الخميس يناير 29, 2026

توحيد الله في الفعل

   التوحيد هو اعتقاد أن الله تبارك وتعالى واحد فى ذاته واحد فى صفاته واحد فى فعله ومعنى الله واحد فى ذاته أن ذاته ليس مركبا يقبل الانقسام لأنه منزه عن الحد، ومعنى توحيد الله فى صفاته أن يعتقد المرء أن صفات الله لا تشبه صفات غيره، وأما توحيده فى الأفعال فمعناه أن الله تبارك وتعالى يفعل بمعنى الإخراج من العدم إلى الوجود ولا فاعل على هذا الوجه إلا الله وقد (روى عن الجنيد إمام الصوفية العارفين عندما سئل عن التوحيد أنه قال »اليقين« ثم استفسر عن معناه فقال »إنه لا مكون لشىء من الأشياء من الأعيان والأعمال خالق لها إلا الله تعالى«) ومعنى اليقين شهود أن الله هو خالق كل شىء بالقلب فليجعل المؤمن هذا عقد قلبه وليكثر من شهود هذا المعنى حتى يكون موحدا لله تعالى توحيدا شهوديا فى جميع أفعاله وفى جميع حالاته فتهون عليه المصائب والخوف من العباد (قال تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾) ومعنى ﴿والله خلقكم﴾ أى خلق ذواتكم ﴿وما تعملون﴾ أى أعمالكم حركاتكم وسكناتكم هو خلقها ونياتنا هو خلقها (وقال الرسول صلى الله عليه وسلم »إن الله صانع كل صانع وصنعته« رواه الحاكم) فى المستدرك (والبيهقى) فى شعب الإيمان (من حديث حذيفة) والصنعة فى هذا الحديث المراد بها العمل الذى يعمله العبد حركاته وسكونه، والمعنى أن الله خالق كل عامل وعمله وفى هذا إبطال لقول المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله بقدرة خلقها الله فيه (إذ العباد لا يخلقون شيئا من أعمالهم وإنما يكتسبونها فقد قال الله تعالى ﴿الله خالق كل شىء﴾ تمدح تعالى بذلك لأنه شىء يختص به وذلك يقتضى العموم والشمول للأعيان والأعمال والحركات والسكنات) فالله تعالى خالق أجسامنا وحركاتنا وسكناتنا وغيرها من كل فعل ظاهرى وكل صفة باطنية كالتفكير والخواطر التى تخطر ببال العبد لا يستطيع أن يدفعها وكل كائن دخل فى الوجود ولو لم يكن خالق ذلك كله بل كان خالق الأجسام فقط لم يكن فى ذلك تمدح له لأنه كان معنى ذلك أن ما يخلقه العباد أكثر مما يخلقه الله (وقال تعالى ﴿قل) أى يا محمد (﴿إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ومعناه أعلم قومك بأنك لا تشرك بالله لا فى صلاتك ولا فى نسكك والنسك هو ما يذبح تقربا إلى الله من الذبيحة كالأضحية كذلك فى الحج إذا أخذ الإنسان من بلده إبلا أو بقرا أو غنما فذبحه ضمن حدود الحرم تقربا إلى الله فهذا الذبح لله أى ملك لله وخلق له ومحياى أى حياتى ومماتى ملك لله لا أشرك به فى ذلك شيئا (ساق الله الصلاة والنسك والمحيا والممات فى مساق واحد وجعلها ملكا له فكما أن الله خالق الحياة والموت) وهما من الأفعال غير الاختيارية (كذلك الله خالق للأعمال الاختيارية كالصلاة والنسك والحركات الاضطرارية من باب الأولى) وأما قوله ﴿وأنا أول المسلمين﴾ معناه أنا أول من جاء بهذا الدين دين التوحيد من بين هؤلاء البشر الذين يعيشون على وجه الأرض فى هذا الزمن لأنه لم يكن فى ذلك الوقت من البشر على وجه الأرض مسلم غيره أى أنا أول مسلمى هذه الأمة وليس معناه أنه لم يكن قبله مسلم على الإطلاق. فإذا الأعمال الاختيارية وغير الاختيارية خلق وملك لله (وإنما تمتاز الأعمال الاختيارية أى التى لنا فيها ميل بكونها مكتسبة لنا فهى محل التكليف) أى هى التى يحاسب العبد على فعلها فما كان منها خيرا يثاب عليه وما كان منها شرا يؤاخذ عليه (والكسب الذى هو فعل العبد وعليه يثاب أو يؤاخذ فى الآخرة هو توجيه العبد قصده وإرادته نحو العمل أى يصرف إليه قدرته فيخلقه الله عند ذلك) ويقال الكسب أمر دون الخلق وهو العزم المصمم على فعل الشىء (فالعبد كاسب لعمله والله تعالى خالق لعمل هذا العبد الذى هو كسب له وهو) أى الكسب على مفهوم أهل السنة والجماعة شىء غامض (من أغمض المسائل فى هذا العلم) أى علم الكلام (قال الله تعالى ﴿لها ما كسبت) أى من عمل الخير أى تنتفع بذلك (﴿وعليها ما اكتسبت) أى من المعاصى أى عليها وبال ما اكتسبته من المعاصى أى تستحق العقوبة عليه ففى هذه الآية إثبات الكسب للعبد. فكل أعمال العبد مخلوقة لله أى هو يوجدها من العدم إلى الوجود ولا يستثنى من ذلك شىء (فليس الإنسان مجبورا لأن الجبر ينافى التكليف) فلو كان مجبورا لم يكن مكلفا والمجبور هو من لا اختيار له يعنون بالمجبور أن يكون مثل الريشة المعلقة فى الهواء تأخذها الرياح يمنة ويسرة من غير اختيار لها فى ذلك فلو كان العبد مثل هذه الريشة لم يؤمر بالأوامر ولم ينه عن المناهى. والمعتزلة والجبرية طائفتان متباينتان تباينا شديدا فالجبرية تقول العبد مجبور كالريشة المعلقة فى الهواء والمعتزلة تقول العبد يخلق أعمال نفسه استقلالا بقدرة خلقها الله فيه وأهل السنة لا من هؤلاء ولا من هؤلاء بل هم وسط بين الاثنين. أهل السنة يقولون الإنسان لما يقدم على الشىء باختياره أى بميله فهو مختار ظاهرا لكن إن نظرنا إلى أن الله علم منه أنه سيفعل هذا الفعل الذى هو طاعة أو غيرها فلا بد أن يفعله لأن علم الله لا يتغير فإذا نظرنا إلى هذا المعنى نجد العباد مختارين ظاهرا مجبورين باطنا، العباد مختارون اختيارا ممزوجا بجبر فالإنسان له اختيار تابع لمشيئة الله مختار تحت مشيئة الله. ويقال العبد مختار لا مجبور فى الأعمال التكليفية (وهذا هو المذهب الحق وهو خارج عن الجبر والقدر أى مذهب الجبرية والقدرية. ويكفر من يقول إن العبد يخلق أعماله كالمعتزلة) لأنهم كذبوا القرءان كذبوا قوله تعالى ﴿قل الله خالق كل شىء﴾ وءايات كثيرة وهم يقولون الله خالق الأعيان أى الأجسام فقط والأعمال خلقها العبد وتستروا بقول »بقدرة خلقها الله فيه «ولا ينفعهم قولهم هذا وهم قائلون باستقلال العبد فى أفعاله حتى قال متأخروهم »إن الله كان قادرا على خلق حركاتنا وسكناتنا قبل أن يعطينا القدرة عليها فلما أعطانا القدرة عليها صار عاجزا عنها« ذكر هذا إمام الحرمين وأبو سعيد المتولى وأبو الحسن شيث بن إبراهيم فى كتابه الذى ألفه فى الرد على المعتزلة وسماه حز الغلاصم فى إفحام المخاصم وغيرهم، قال أبو الحسن المعتزلة جعلت الله كما يقول المثل أدخلته دارى فأخرجنى منها فهل بعد هذا تردد فى تكفيرهم والأمر (كما قال ابن عباس رضى الله عنه »كلام القدرية كفر«) أورده الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب (والقدرية هم المعتزلة قال