(والمتشابه هو ما لم تتضح دلالته) أى الذى دلالته على المراد غير واضحة (أو) كان (يحتمل) بحسب وضع اللغة العربية (أوجها عديدة واحتاج) لمعرفة المعنى المراد منه (إلى) نظر أهل (النظر) والفهم الذين لهم دراية بالنصوص ومعانيها ولهم دراية بلغة العرب (لحمله على الوجه المطابق كقوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾) وليس المراد به أنه جالس على العرش ولا أنه مستقر عليه ولا أن الله بإزاء العرش بل كل هذا لا يليق بالله، نعتقد أن الله استوى استواء على العرش يليق به ولا نعتقد بشىء من هذه الأشياء الجلوس والاستقرار والمحاذاة (وقوله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾) وهذا من المتشابه الذى يعلم معناه الراسخون (أى أن الكلم الطيب كلا إله إلا الله يصعد إلى محل كرامته) أى المكان الذى هو مشرف عند الله (وهو السماء) لأنها مسكن الملائكة (والعمل الصالح) الذى يشمل كل عمل صالح يتقرب به إلى الله كنحو الصلاة والصدقة وصلة الرحم (يرفعه أى الكلم الطيب) كلا إله إلا الله وهو كناية عن التوحيد (يرفع العمل الصالح) والمعنى أن كل ذلك يصعد إلى الله أى يتقبله (وهذا) التفسير (منطبق ومنسجم مع الآية المحكمة ﴿ليس كمثله شىء﴾) وليس فيه أن الله له حيز يتحيز فيه ويسكنه (فتفسير الآيات المتشابهة يجب أن يرد إلى الآيات المحكمة) والمعنى أن من أراد أن يفسر المتشابه يجب أن يكون موافقا للآيات المحكمات و(هذا فى المتشابه الذى يجوز للعلماء أن يعلموه) كتفسير الاستواء بالقهر فإنه موافق للمحكمات كذلك تفسير ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ بمحل كرامته وهى السماء موافق للمحكمات (وأما المتشابه الذى أريد بقوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ على قراءة الوقف على لفظ الجلالة فهو ما كان مثل وجبة القيامة) أى الوقت المحدد الذى تقع فيه القيامة (وخروح الدجال على التحديد) فلا يعلمهما على التحديد إلا الله لا يعلمهما أحد من الخلق لا الراسخون فى العلم ولا غيرهم بدليل قول الرسول لجبريل حين سأله عن الساعة أى القيامة »ما المسئول عنها بأعلم من السائل« وهو جزء من الحديث الذى أخرجه البخارى ومسلم وابن حبان، فإذا كان جبريل وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلمان ذلك فغيرهما أولى بأن لا يعلم (فليس) هذا (من قبيل ءاية الاستواء) ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فإن ذلك يعلمه الله ويعلمه بعض عباد الله لكن لا يقطع بأن مراد الله بالاستواء على العرش القهر إنما يظن ظنا راجحا. ويحسن أن يقال قراءة الوقف على لفظ الجلالة تحمل على المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله وقراءة الوصل تحمل على القسم الذى يطلع الله بعض عباده على تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فلا تناقض بين القراءتين (وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم »اعملوا بمحكمه) أى القرءان (وءامنوا بمتشابهه«) رواه ابن حبان، أى من غير أن تتوهموا أن معانيها من معانى الأجسام وهو معنى قول العلماء عن الآيات المتشابهة »أمروها كما جاءت بلا كيف« رواه البيهقى فى الأسماء والصفات، وحديث ابن حبان (ضعيف ضعفا خفيفا. وقد بين أبو نصر القشيرى رحمه الله الشناعة التى تلزم نفاة التأويل وأبو نصر القشيرى هو الذى وصفه الحافظ عبد الرزاق الطبسى بإمام الأئمة كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر فى كتابه تبيين