الخميس يناير 29, 2026

تفسير الآية ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾

   (يجب أن يكون تفسير هذه الآية بغير الاستقرار والجلوس ونحو ذلك) كالمحاذاة (ويكفر من يعتقد ذلك فيجب ترك الحمل على الظاهر بل يحمل على محمل مستقيم فى العقول فتحمل لفظة الاستواء على القهر) أو يقال استوى استواء يليق به أو يقال ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ بلا كيف، ومعنى قهر الله للعرش الذى هو أعظم المخلوقات أن العرش تحت تصرف الله هو خلقه وهو يحفظه يحفظ عليه وجوده ولولا حفظ الله تعالى له لهوى إلى الأسفل فتحطم فالله تعالى هو أوجده ثم هو حفظه وأبقاه هذا معنى قهر العرش. ويروى عن أم سلمة إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ويروى عن سفيان بن عيينة ويروى عن مالك بن أنس أنهم فسروا استواء الله على عرشه بقولهم الاستواء معلوم ولا يقال كيف والكيف غير معقول. ومعنى قولهم »الاستواء معلوم« معلوم وروده فى القرءان أى بأنه مستو على عرشه استواء يليق به، ومعنى »والكيف غير معقول« أي الشكل والهيئة والجلوس والاستقرار هذا غير معقول أى لا يقبله العقل ولا تجوز على الله لأنها من صفات الأجسام وسئل الإمام أحمد رضى الله عنه عن الاستواء فقال »استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر«. وقد ثبت عن الإمام مالك بإسناد قوى جيد جود إسناده الحافظ ابن حجر فى فتح البارى أنه قال فى استواء الله »استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع« ولا يصح عن مالك ولا عن غيره من السلف أنه قال الاستواء معلوم والكيفية مجهولة فهذه العبارة لم تثبت من حيث الإسناد عن أحد من السلف وهى موهمة معنى فاسدا وهو أن استواء الله على العرش هو استواء له هيئة وشكل لكن نحن لا نعلمه وهى كثيرة الدوران على ألسنة المشبهة والوهابية لأنهم يعتقدون أن المراد بالاستواء الجلوس والاستقرار أى عند أغلبهم وعند بعضهم المحاذاة فوق العرش من غير مماسة ولا يدرون أن هذا هو الكيف المنفى عن الله عند السلف. وليعلم أن الاستواء فى لغة العرب له خمسة عشر معنى كما قال الحافظ أبو بكر بن العربى ومن معانيه الاستقرار والتمام والاعتدال والاستعلاء والعلو والاستيلاء وغير ذلك (ففى لغة العرب يقال استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب) أى استولى على الأشخاص أى على أهل البلد (كقول الشاعر [الرجز]

قد استوى بشر على العراق                من غير سيف ودم مهراق)

   والمعنى سيطر على العراق وملكها من غير حرب وإراقة دماء (وفائدة تخصيص العرش بالذكر أنه أعظم مخلوقات الله تعالى حجما) وهو محدود لا يعلم حده إلا الله (فيعلم) من قولنا قهر العرش (شمول ما دونه) بالقهر (من باب الأولى) وبئس معتقد ابن تيمية فإنه قال الله محدود لكن لا يعلم حده إلا هو اهـ فقد شبه الله بالعرش ولا يفيده قوله فى الله إن له حدا لكن لا يعلم حده إلا هو (قال الإمام على »إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته« رواه الإمام المحدث الفقيه اللغوى أبو منصور التميمى فى كتابه الفرق بين الفرق) فإن قيل كيف تقولون خلقه إظهارا لقدرته ونحن لا نراه نقول الملائكة الحافون حوله يرونه والملائكة لما ينظرون إلى عظم العرش يزدادون خوفا ويزدادون علما بكمال قدرة الله لهذا خلق الله العرش (أو يقال استوى استواء يعلمه هو) من غير أن يفسره بالقهر أو نحوه (مع تنزيهه عن استواء المخلوقين كالجلوس والاستقرار) فيكون أول تأويلا إجماليا (واعلم أنه يجب الحذر من هؤلاء الذين يجيزون على الله القعود على العرش والاستقرار عليه) وهم الوهابية وقبلهم أناس كانوا يعتقدون ذلك (مفسرين لقوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ بالجلوس أو المحاذاة من فوق ومدعين أنه لا يعقل موجود إلا فى مكان) يقولون