الأربعاء فبراير 18, 2026

باب ستر العورة بفتح السين

   العورة في اللغة: النقص والخلل. وفي الشرع: عبارة عما يجب ستره من البدن.

   (ويجب ستر العورة عن العيون) بالإجماع وكذا في الخلوة على الأصح، لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك»، قلت: إذا كان أحدنا خاليا، قال: «الله أحق أن يستحى منه» رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي. وإنما يحصل (بما لا يصف البشرة) أي لونها ثوبا كان أو غيره حتى الطين والماء الكدر على الصحيح ولا يضر وصفه لحجمها بخلاف ما يصف اللون كالثوب الرقيق والغليظ المهلهل النسج والماء الصافي والزجاج فلا يكفي لأن مقصود الستر لا يحصل به (وهو) أي ستر العورة (شرط في صحة الصلاة) فرضا كانت أو نفلا صلى في الخلوة أو غيرها لقوله تعالى ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ وهو مفسر بستر العورة في الصلاة. وروى أبو داود والترمذي والحاكم حديث «لا يقبل الله صلاة حائض- أي بالغة – إلا بخمار» (وعورة الرجل) حرا كان أو عبدا بالغا أو صبيا (ما بين سرته وركبته) لحديث البيهقي «العورة ما بين السرة والركبة». وروى الترمذي وغيره «غط فخذك فإن الفخذ من العورة» أما السرة والركبة فليستا من العورة في الأصح. (وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين) ظاهرهما وباطنهما إلى الكوعين. قال تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين. (وعورة الأمة ما بين السرة والركبة) إلحاقا لها بالرجل وسواء القنة والمدبرة والمكاتبة والمستولدة وكذا المبعضة على الأصح والخنثى كالأنثى فلو صلى مقتصرا على ستر عورة الرجل ففي صحة صلاته وجهان أصحهما في زوائد الروضة وشرح المهذب المنع، لأن الستر شرط وقد شككنا في حصوله. وصحح في التحقيق الصحة للشك في وجوبه.

   (والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين قميص ورداء) أو إزار وسراويل لحديث أبي داود وغيره «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما» (فإن اقتصر على ستر العورة جاز إلا أن المستحب أن يطرح على عاتقه شيئا) لحديث «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شىء». والصارف له عن التحريم إلى الكراهة حديث البخاري «إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف وإن كان ضيقا فاتزر به» (ويستحب للمرأة) حرة كانت أو أمة (أن تصلي في ثلاثة أثواب درع) وهو القميص يستر البدن والرجل، (وخمار) يستر الرأس والعنق، (وسراويل). روي عن عمر قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار. وذكر الإزار لأنه المعتاد عند العرب. وجرى عليه في المهذب كالأصحاب وأبدله هنا بالسراويل لأنه أستر. وفيه حديث «اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي» (ويستحب لها أن تكثف جلبابها) قال في شرح المهذب هذا لفظ الشافعي واختلف في ضبطها فقيل بالمثلثة أي تتخذه كثيفا أي غليظا صفيقا لئلا يصف أعضاءها. وقيل بالمثناة أي تعقد إزارها لئلا ينحل عند الركوع والسجود. وقيل تكفت أي تجمعه. وليس المراد به الإزار المعروف الذي هو المئزر بل الملاءة التي تلتحف بها فوق الثياب على الصحيح. انتهى. ويستفاد منه استحباب أن تصلي في أربعة أثواب كما ذكره في الكفاية وإن بعضهم صرح به.

   (ومن لا يجد إلا ما يستر) به (بعض العورة ستر السوأتين) أي القبل والدبر وجوبا وقيل ندبا لأنهما أفحش من غيرهما ولقصر العورة عليهما في وجه وسميا سوءتين لأن انكشافهما يسوء صاحبهما (وإن وجد ما يكفي إحداهما) فقط (ستر به القبل) رجلا كان أو امرأة لأنه للقبلة بارز والدبر مستور غالبا بالأليين. (وقيل يستر به الدبر) لأنه أفحش في الركوع والسجود وفي الثالث يخير لتعارض المعنيين، ورابع: يستر الرجل الدبر والمرأة القبل والخلاف في الوجوب وقيل في الاستحباب فلو خالف لم تصح صلاته على الأصح لأنه واجب وتصح على الثاني.

   (وإن بذل) بالمعجمة – (له سترة) عارية (لزمه قبولها) لخفة المنة في ذلك كالماء وعارية الدلو في التيمم. وقيل لا لاحتمال أن تتلف فيلزمه ضمانها. ولو وهبت له لم يلزمه قبولها لعظم المنة في ذلك وقيل يلزمه كما لو وهب الماء. وقيل يلزمه القبول للمنفعة دون العين فيصلي فيها ويردها وشراؤها كشراء الماء. (وإن لم يجد) سترة (صلى عريانا) قائما متم الركوع والسجود (ولا إعادة عليه) قال الشيخ أبو حامد: بلا خلاف بين المسلمين. (وإن وجد السترة في أثناء الصلاة وهي بقربه ستر وبنى) فإن احتاج في أخذها إلى استدبار بطلت صلاته ما لم يناوله غيره. (وإن كانت بالبعد) منه (ستر واستأنف) الصلاة كذا قطع به العراقيون وأجرى فيه الخراسانيون القولين في بناء من سبقه الحدث. ولو قدر على السترة في أثنائها ولم يعلم بها لزمه الإعادة على المذهب، وعتق الأمة في الصلاة كوجود السترة وجهلها به كالجهل بها. والفرق بين الستر والماء حيث لا يلزمه الإتيان عند القدرة عليه في الأثناء وجود البديل عنه