسة في الصلاة وبعدها اجزأته بلا خلاف ويستحب إعادتها احتياطا ولو علم بها قبل الدخول فيها ونسيها لم يجزءه بلا خلاف لتفريطه بترك إزالتها. وقيل فيه القولان لعذره بالنسيان ودخل في الجهل ما لو قبض طرف حبل ونحوه وطرفه الآخر نجس أو متصل بنجاسة بخلاف ما لو جعله تحت رجله وفي الملاقاة ما لو كان طرف عمامته مثلا على نجاسة تحرك بحركته أم لا بخلاف ما لو حاذت صدره في الركوع والسجود لا يعبأ بها وفي وجه يضر لأنه منسوب إليه لكونه موضع صلاته.

   (وإن أصاب أسفل الخف) أو النعل في المشي من غير تعمد (نجاسة) لها جرم كروث (فمسحه) أي دلكه (على الأرض) وهي جافة (وصلى [فيه] ففيه قولان: أحدهما يجزئه) ويعفى عن أثرها فيه وإن كان نجسا جزما لتكرر ذلك كالاستجمار (والثاني) وهو الأظهر (لا يجزئه) بل عليه الإعادة ولا يعفى عن ذلك في الخف كالثوب. فإن تعمد تلطيخ الخف بها أو أصابته وهو مطروح أو كانت النجاسة لا جرم لها كالبول أو دلكه وهي رطبة لم يجزئه بلا خلاف.

   (وإن أصاب الأرض نجاسة فذهب أثرها) أي لونها وريحها وطعمها (بالشمس والريح وصلى عليها ففيها قولان أحدهما يجزئه)، بناء على طهارة الأرض وذلك لذهاب عين النجاسة. (والثاني) وهو الأظهر (لا يجزئه) بناء على عدم طهارتها به كالثوب ولو ذهب بالظل لم يطهر قطعا.

   (وإن صلى في مقبرة) – بتثليث الباء – (منبوشة) بلا حائل (لم تصح صلاته) لاختلاط أجزائها بصديد الموتى (وإن كانت غير منبوشة كره ذلك) لما تحتها من النجاسة كما لو بسط عليها ثوبا وصلى (وأجزأته صلاته وإن شك في نبشها) حيث هو الغالب صحت صلاته لأن الأصل عدمه وطهارة الأرض. (وقيل لا يصح) عملا بالظاهر (وإن جبر عظمه بعظم نجس) مع إمكانه بطاهر (وخاف التلف) أو ضررا مما سبق في التيمم (من نزعه وصلى فيه أجزأته صلاته) لعذره في الخوف. وقيل لا لتعديه بالجبر به مع إمكان غيره فإن لم يمكن بغيره لم يجب النزع بلا خلاف سواء خاف أم لا ولو لم يخف في صورة الإمكان وجب النزع بلا خلاف وإن تألم به فإن لم يفعل أجبره الإمام ولا تصح صلاته. وقيل لا يجب إن استتر باللحم. (وإن صلى وفي ثوبه دم البراغيث) أو القمل وما أشبهها كما في المهذب قال في شرحه مما لا نفس لها سائلة قليلا كان أو كثيرا (أو اليسير) عرفا (من سائر الدماء) أي باقيها من ءادمي نفسه أو غيره كما يؤخذ من المهذب أو حيوان له نفس سائلة قال في شرح المهذب عن البيان: إلا الكلب والخنزير وفرع أحدهما. (أو سلس البول أو الاستحاضة) كما في التحرير بالجر عطفا على سائر فيختصان باليسير وفي الكفاية بالرفع عطفا على دم البراغيث فيعمان الكثير وغلطه النشائي (جازت صلاته) ويعفى عما ذكر من النجاسة لعموم البلوى بها والبدن كالثوب فيما ذكر في الأصح وألحق النووي بدم البراغيث دم الإنسان نفسه في العفو عن كثيره وسواء فيه دم البثرات وموضع الفصد والحجامة وفي دم البثرات عصره أم خرج بنفسه وفيه وفي دم البراغيث إن انتشر بعرق أم لا على الأصح في الثلاثة. والمراد بثوبه الملبوس فلو حمله وفيه دم البراغيث أو صلى عليه ضر إن كثر دمه وإلا فلا في الأصح. ذكره في التحقيق قال وكذا لو قتل البرغوث ونحوه (وإن كان على ثوبه أو بدنه ما لا يدركه الطرف من غير الدماء فقد قيل يصح) ويعفى عنها قطعا. (وقيل لا يصح) قطعا (وقيل فيه قولان) وهذه الطريقة أصح والأظهر من قوليها العفو والصحة. وقد تقدمت الطرق الثلاثة في وقوعها في الماء القليل أيضا وفي رابعة ينجس الماء قطعا وفي الثوب قولان وفي خامسة عكسه وفي سادسة ينجس الماء دون الثوب قطعا لأن صون الماء بالتغطية ممكن بخلافه وفي سابعة عكسه لأن للماء قوة في دفع النجاسة بخلافه. (وإن كان على قرحه) بفتح القاف وضمها – (دم يخاف من غسله) ضررا مما سبق في التيمم وهو كثير بحيث لا يعفى عنه (صلى فيه) أي معه (وأعاد) لندوره. وفي القديم: لا يعيد لعذره وهذه المسألة مذكورة في المهذب أيضا مع حكاية القديم. وقيدها في شرحه بما ذكرته ليوافق ما صححه المصنف من العفو عن يسير الدم إلا أنها منافية لتصحيح النووي العفو عن الكثير أيضا وإن كان ذكرها في المنهاج في التيمم مع زيادة القيد المذكور على المحرر جريا على طريقة الرافعي.