كذب المفترى. قال المحدث اللغوى الفقيه الحنفى مرتضى الزبيدى فى شرحه المسمى إتحاف السادة المتقين نقلا عن كتاب التذكرة الشرقية لأبى نصر القشيرى ما نصه وأما قول الله عز وجل ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾) أى أن المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله (إنما يريد به وقت قيام الساعة فإن المشركين سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة أيان مرساها ومتى وقوعها فالمتشابه) أى هنا (إشارة إلى علم الغيب فليس يعلم عواقب الأمور إلا الله عز وجل ولهذا قال ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله﴾ أى هل ينظرون إلا قيام الساعة، وكيف يسوغ لقائل أن يقول فى كتاب الله تعالى ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته) أى لا يليق أن يقول قائل فى القرءان يوجد ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته (ولا يعلم تأويله إلا الله أليس هذا من أعظم القدح) أى الجرح (فى) أمور (النبوات و)فيه ما يتضمن (أن النبى ما عرف تأويل ما ورد فى صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم) أى أنه هو نفسه لا يعرف ودعا الناس إلى علم ما لا يعلم ثم (أليس الله يقول ﴿بلسان عربى مبين﴾ فإذا على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال ﴿بلسان عربى مبين﴾ إذ لم يكن معلوما عندهم وإلا فأين هذا البيان) معناه أن العرب الذين جاءهم ليدعوهم إلى الإيمان بالقرءان سيقولون كيف يقول أنزل على بلسان عربى مبين أى ظاهر ثم نحن لا نعرف كيف صار إذا مبينا إن كان لا يعلم تأويل هذه الكلمات (وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعى أنه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشىء عربيا فما قول فى مقال مآله إلى تكذيب الرب سبحانه) معناه هذا يؤدى إلى تكذيب الله فى كلامه (ثم كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى فلو كان فى كلامه وفيما يلقيه إلى أمته شىء لا يعلم تأويله إلا الله تعالى لكان للقوم أن يقولوا بين لنا أولا من تدعونا إليه وما الذى تقول فإن الإيمان بما لا يعلم أصله غير متأت) أى لا يمكن، هذا معناه أن العرب الذين أرسل إليهم كانوا قالوا له هذا لا يمكن (ونسبة النبى صلى الله عليه وسلم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل أمر عظيم لا يتخيله مسلم) أى لا يعقل أن يدعو الرسول إلى الإيمان برب لا تعقل صفاته (فإن الجهل بالصفات يؤدى إلى الجهل بالموصوف) أي لو كان الله لا تعلم صفاته معناه أن الذات أيضا غير معلوم (والغرض أن يستبين من معه مسكة) أى شىء (من العقل أن قول من يقول »استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها) معناه استواء الله على العرش ليس شيئا معلوما على هذا الرأى الفاسد والقرءان مذكور فيه أنه بلسان عربى مبين وهذا لا يتفق مع هذا (و)إذا قال قائل (اليد صفة ذاتية لا يعقل معناها والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها« تمويه) أى يكون هذا تمويها (ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل وقد وضح الحق لذى عينين وليت شعرى هذا الذى ينكر التأويل يطرد) أى يجرى (هذا الإنكار فى كل شىء وفى كل ءاية أم يقنع بترك التأويل فى صفات الله تعالى) معناه هذا الذى ينكر التأويل هل يعمم هذا الإنكار فى كل شىء وفى كل ءاية أم فى صفات الله فقط يمنع وينفى (فإن امتنع من التأويل أصلا) أى مطلقا فى الصفات وفى