كيف يكون موجود بلا مكان والموجود لا بد له من مكان، الله موجود إذا له مكان (وحجتهم) هذه (داحضة) باطلة لأنه ليس من شرط الوجود التحيز فى المكان أليس الله كان موجودا قبل المكان والزمان وكل ما سواه بشهادة حديث »كان الله ولم يكن شىء غيره« فالمكان غير الله والجهات والحجم غير الله فإذا صح وجوده تعالى شرعا وعقلا قبل المكان والجهات بلا مكان ولا جهة فكيف يستحيل على زعم هؤلاء وجوده تعالى بلا مكان بعد خلق المكان والجهات. ومصيبة هؤلاء أنهم قاسوا الخالق على المخلوق قالوا كما لا يعقل وجود إنسان أو ملك أو غير ذلك من الأجسام بلا مكان يستحيل وجود الله بلا مكان فهلكوا (ومدعين أيضا أن قول السلف استوى بلا كيف موافق لذلك ولم يدروا أن الكيف الذى نفاه السلف هو الجلوس والاستقرار والتحيز فى المكان والمحاذاة وكل الهيئات من حركة وسكون وانتقال) والمحاذاة معناه كون الشىء فى مقابل شىء فنحن حين نكون تحت سطح فنحن فى محاذاته وحين نكون فى الفضاء نكون فى محاذاة السماء والسماء الأولى تحاذى السماء التى فوقها والكرسى يحاذى العرش والعرش يحاذى الكرسى من تحت والله تعالى لا يجوز عليه أن يكون هكذا على العرش محاذيا له فلا يجوز أن يكون جالسا عليه ولا أن يكون مضطجعا عليه ولا أن يكون فى محاذاته إذ المحاذى إما أن يكون مساويا للمحاذى وإما أن يكون أكبر منه وإما أن يكون أصغر منه وكل هذا لا يصح إلا للشىء الذى له جرم ومساحة والذى له جرم ومساحة محتاج إلى من ركبه والله منزه عن ذلك (والذى يدحض شبههم) ويكسرهم (أن يقال لهم قبل أن يخلق العالم أو المكان هل كان موجودا أم لا فمن ضرورة العقل أن يقول بلى) فيقال إذا وجوده بلا مكان صحيح لأنكم اعترفتم أنه قبل المكان كان موجودا بلا مكان ونحن نقول والآن هو موجود بلا مكان (فيلزمه لو صح قوله لا يعلم موجود إلا فى مكان أحد أمرين إما أن يقول المكان والعرش والعالم قديم وإما أن يقول الرب تعالى محدث وهذا مآل) أى نهاية كلام (الجهلة الحشوية) وهم الذين يثبتون لله المكان فيقال لهم (ليس القديم بالمحدث والمحدث بالقديم« اهـ) أى القديم لا يكون محدثا والمحدث لا يكون قديما والمحدث هو المخلوق أى الذى لم يكن موجودا ثم صار موجودا وهو العالم (وقال القشيرى أيضا فى التذكرة الشرقية »فإن قيل أليس الله يقول ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فيجب الأخذ بظاهره) فنقول إنه هناك ونثبت أنه ساكن على العرش قاعد عليه أو مستقر (قلنا الله يقول أيضا ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ويقول تعالى ﴿ألا إنه بكل شىء محيط﴾ فينبغى أيضا) على زعمكم (أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون) على كلامكم (على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات) كالدائرة المحيطة بما فيها (فى حالة واحدة و)الشىء (الواحد يستحيل أن يكون بذاته فى حالة واحدة بكل مكان) وهذا معنى قول أبى نصر القشيرى رحمه الله وهو حجة مفحمة قاطعة. (قال القشيرى رحمه الله) أيضا إن (قالوا) يعنى المشبهة (قوله ﴿وهو معكم﴾ يعنى بالعلم) أى عالم بنا أينما كنا وليس معناه على الظاهر أنه مع هذا ومع هذا (و)إن قالوا (﴿بكل شىء محيط﴾ إحاطة العلم قلنا وقوله ﴿على العرش استوى﴾ قهر وحفظ وأبقى« انتهى يعنى أنهم قد أولوا هذه الآيات ولم يحملوها على ظواهرها فكيف يعيبون على غيرهم تأويل ءاية الاستواء بالقهر فما هذا التحكم) أى ما هذه الدعوى التى بلا دليل (ثم قال القشيرى رحمه الله »ولو أشعر ما قلنا توهم غلبته لأشعر قوله ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ بذلك أيضا حتى يقال كان مقهورا قبل خلق العباد) أى إن قالوا قهر يدل على أنه كان مغالبا أى أنه كان يتشاجر ويتغالب مع غيره فلا يصح هذا التأويل نقول لهم هو تبارك وتعالى قال ﴿وهو الواحد القهار﴾ إذا