تفسير قوله تعالى ﴿من روحنا﴾ وقوله تعالى ﴿من روحى﴾
(ليعلم أن الله تعالى خالق الروح والجسد فليس روحا ولا جسدا) ولا يجوز عقلا أن يكون الله روحا لأن الروح حادث (ومع ذلك أضاف الله تعالى روح عيسى صلى الله عليه وسلم إلى نفسه على معنى الملك والتشريف لا للجزئية فى قوله تعالى ﴿من روحنا﴾ وكذلك فى حق ءادم قوله تعالى ﴿من روحى﴾) فإن قيل كل الأرواح ملك لله وخلق له فما فائدة الإضافة قيل فائدة الإضافة الدلالة على شرفهما عند الله. الشىء يضاف إلى الله إما بمعنى أنه خلق له هو خلقه وكونه ويضاف إلى الله على أنه صفته فإذا قلنا قدرة الله علم الله هذه الإضافة إضافة الصفة إلى الموصوف أما إذا قلنا ناقة الله بيت الله هذه إضافة الملك والتشريف فالكعبة نسميها بيت الله وكل مسجد كذلك (فمعنى قوله تعالى ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ فى مريم الروح التى هى ملك لنا ومشرفة عندنا لأن الأرواح قسمان أرواح مشرفة وأرواح خبيثة وأرواح الأنبياء من القسم الأول فإضافة روح عيسى وروح ءادم إلى نفسه) ليس على معنى الجزئية بل (إضافة ملك وتشريف) حتى نعرف أن الله أعطى عيسى وءادم منزلة عنده (ويكفر من يعتقد أن الله تعالى روح فالروح مخلوقة تنزه الله عن ذلك. وكذلك قوله تعالى فى الكعبة ﴿بيتى﴾ فهى إضافة ملك للتشريف) ليفهمنا أن للكعبة عنده مقاما عاليا وأنها مشرفة عنده (لا إضافة صفة أو ملابسة لاستحالة الملامسة أو المماسة بين الله والكعبة) والملابسة هى علاقة بين شيئين بمعنى الاتصال ونحوه، إذا كان شىء متصلا بشىء قد يضاف إليه من أجل هذه العلاقة، إذا أريد الإخبار عن سكن زيد وإقامته بأرض فقيل فلان بلده البصرة فالملابسة بين زيد والبصرة هى السكن والإقامة فإضافة البيت إلى الله ليست من هذا القبيل (وكذلك قول الله تعالى ﴿رب العرش﴾ ليس إلا للدلالة على أن الله خالق العرش الذى هو أعظم المخلوقات ليس لأن العرش له ملابسة لله بالجلوس عليه أو بمحاذاته من غير جلوس ليس المعنى أن الله جالس على عرشه باتصال وليس المعنى أن الله محاذ للعرش بوجود فراغ بين الله وبين العرش إن قدر ذلك الفراغ واسعا أو قصيرا كل ذلك مستحيل على الله وإنما مزية العرش أنه كعبة الملائكة الحافين من حوله كما أن الكعبة شرفت بطواف المؤمنين بها. ومن خواص العرش أنه لم يعص الله تعالى فيه لأن من حوله كلهم عباد مكرمون لا يعصون الله طرفة عين، ومن اعتقد أن الله خلق العرش ليجلس عليه فقد شبه الله بالملوك الذين يعملون الأسرة الكبار ليجلسوا عليها ومن اعتقد هذا لم يعرف الله) كذلك إضافة صورة ءادم إلى الله ليست من باب الجزئية فمن اعتقد أن الله روح فاقتطع من ذاته الذى هو روح قطعة فجعلها ءادم فكأنه قال إن الله ولد ءادم ومن قال إن معنى خلق الله ءادم على صورته أى صورة تشبه الله فقد كفر أيضا فلم يبق تفسير صحيح للحديث إلا أن يقال إضافة الملك إلى مالكه بمعنى التشريف أو أن يقال على ما هو الغالب عند السلف خلق الله ءادم على صورته بلا كيف (ويكفر من يعتقد المماسة لاستحالتها فى حق الله تعالى) لأن ذلك يؤدى إلى جعل ذات الله مقدرا محدودا متناهيا.