غير الصفات (فقد أبطل الشريعة والعلوم) لأنه لا بد من التأويل كما فى قوله تعالى عن الريح ﴿تدمر كل شىء بأمر ربها﴾ فهل تلك الريح دمرت السموات والأرض هل دمرت الجنة وجهنم إنما دمرت الأشياء التى هى عادة يعيشون فيها (إذ ما من ءاية) من الآيات التى اختلف فيها من حيث التأويل وتركه (وخبر إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرف فى الكلام) إلا المحكم نحو قوله تعالى ﴿وهو بكل شىء عليم﴾ مما ورد فى صفات الله وقوله ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ مما ورد فى الأحكام (لأن ثم أشياء لا بد من تأويلها) ولا يجوز حملها على الظاهر (لا خلاف بين العقلاء فيه إلا الملحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع والاعتقاد لهذا يؤدى إلى إبطال ما هو عليه من التمسك بالشرع) أى الذى يدعى التمسك بالشرع وينفى التأويل يناقض نفسه لأن قوله بنفى التأويل ينقض قوله بالتمسك بالشريعة (وإن قال يجوز التأويل على الجملة) أى المواضع التى يحتاج إلى تأويلها (إلا فيما يتعلق بالله وبصفاته فلا تأويل فيه، فهذا مصير منه إلى أن ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يعلم وما يتعلق بالصانع) أى الخالق (وصفاته يجب التقاصى) أى البعد (عنه وهذا لا يرضى به مسلم. وسر الأمر أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون) أى يموهون على الناس (ويقولون) باللسان (له يد لا كالأيدى وقدم لا كالأقدام) وفى الاعتقاد يعتقدون الجارحة (و)يقولون باللفظ استواء الله (استواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا) وفى الاعتقاد يعتقدون الجسم الذى تعرفه النفوس (فليقل المحقق) يعنى أهل الحق أهل الفهم (هذا كلام) فيه إشكال و(لا بد من استبيان قولكم نجرى الأمر على الظاهر ولا يعقل معناه تناقض، إن أجريت) أى حملت الآية (على الظاهر فظاهر السياق) وكذا فى الأصل ولعل الصواب الساق (فى قوله تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب والمخ) فقد أثبت لله هذا العضو الذى نعرفه من أنفسنا، والمخ هو السائل الذى فى داخل العظم. ومعنى قوله تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ أى يكشف يوم القيامة عن شدة شديدة وهول شديد أى عن أمر شديد بالغ فى الصعوبة أما المشبهة يقولون ﴿عن ساق﴾ أى الله تعالى يكشف عن ساقه (فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالإقرار بهذه الأعضاء فهو الكفر) لأن الذى يعتقد فى الله الجسم كافر (وإن لم يمكنك الأخذ بها) أى إن كنت لا تقول ذلك (فأين الأخذ بالظاهر. ألست قد تركت الظاهر وعلمت تقدس الرب تعالى عما يوهم الظاهر فكيف يكون أخذا بالظاهر وإن قال الخصم هذه الظواهر لا معنى لها أصلا فهو حكم بأنها ملغاة) أى لغو (و)ذلك معناه حكم بأنه (ما كان فى إبلاغها إلينا فائدة وهى هدر) أى لا قيمة ولا اعتبار لها (وهذا محال) لأن القرءان لا يكون لغوا (وفى لغة العرب ما شئت من التجوز) أى ارتكاب المجاز (والتوسع فى الخطاب وكانوا يعرفون موارد الكلام ويفهمون المقاصد فمن تجافى عن التأويل فذلك لقلة فهمه بالعربية) أى من ترك التأويل التفصيلى والإجمالى وتمسك بالظاهر هلك وخرج عن عقيدة المسلمين أما الذى لا يحمل هذه الآيات على الظواهر بل يقول لها معان لا أعلمها تليق بالله غير هذه الظواهر مثلا استواء الله على العرش له معنى غير الجلوس وغير الاستقرار غير استواء المخلوقين لكن لا أعلمه فهذا سلم وكذلك الذى يقول استواء الله على