الجمعة يناير 23, 2026

الاستعاذة برسول الله ليس شركا

وأخرج أحمد في المسند [1] بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر [2] أن الحارث بن حسان البكري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد”. ولفظ الحديث كما في مسند أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب قال حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال ثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري [3] قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس، قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال: رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شئ؟، قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت قالت: يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: قلت إنما مثلي ما قال الأول: معزاه حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: “هيه وما وافد عاد”؟ -وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه- قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل: فمر معاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد” اهـ.

فماذا يقول هؤلاء الجاعلون التوسل بالنبي شركا في إيراد أحمد بن حنبل لهذا الحديث أيجعلونه مقررا للشرك أم ماذا يقولون؟

ووجه الدليل في هذا الحديث أن الرسول لم يقل للحارث أشركت لقولك “ورسوله” حيث استعذت بي وقد جمع الحارث الاستعاذة بالرسول مع الاستعاذة بالله وذلك لأن الله هو المستعاذ به على الحقيقة وأما الرسول فمستعاذ به على معنى أنه سبب، فتبين للحارث أن حاجتها مثل حاجته، هو جاء ليطلب من الرسول أرضا من الأراضي وهي نفس الشئ كان في قلبها أن تطلب من الرسول، فلما أوصلها إلى الرسول فإذا بها تذكر للرسول ما عندها ما كان في ضميرها أي في قلبها، فقال الصحابي: أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، يعني أعوذ بالله أن أكون خائبا في أملي الذي أملته، معناه هذه المرأة تريد أن تسبقني إلى ما هو حاجتي.

فإن قال قائل: هذا استعاذة بالرسول في حياته في حضرته ونحن لا ننكر هذا إنما ننكر الاستعاذة به بعد موته؟ قلنا: الاستعاذة معنى واحد إن كان طلبها من حي حاضر أو غائب فكيف يكون طلبها من الحاضر جائزا ومن الغائب شركا هذا غير معقول، فإن المؤمن إن استعاذ بحي أو ميت فإنه يرى المستعاذ به سببا أي أنه ينفع المستعيذ به إن شاء الله أي إن كتب الله أنه ينفعه، وهذا المعنى لا فرق به بين أن يكون المستعاذ به حيا حاضرا أو ميتا غائبا، فلا الحي الحاضر المستعاذ به خالقا للإعاذة ولا الميت قال الله تعالى: {هل من خالق غير الله}، وأين معنى عبادة غير الله في هذا أليس معنى العبادة لغة وشرعا نهاية التذلل يا مكفرين لأمة الهدى بلا سبب؟!! افهموا معنى العبادة ثم تكلموا.

الهوامش:

[1] مسند أحمد [3/481-482].

[2] فتح الباري [8/579].

[3] الحارث بن حسان البكري ويسمى الحارث بن يزيد البكري كما في الإصابة للحافظ ابن حجر العسقلاني.