أبو يوسف) القاضى صاحب أبى حنيفة وأكبر تلاميذه علما (»المعتزلة زنادقة«) والزنديق من لا دين له أى الملحد الذى لا يتمسك بدين فالمعتزلة مثل أولئك (ووصفهم أبو منصور التميمى فى كتابه الفرق بين الفرق بأنهم مشركون. وأبو منصور هو الذى قال فيه ابن حجر الهيتمى هذه العبارة »وقال الإمام الكبير إمام أصحابنا أبو منصور البغدادى« وهو ممن كتب عنه البيهقى فى الحديث) وليس هو فقط من كفر المعتزلة بل جمهور العلماء كفرهم وأما الذين لم يكفروهم فقليل لا يؤخذ بقولهم كصاحب كتاب الإقناع بشرح أبى شجاع. والصواب الذى لا محيد عنه ما قاله الإمام الحافظ البلقينى إن من ثبتت عنه قضية معينة تقتضى تكفيره لا تصح الصلاة خلفه قال البلقينى وهذا معنى قول الشافعى »أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية« عنى الشافعى بقوله »أهل الأهواء« من خالفوا أهل السنة فى الاعتقاد تقبل شهادة أحدهم ما لم تثبت عليه قضية معينة تقتضى كفره وغلط من عمم عدم تكفير المعتزلة وأطلقه بلا تفصيل فقالوا تصح القدوة بالمعتزلة فى الصلاة وليس هذا اعتقاد الشافعى لأنه كفر حفصا الفرد وهو معتزلى لأنه ثبتت عليه قضية معينة تقتضى كفره وذلك أنه ناظره فى قولهم القرءان مخلوق بالمعنى الذى هو معتقدهم أنه لا كلام لله إلا هذا اللفظ القرءانى الذى هو حروف (ولا تغتر بعدم تكفير بعض المتأخرين لهم، فقد نقل الأستاذ أبو منصور التميمى البغدادى فى كتابه أصول الدين وكذلك فى كتابه تفسير الأسماء والصفات تكفيرهم عن الأئمة. قال فى كتابه تفسير الأسماء والصفات »أصحابنا أجمعوا على تكفير المعتزلة« أى الذين يقولون العبد يخلق أفعاله الاختيارية وكذلك الذين يقولون فرض على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد) ومنهم من لا يقول بأن العبد يخلق أفعال نفسه وإنما يشاركون المعتزلة باعتقادات أخرى كالقول بأن الله لا يرى فى الآخرة وأن صاحب الكبيرة يخلد فى النار لا يخرج منها لا هو مؤمن ولا هو كافر وينكرون الشفاعة ولهم أقوال أخرى هم متأولون فيها لم يكفروا بها (وقوله أصحابنا يعنى به الأشعرية والشافعية لأنه أشعرى شافعى بل هو رأس كبير فى الشافعية كما قال ابن حجر وهو إمام مقدم فى النقل معروف بذلك بين الفقهاء والأصوليين والمؤرخين الذين ألفوا فى الفرق فمن أراد مزيد التأكد فليطالع كتبه هذه فلا يدافع نقله بكلام الباجورى وأمثاله ممن هو من قبل عصره أو بعده) فالباجورى كلامه لا يقاوم نقل أبى منصور التميمى الذى ألف كتابه الفرق بين الفرق ليبين الفرق الموجودة فى الدنيا وبين أديانهم وعقائدهم فالباجورى لا شىء بالنسبة لأبى منصور (وأما كلام بعض المتقدمين من ترك تكفيرهم فمحمول على مثل بشر المريسى والمأمون العباسى فإن بشرا كان موافقهم فى القول بخلق القرءان وكفرهم فى القول بخلق الأفعال) والمأمون العباسى إنما لم يكفروه لأنهم ما فهموا مراده من قوله القرءان مخلوق ولو فهموا منه أنه أراد بذلك أن كلام الله الذى هو صفته مخلوق لكفروه لأن هذا لا شك فى كفر قائله (فلا يحكم على جميع من انتسب إلى الاعتزال بحكم واحد ويحكم على كل فرد منهم بكونه ضالا) لأن كل من خرج عن أهل السنة فى المعتقد يسمى ضالا.