العرش قهره للعرش فذاك تأويل إجمالى وهذا تأويل تفصيلى (ومن أحاط بطرق من العربية) أى وسعت معرفته بالعربية الأصلية التى نزل بها القرءان فإنه يفهم المعنى المجازى والمعنى الحقيقى. فمن عرف تمام لغة العرب يفهم أنه لا تحمل الآيات المتشابهة على الظاهر و(هان عليه مدرك الحقائق) أى هان عليه أن يعرف من أين تعرف الحقائق (وقد قيل ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم﴾) على قراءة ترك الوقف على لفظ الجلالة (فكأنه قال والراسخون) أى المتمكنون (فى العلم أيضا يعلمونه) أى يعلمون معنى المتشابه الذى ليس علمه خاصا بالله (ويقولون ءامنا به) ﴿كل من عند ربنا﴾ أى المحكمات من عند الله والمتشابهات من عند الله. (فإن الإيمان بالشىء إنما يتصور بعد العلم أما ما لا يعلم فالإيمان به غير متأت) أى غير ممكن. فلو قيل الخلق لا يعلمون ما معنى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ وما أشبه ذلك لا يعلمه إلا الله هذا معناه أن القرءان نزل بما لا يعلمه الذين أرسل الله النبى إليهم فيكون معنى ذلك أن الله أرسل إليهم النبى بما لا سبيل إلى علمه وهذا لا يليق بل يكفر قائل مثل هذا الكلام لأن الحجة تقوم عليهم إذا بلغهم الرسول ما يمكن أن يعلموه (ولهذا قال ابن عباس »أنا من الراسخين فى العلم« انتهى كلام الحافظ الزبيدى مما نقله عن أبى نصر القشيرى رحمه الله. فهنا مسلكان كل منهما صحيح الأول مسلك السلف وهم أهل القرون الثلاثة الأولى) قرن الصحابة وهو قرن الرسول وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين (أى أكثرهم فإنهم يؤولونها) أى الآيات المتشابهة (تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أنها ليست من صفات الجسم بل أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته بلا تعيين) أى بلا تعيين معنى معين لها مع نفى تشبيه الله بخلقه كآية ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ و﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ وحديث النزول بأن يقولوا بلا كيف أو على ما يليق بالله أى من غير أن يكون بهيئة من غير أن يكون كالجلوس والاستقرار والجوارح والطول والعرض والعمق والمساحة والحركة والسكون والانفعال مما هو صفة حادثة (بل ردوا تلك الآيات إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وهو كما قال الإمام الشافعى رضى الله عنه »ءامنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله« يعنى رضى الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعانى الحسية الجسمية التى لا تجوز فى حق الله تعالى) وكلام الشافعى يؤيد ما ذهب إليه أغلب السلف يعنى لا تحمل هذه الآيات والأحاديث على المعنى الذى يؤدى إلى تجسيم الله بل نقول إن الله أراد بذلك من المعانى ما أراد (ثم نفى التأويل التفصيلى عن السلف كما زعم بعض مردود بما فى صحيح البخارى فى كتاب تفسير القرءان وعبارته هناك »سورة القصص ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾ إلا ملكه ويقال ما يتقرب به إليه« اهـ) والبخارى من السلف وقد فسر قول الله ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾ فقال »إلا ملكه« أى إلا سلطانه (فملك الله صفة من صفاته الأزلية) الأبدية لا يفنى (ليس كالملك الذى يعطيه للمخلوقين) فملك الملوك الكفار كنمرود وفرعون الذين أعطاهم الله تبارك وتعالى هذا الملك الذى هو غير أبدى يفنى وملك أحباب الله كسليمان وذى القرنين يفنى أما ملك الله صفة من صفاته فالعالم يهلك الله تعالى له على العالم سلطان وسلطان الله لا يهلك. ومعنى ما يتقرب به إليه أى الأعمال الصالحة فإنها تبقى قال تعالى ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك﴾. وليعلم أن هذا التأويل قال به قبل البخارى سفيان الثورى فى تفسيره (وفيه) أى فى صحيح البخارى (غير هذا الموضع كتأويل الضحك الوارد) فى حق الله (فى الحديث بالرحمة) قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى ما نصه »قال أى الخطابى وقد تأول البخارى الضحك فى موضع ءاخر على معنى الرحمة وهو قريب وتأويله على معنى الرضا أقرب «اهـ (وصح أيضا التأويل التفصيلى عن الإمام أحمد وهو من السلف فقد ثبت عنه أنه قال فى قوله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ إنما جاءت قدرته) أى الأمور العظيمة التى خلقها الله تعالى ليوم القيامة هذه الأمور هى أثر القدرة، بقدرة الله تأتى حين يحضر الملك أى الملائكة صفوفا لعظم ذلك اليوم حتى يحيطوا بالإنس والجن ولا أحد يستطيع أن يخرج من هذا المكان إلا بسلطان أى بإذن من الله وحجة فمن أذن الله له يستطيع أن يفارق هذا المكان. ذلك اليوم تظهر أمور عظيمة جهنم التى مسافتها بعيدة تحت الأرض السابعة ذلك اليوم سبعون ألفا من الملائكة يجرون عنقا منها أى جزءا كبيرا من جهنم حتى يراه الكفار فيفزعوا وهم فى الموقف ينظرون إليه ثم يرد إلى مكانه هذا شىء واحد من كثير من أهوال القيامة، وتأويل الإمام أحمد للآية (صحح سنده الحافظ البيهقى الذى قال فيه الحافظ صلاح الدين العلائى لم يأت بعد البيهقى والدارقطنى مثلهما ولا من يقاربهما) أى فى علم الحديث، والبيهقى رحمه الله توفى فى منتصف القرن الخامس الهجرى تقريبا وكان معروفا بجلالته فى علم الحديث ورسوخ قدمه فى معرفة الأحكام الشرعية والزهد والورع كان محدث عصره (أما قول البيهقى ذلك ففى كتاب مناقب أحمد وأما قول الحافظ أبى سعيد العلائى فى البيهقى والدارقطنى فذلك فى كتابه الوشي المعلم وأما الحافظ أبو سعيد فهو الذى يقول فيه الحافظ ابن حجر »شيخ مشايخنا« [وكان من أهل القرن الثامن الهجرى]. وهناك خلق كثير من العلماء ذكروا فى تآليفهم أن أحمد أول منهم الحافظ عبد الرحمٰن بن الجوزى الذى) توفى فى أواخر القرن السادس و(هو أحد أساطين) أى أعمدة (المذهب الحنبلى لكثرة اطلاعه على نصوص المذهب وأحوال أحمد). وبعد أن أنهى المصنف الكلام عن مسلك السلف قال (الثانى مسلك الخلف وهم يؤولونها) أى الآيات المتشابهة (تفصيلا بتعيين معان لها مما تقتضيه لغة العرب ولا يحملونها على ظواهرها أيضا كالسلف ولا بأس بسلوكه ولا سيما عند الخوف من تزلزل العقيدة حفظا من التشبيه) فالسلف والخلف متفقان على عدم الحمل على الظاهر لكن أولئك لم يعينوا إنما قالوا بلا كيف وهؤلاء عينوا معنى (مثل قوله تعالى فى توبيخ إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى﴾ فيجوز أن يقال المراد باليدين العناية والحفظ) وهذا تأويل تفصيلى ذهب إليه بعض الخلف فدل قوله تعالى ﴿بيدى﴾ على أن ءادم خلق مشرفا مكرما بخلاف إبليس ولا يجوز أن نحمل كلمة بيدى على معنى الجارحة، لو كانت له جارحة لكان مثلنا ولو كان مثلنا لما استطاع أن يخلقنا لذلك نقول كما قال بعض الخلف أى خلقته بعنايتى بحفظى معناه على وجه الإكرام والتعظيم له أى على وجه الخصوصية خلق ءادم أى أراد له المقام العالى والخير العظيم. أما إبليس ما خلقه بعنايته لأن الله عالم فى الأزل أنه خبيث هذا الفرق بين إبليس وءادم.