ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم الإسراء والمعراج
(الإسراء ثبت بنص القرءان والحديث الصحيح) الذى أخرجه ابن حبان فى صحيحه وقد قال العلماء إن من أنكر الإسراء فقد كذب القرءان ومن كذب القرءان فقد كفر (فيجب الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم أسرى الله به ليلا من مكة إلى المسجد الأقصى) وأجمع أهل الحق من السلف والخلف ومحدثين ومتكلمين ومفسرين وعلماء وفقهاء على أن الإسراء كان بالجسد والروح وفى اليقظة وهذا هو الحق وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وعمر وحذيفة وغيرهم (وأما المعراج فقد ثبت بنص الأحاديث وأما القرءان فلم ينص عليه نصا صريحا لا يحتمل تأويلا لكنه ورد فيه ما يكاد يكون نصا صريحا) أى ورد فى القرءان ما يدل على المعراج لكنه ليس نصا صريحا كقوله تعالى ﴿ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ فمن فهم أن سدرة المنتهى فى السماء وأن النبـى صلى الله عليه وسلم كان عندها يقظة ومع ذلك أنكر المعراج كفر وأما إذا كان لا يعرف ولم يفهم ذلك من القرءان ولا اعتقد أن المسلمين هذا اعتقادهم فلا يكفر (فالإسراء قد جاء فيه قوله تعالى ﴿سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من ءاياتنا﴾) والسبح فى اللغة التباعد ومعنى سبح الله تعالى أى بعده ونزهه عما لا يليق به من شبه المخلوقات وصفاتهم. وقوله ﴿بعبده﴾ أى بمحمد، قيل لما وصل محمد عليه الصلاة والسلام إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة فى المعراج أوحى الله سبحانه إليه يا محمد بماذا أشرفك قال بأن تنسبنى إلى نفسك بالعبودية فأنزل الله قوله ﴿سبحان الذى أسرى بعبده﴾ معناه أن هذه النسبة نسبة النبى إلى ربه بوصف العبودية غاية الشرف للرسول لأن عباد الله كثير فلم خصه فى هذه الآية بالذكر ذلك لتخصيصه بالشرف الأعظم. وأراد بقوله ﴿ليلا﴾ بلفظ التأكيد تقليل مدة الإسراء فإنه أسرى به فى بعض الليل من مكة إلى الشام. وأما المسجد الحرام فهو هذا الذى بمكة فقد سمى بذلك لحرمته أى لشرفه على سائر المساجد لأنه خص بأحكام ليست لغيره ومضاعفة الأجر فيه أكثر مما فى غيره إلى أضعاف كثيرة جدا. وأما المسجد الأقصى فقد سمى بذلك لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام. وأما قوله تعالى ﴿الذى باركنا حوله﴾ قيل لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وأما قوله تعالى ﴿لنريه من ءاياتنا﴾ أى ما رأى تلك الليلة من العجائب والآيات التى تدل على قدرة الله (أما المعراج فقد ورد فيه قوله تعالى ﴿ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ فإن قيل قوله ﴿ولقد رءاه نزلة أخرى﴾ يحتمل أن يكون رؤية منامية قلنا هذا تأويل ولا يسوغ) أى لا يجوز (تأويل النص أى إخراجه عن ظاهره لغير دليل عقلى قاطع أو سمعى ثابت كما قاله الرازي فى المحصول وغيره من الأصوليين وليس هنا دليل على ذلك) والسمعى ما كان قرءانا أو حديثا لأن طريقه السمع أما الدليل العقلى فيكون بالنظر الصحيح بالعقل (وقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال »أتيت بالبراق وهو دابة) من دواب الجنة (أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) أى حيث يصل نظره يضع رجله كل خطوة من خطواته تسع إلى مد البصر (قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءنى جبريل عليه السلام بإناء من خمر) أى من خمر الجنة اللذيذ الذى لا يسكر ولا يصدع الرأس (وإناء من لبن) أى حليب (فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة) أى تمسكت بالدين (قال ثم عرج بنا إلى السماء« إلى ءاخر الحديث. وفى الحديث دليل على أن الإسراء والمعراج كانا فى ليلة واحدة بروحه وجسده يقظة إذ لم يقل أحد إنه وصل إلى بيت المقدس ثم نام. أما رؤية النبى لربه ليلة المعراج فقد روى الطبرانى فى المعجم الأوسط بإسناد قوى كما قال الحافظ ابن حجر) فى فتح البارى (عن ابن عباس رضى الله عنهما »رأى محمد ربه مرتين« وروى ابن خزيمة بإسناد قوى »رأى محمد ربه« والمراد أنه رءاه بقلبه بدليل حديث مسلم من طريق أبى العالية عن ابن عباس فى قوله تعالى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رءاه نزلة أخرى﴾ قال »رأى ربه بفؤاده مرتين«) فالله تعالى أزال عن قلب النبى صلى الله عليه وسلم الحجاب فرأى الله تعالى بقلبه أى جعل الله له قوة الرؤية والنظر بقلبه فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره بعينه لأن الله لا يرى فى الدنيا بالعين ولو كان يراه أحد بالعين لكان رءاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا« رواه مسلم، كما يفهم ذلك أيضا من قوله تعالى لسيدنا موسى ﴿لن ترانى﴾. وقال الإمام مالك رضى الله عنه »لا يرى الباقى بالعين الفانية وإنما يرى بالعين الباقية فى الآخرة« أى بعيون أهل الجنة التى لا يلحقها الفناء لأنهم لا يموتون أبد الآبدين (تنبيه قال الغزالى فى إحياء علوم الدين »الصحيح أن النبى لم ير ربه ليلة المعراج« ومراده أنه لم يره بعينه إذ لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال رأيته بعينى ولا أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم قال رءاه بعينى رأسه) وأما قول بعض أهل السنة أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعينى رأسه فهذا قول ضعيف ومن قاله لا يبدع ولا يفسق لأنه قال به جمع من السلف الصالحين فمن قال بذلك يقال له هذا القول مرجوح والقول الراجح أنه رءاه بفؤاده أى بقلبه لا بعينيه كما ثبت ذلك عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه قال »رءاه بقلبه ولم يره بعينه« ونحن على هذا القول.