   (وتكره الصلاة في الحمام) لحديث الترمذي وغيره «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» وروى أيضا عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله والمعنى فيه [أي الحمام] كونه مأوى الشياطين. وقيل كثرة النجاسة فيكره في المسلخ وموضع تحققت طهارته على الأول دون الثاني وفي (قارعة الطريق) للحديث المذكور وهي أعلاه. وقيل صدره. وقيل ما برز منه والمراد بها نفس الطريق كما قاله ابن الأثير في نهايته ولهذا عبر به في المنهاج والمعنى فيه اشتغال القلب بمرور الناس أو منعهم من المرور أو غلبة النجاسة. وفي (أعطان الإبل) جمع عطن وهو الموضع الذي تنحى إليه بعد الشرب إلى أن تجتمع فتساق إلى المرعى. (ولا تكره في مراح الغنم) بضم الميم أي مأواها ليلا لحديث الترمذي وغيره «صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل». زاد ابن ماجه وغيره في رواية «فإنها خلقت من الشياطين» أي والصلاة تكره في مأوى الشياطين لحديث الوادي في صحيح مسلم وغيره بخلاف الغنم فإنها بركة كما رواه أبو داود وغيره. وهي من دواب الجنة كما رواه البيهقي أيضا فإن خوف نفار الإبل يذهب الخشوع بخلاف الغنم ومأوى الإبل كعطنها للمعنى المذكور، وعطن الإبل كمأواها لذلك وصرح به في الشرح الصغير قال إلا أن الكراهة في أعطان الإبل أشد من مأواها لأن نفارها فيه أكثر لازدحامها في الذهاب والإياب فلهذا نص عليه الحديث.

   قلت ويمكن أخذ مأوى الإبل وعطن الغنم من متن الحديث بتخريجه عن نوع بديعي يسمى الاحتباك كما ذكرته في شرح المسند والبقر كالغنم نقله الإسنوي عن ابن المنذر.

   (ولا تحل الصلاة في أرض مغصوبة ولا ثوب مغصوب ولا ثوب حرير) للرجل بالإجماع في المسائل الثلاث كما في شرح المهذب ولأنه يحرم اللبث في المغصوب ولبس الحرير حرام خارج الصلاة ففيها أولى. (فإن صلى في شىء من ذلك لم يعد) لأن التحريم المذكور لا يختص بالصلاة فلا يمنع صحتها والأكثرون من الأصوليين والفقهاء على أنه لا ثواب فيها. وقال ابن الصباغ ينبغي أن يثاب ويكون مثابا من وجه ءاثما من وجه فإن لم يجد إلا الحرير جازت صلاته بل تلزمه في الأصح. (وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس) اجتهد (وصلى في الطاهر على الأغلب عنده) سواء كان بصيرا أم أعمى قدر على طاهر بيقين أم لا، ولو حضرت صلاة أخرى لم يجب تجديد الاجتهاد في الأصح ذكره في شرح المهذب فلو جدده فتغير ظنه عمل بالثاني في الأصح فيصلي فيه من غير إعادة كما لا يجب إعادة الأولى جزما ولو تحير ولم يغلب على ظنه شىء صلى عريانا وأعاد والتبيان فيما ذكر. (وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب) أو البدن، أو البساط، أو البيت كما في الشرح (غسله كله) وجوبا لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي جزء منه بلا غسل، ولا يجزئ فيه الاجتهاد بناء على اشتراط التعدد فيه ولو أصاب شىء رطب بعض ما ذكر لم يحكم بنجاسته لأنا لا نتيقن نجاسة موضع الإصابة ولو كانت النجاسة في مقدم الثوب مثلا وخفي موضعها وجب غسل مقدمه فقط، ولو أخبر ثقة بيقين موضعها قبل قوله فيكفي غسلها.