الخميس يناير 29, 2026

بيان أن مجرد التوسل والاستغاثة والنداء ليس شركا

فالتوسل بالأنبياء والأولياء جائز في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم، ومناداتهم جائزة في حال غيبتهم وفي حال حضرتهم كما دل على ذلك الأدلة الشرعية.

كما وأن التوسل والتوجه والاستغاثة بمعنى واحد، كذلك قال الحافظ الفقيه النحوي اللغوي [1] تقي الدين السبكي، ويدل لذلك ما جاء في حديث الشفاعة في بعض ألفاظه: “أنه تدنو الشمس من رءوس الناس يوم القيامة، فبينما هم كذلك إذ استغاثوا بآدم فقالوا: يا ءادم أنت أبو البشر اشفع لنا إلى ربنا” [2]. ففي ذلك إثبات استشفاعهم أي طلبهم من ءادم أن يشفع لهم إلى الله تعالى استغاثة.

والدليل على جواز الاستغاثة بغير الله ما أخرجه البزار [3] من حديث عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله ملائكة سياحين في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله”. قال الحافظ الهيثمي [4]: “رواه الطبراني ورجاله ثقات”، وحسنه الحافظ ابن حجر في أماليه مرفوعا –أي أنه من قول الرسول- وأخرجه الحافظ البيهقي [5] موقوفا على ابن عباس بلفظ: “إن لله عز وجل ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى”. والرواية الأولى تقوي ما ورد بمعناها من بعض الروايات التي في إسنادها ضعف، وقد تقرر عند علماء الحديث أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال والدعوات والتفسير، كما ذكر الحافظ البيهقي في المدخل.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه [6] في كتاب الدعاء “ما يقول الرجل إذا ندت له دابته أو بعيره في سفر، حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا نفرت دابة أحدكم أو بعيره بفلاة من الأرض لا يرى بها أحدا فليقل: أعينوني عباد الله فإنه سيعان”.

هذا الحديث فيه دلالة واضحة على جواز الاستغاثة بغير الله لأن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول إذا أصاب أحدنا مشكلة في فلاة من الأرض أي برية “يا عباد الله أعينوا” فإن هذا ينفعه.

الله تعالى يسمع هؤلاء الملائكة الذين وكلوا بأن يكتبوا ما يسقط من ورق الشجر في البرية نداء هذا الشخص لو كان على مسافة بعيدة منهم. الملك الحي الحاضر إذا استغيث به: يا ملكنا ظلمني فلان أنقذني، يا ملكنا أصابني مجاعة فأنقذني، هذا الملك لا يغيث إلا بإذن الله، كذلك هؤلاء الملائكة لا يغيثون إلا بإذن الله، كذلك الأولياء والأنبياء إذا إنسان استغاث بهم بعد وفاتهم يغيثونه بإذن الله، فإذا هؤلاء سبب، وكلا الأمرين جائز.

أما ابن تيمية فيقول: قول أغثني يا رسول الله شرك إن كان في غيابه أو بعد وفاته، عنده لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، يقول ابن تيمية والوهابية لم تستغيث بغير الله تعالى، الله تعالى لا يحتاج إلى واسطة، فيقال في الرد عليهم: كذلك الملك، الله تعالى لا يحتاج إليه ليغيثك وكذلك الملائكة الله لا يحتاج إليهم ليغيثوك، فما أبعد ابن تيمية وأتباعه عن الحق حيث إنهم وضعوا شروطا لصحة الاستغاثة والاستعانة بغير الله ليست في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. هذا والعجب من ابن تيمية ثبت عنه أمران متناقضان وهو أن القول المشهور عنه المذكور في أكثر كتبه تحريم الاستغاثة بغير الحي الحاضر، صرح في كتابه الكلم الطيب باستحسان أن يقول من أصابه خدر في رجله “يا محمد”، وكتابه هذا الكلم الطيب ثابت أنه من تأليفه فيما أثبته في هذا الكتاب هو موافق لعمل المسلمين السلف والخلف، وأما مشبهة العصر الوهابية الذين هم أتباع ابن تيمية مجمعون على أن قول يا محمد شرك وكفر.

ثم الرسول سمى المطر مغيثا، فقد روى أبو داود [7] وغيره بالإسناد الصحيح أن الرسول قال: “اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير ءاجل”، فالرسول سمى المطر مغيثا لأنه ينقذ من الشدة بإذن الله، كذلك النبي والولي ينقذان من الشدة بإذن الله تعالى.

الهوامش:

[1] كما وصفه بذلك الحافظ السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ [ص/352]: “الإمام الفقيه المحدث الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الأديب المجتهد..” اهـ.

[2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.

[3] كشف الأستار عن زوائد البزار [4/34].

[4] مجمع الزوائد [10/132].

[5] شعب الإيمان [1/445].

[6] مصنف ابن أبي شيبة [7/103].

[7] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء.