باب من يجب عليه فرض الصلاة
قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾
(ويجب فرض الصلاة على كل بالغ، عاقل، طاهر، مسلم) بالإجماع (وأما الصبي ومن زال عقله بجنون، أو مرض) كالإغماء (والحائض والنفساء فلا تجب عليهم الصلاة) لما تقدم في باب الحيض في الآخرين ولرفع القلم عن الأولين في حديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ» حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم، وكالصبي الصبية وزائل العقل بمرض كالمجنون لأنه معذور فيه بخلاف غير المعذور كالسكران فيجب عليه القضاء إذا أفاق لتعديه وفي معناه من شرب دواء مزيلا للعقل عالما به لا لحاجة بخلاف ما لو جهله وشربه لحاجة.
(ويؤمر الصبي) ومثله الصبية (بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر) لحديث الترمذي والحاكم وغيرهما: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» ولأبي داود: «مروا أولادكم» وهو شامل للذكر والأنثى. قال في شرح المهذب والأمر والضرب واجبان على الولي أبا كان أو جدا أو وصيا أو قيما من جهة القاضي. وفي الروضة وأصلها يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين. ومنه يؤخذ أن المراد بالسبع والعشر استكمالهما كما صرح به نصر المقدسي في المقصود (فإن بلغ الصبي في أثناء الصلاة) بالسن وأكملها (أو صلى في أول الوقت وبلغ في ءاخره) بالسن أو الاحتلام أو الحيض (أجزأه ذلك عن الفرض) كما لو عتق العبد في الظهر أو بعدها قبل فوات الجمعة فإنها تجزئه ولا تلزمه الجمعة. وفي وجه لا، ويلزمه الاستئناف في الأولى والإعادة في الثانية لابتدائها أو وقوعها حالة النقصان (وأما الكافر فإن كان أصليا لم يجب عليه) وجوب مطالبة بها في الدنيا لعدم صحتها منه في الكفر، وبعد الإسلام لا يؤمر بقضائها ترغيبا له في الإسلام، نعم تجب عليه وجوب عقاب في الآخرة كما تقرر في الأصول لتمكنه من فعلها في الإسلام (وإن كان مرتدا وجبت عليه) فيقضيها إذا أسلم حتى ما فاته زمن الجنون فيها تغليظا عليه بخلاف زمن الحيض والنفاس فيها، والفرق أن إسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمة وعن المجنون رخصة والمرتد ليس من أهلها.
(ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت) وإلا لفاتت فائدة التوقيت (إلا نائم) لحديث الشيخين «ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى»، (أو ناس) لحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» صححه الحاكم (أو معذور بسفر أو مطر فإنه يؤديها بنية الجمع) لما سيأتي في بابه (أو من أكره على تأخيرها) للحديث المذكور، وقد استشكل تصوير الإكراه على ذلك لأن كل حالة تنتقل إلى ما دونها إلى إمرار الأفعال على القلب وهو شىء لا يمكن الإكراه على تأخيره، وحمله في شرح المهذب على الإكراه على التلبس بمناف. وقال في التوشيح قد يقال المكره بدهش حتى عن الإيماء بالطرف. ويعذر أيضا في التأخير من جهل وجوب الصلاة من غير تفريط في التعلم، كمن بدار الحرب وتعذرت هجرته، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوها كما استدركه في التصحيح ومن خاف فوت الوقوف بعرفة كما صححه في الروضة، ومن اشتغل بإنقاذ غريق أو دفع صائل أو صلاة على ميت خيف انفجاره كما ذكر بعضهم (ومن امتنع من فعلها جاحدا لوجوبها) وليس ممن يخفى عليه ذلك لتقدم إسلامه ومخالطته المسلمين (كفر) لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة (وقتل بكفره) لارتداده بخلاف من يخفى عليه لقرب عهده بالإسلام أو نشأته ببادية بعيدة (ومن امتنع) من فعلها (غير جاحد) لوجوبها بل كسلا (حتى خرج الوقت قتل) حدا لا كفرا بصلاة واحدة (في ظاهر المذهب) بشرط إخراجها عن وقت الجمع إن كانت تجمع بما بعدها، فيقتل بالصبح بعد الشمس، وبالظهر كالعصر بعد الغروب، وبالمغرب كالعشاء بعد الفجر (وقيل: يقتل بترك الصلاة الرابعة) إلى أن يضيق وقتها لإشعاره حينئذ بالتهاون بخلاف ما دونها لجواز أن يكون معذورا. (وقيل: يقتل بترك الصلاة الثانية إلى أن يضيق وقتها) بخلاف الواحدة لشبهة جواز الجمع. وقيل إنما يقتل إذا ترك قدرا يظهر لنا منه اعتياده للترك، والأصل في ذلك حديث الشيخين «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم» الموافق لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا﴾ أي من الشرك ﴿وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ المفهم عدم العصمة والتخلية عن فقد بعض الغاية والشرط.
(ويستتاب كما يستتاب المرتد) لأنه ليس بأسوأ منه بأن يقال له: صل وإلا قتلناك، وذلك في الحال. وفي قول: يمهل إلى ثلاثة أيام. وظاهر التشبيه وجوب الاستتابة وهو وجه صححه النسائي والمصحح في التحقيق استحبابها والفرق أن ترك استتابة المرتد يؤدي إلى خلوده في النار بخلافة (ثم يقتل) بأن يضرب عنقه بالسيف إن لم يتب (ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين) ولا يطمس قبره، وقيل: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين بل في مقبرة منفردة بتاركي الصلاة تعرف بهم، وإن دفن في مقابر المسلمين طمس قبره حتى ينسى ولا يذكر.
تتمة: تارك الصلاة يقتل على الصحيح في الروضة، وتارك صلاة الجمعة يقتل، فإن قال أصليها ظهرا ولا عذر له فقال الغزالي: لا يقتل لأن لها بدلا وتسقط بأعذار كثيرة وأقره الرافعي، ومشى عليه في الحاوي الصغير، واستدركه في الروضة بأن الشاشي جزم بأنه يقتل واختاره ابن الصلاح وقواه في التحقيق.