يلزم على قولكم هنا أن يكون مغالبا ثم غلب (هيهات إذ لم يكن للعباد وجود قبل خلقه إياهم بل لو كان الأمر على ما توهمه الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغير واعوجاج سابق على وقت الاستواء فإن البارئ تعالى كان موجودا قبل العرش ومن أنصف علم أن قول من يقول العرش بالرب استوى) أى تم وجوده وبقى بإيـجاد الله له وإبقائه (أمثل من قول من يقول الرب بالعرش استوى) لأن هذا القول يشعر بالنقص والنقص على الله مستحيل (فالرب إذا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة ومنزه عن الكون فى المكان وعن المحاذاة« اهـ) أى المقابلة (قال القشيرى رحمه الله »وقد نبغت نابغة من الرعاع) أى السفهاء (لولا استنزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور فى أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجرى الآيات الموهمة تشبيها والأخبار الموهمة حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شىء من ذلك) فأوهموا الناس أن الله تعالى له حركة وتردد فى الجهات وأن له أعضاء لأنهم يوردون هذه الآيات ويقولون نحن نأخذ بالظاهر (ويتمسكون بقول الله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وهؤلاء والذى أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا فى قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد) أى التنقل (فى الجهات قال القشيرى رحمه الله »فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات) وهى الأشياء التى نراها بأعيننا من المخلوقات (فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدرى« اهـ) فهؤلاء المشبهة يوهمون الناس أن الله مثل هذه الأشياء البشر والضوء ونحو ذلك (فتبين أن قول من يقول »إن التأويل غير جائز« خبط وجهل وهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس »اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب« رواه ابن ماجه وغيره بألفاظ متعددة وأوله عند البخارى) والحديث معناه أن الرسول دعا له أن يعلمه الله تأويل القرءان والحديث، هذا الحديث يكسرهم فيقال لهم كيف تنكرون التأويل والرسول دعا لابن عباس بالتأويل فلو كان غير جائز يكون الرسول صلى الله عليه وسلم على زعمكم دعا بدعاء غير جائز (قال الحافظ ابن الجوزى) الحنبلى (فى كتابه المجالس »ولا شك أن الله استجاب دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم هذا« اهـ وشدد النكير والتشنيع على من يمنع التأويل ووسع القول فى ذلك فليطالعه من أراد زيادة التأكد) وغيره من كتبه ككتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه وكتابه أخبار الصفات فإن فيها تشنيعا كبيرا على الحنابلة الذين يجسمون الله وينسبون التجسيم لأحمد وهو برىء من ذلك. ويكفى فى تفنيد ذلك ما قاله صاحب الخصال من الحنابلة قال أحمد »من قال الله جسم لا كالأجسام كفر« اهـ فهم كاذبون فى انتسابهم لأحمد (ومعنى قوله تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ فوقية القهر دون المكان والجهة أى ليس فوقية المكان والجهة. ومعنى قوله تعالى ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ ليس مجىء الحركة والانتقال والزوال وإفراغ مكان وملء ءاخر بالنسبة إلى الله ومن اعتقد ذلك يكفر) ومعناه بالنسبة إلى الملائكة المجىء المحسوس الذى هو حركة وانتقال فهذه الآية فيها استعمال اللفظ الواحد لمعنيين مختلفين (فالله تعالى خلق الحركة والسكون وكل ما كان من صفات الحوادث فلا يوصف الله تعالى بالحركة ولا بالسكون، والمعنى بقوله ﴿وجاء ربك﴾ جاء أمر ربك أى أثر من ءاثار قدرته. وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال فى قوله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ إنما جاءت قدرته، رواه البيهقى فى مناقب أحمد وقد مر ذكره).